لا أعرف متى بدأت الحكاية، ربما بدأت في الدلتا التي ولدت فيها، قبل أن أعرف أن المكان الذي أعيش فيه جزء من تاريخ طويل. هناك عرفت الأرض والماء والناس قبل أن أعرف كلمات مثل الحضارة والآثار والتاريخ، كانت مصر بالنسبة إليّ في البداية حياة تُعاش، لا موضوعًا يُدرس.
ثم جاءت القاهرة.
عشت فيها، وفيها اتسعت عيناي على مدينة لا تكشف نفسها بسهولة. كلما ظننت أنني فهمت جزءًا منها، ظهرت طبقة أخرى تحتها. مبنى قديم، شارع يحمل ذاكرة بعيدة، مقبرة، مسجد، كنيسة، بيت، وجه إنسان. بدأت أفهم أن القاهرة نفسها حفائر مفتوحة، وأن الماضي ليس وراءنا تمامًا، بل يعيش معنا ويتسلل إلى الحاضر من شقوقه الصغيرة.
هناك بدأت أسئلتي عن مصر القديمة.
لم أكن أريد أن أعرف فقط ماذا فعل المصريون القدماء، بل لماذا فعلوه. لماذا خافوا الموت؟ لماذا أرادوا الخلود؟ لماذا حفظوا أسماءهم وصورهم؟ لماذا بذل الإنسان كل هذا الجهد كي لا يختفي تمامًا؟
دخلت عالم الآثار، لكنني اكتشفت مع الوقت أنني لم أكن أبحث عن الأشياء بقدر ما كنت أبحث عن البشر الذين تركوا هذه الأشياء وراءهم.
فالتمثال ليس حجرًا فقط. والمقبرة ليست بناءً فقط. والنقش ليس كلمات على جدار. وراء كل أثر إنسان كان له بيت وخوف وحب وطموح وخسارة وحلم بالمستقبل.
لكن التحول الأكبر حدث عندما كتبت كتابي الأول «البحث عن خنوم».
كان ذلك بعد تخرجي في جامعة القاهرة، وقبل سفري إلى الخارج بسنوات، وهذه نقطة مهمة في حكايتي؛ فالكاتب لم يولد في أوكسفورد، ولم يظهر في بالتيمور، ولم تصنعه توسون. كان قد بدأ يتشكل في القاهرة، وأنا ما زلت شابًا في بداية الطريق.
لم أكن وقتها أقول لنفسي إنني أصبحت كاتبًا. كنت أكتب لأن لدي شيئًا أريد أن أقوله، ولأن موضوع خنوم ظل يثير داخلي أسئلة أكثر من تلك التي تمنحها الكتب إجابات.
وأثناء الكتابة حدث شيء لم أخطط له.
بدأت أكتشف صوتي.
كنت أعرف أن الباحث مطالب بالدقة، وأن عليه أن يعود إلى الدليل ويتوقف عند حدوده. لكنني اكتشفت أنني أريد أكثر من عرض المعلومات. كنت أريد أن أصطحب القارئ معي إلى السؤال، إلى لحظة البحث، إلى الحيرة، إلى الدهشة التي يشعر بها الباحث عندما يكتشف شيئًا لم يكن يراه من قبل.
هنا بدأت المسافة بين عالم الآثار والكاتب تضيق.
كان الباحث يسأل: أين الدليل؟
أما الكاتب الذي بدأ يتشكل داخلي فكان يسأل: ماذا يعني هذا الدليل للإنسان؟
لم يعد خنوم بالنسبة إليّ موضوعًا أثريًا فقط. صار مدخلًا إلى أسئلة أكبر عن الإنسان، وعن علاقته بالمقدس، وعن خوفه من المجهول، وعن محاولته المستمرة لفهم العالم ومنح حياته معنى.
وهنا فهمت شيئًا ظل يرافقني بعد ذلك: أن الأثر يحتفظ بجزء من الحياة، لكنه لا يستطيع أن يعيد الحياة كلها.
يمكنني أن أعرف اسم شخص عاش قبل آلاف السنين، ووظيفته، وعصره، وأن أقرأ كلماته على الحجر، لكنني لا أستطيع أن أعرف تمامًا ماذا كان يشعر عندما كان وحده.
الوثيقة تصل إلى نقطة.
أما الكتابة فتحاول أن تنظر إلى ما وراءها، من دون أن تخونها.
كان «البحث عن خنوم» أول كتاب لي، لكنه كان أيضًا أول مواجهة حقيقية بيني وبين الكاتب الذي لم أكن أعرفه جيدًا في داخلي. اكتشفت أنني لا أريد أن أبقى ناقلًا للمعرفة. أريد أن أحول المعرفة إلى تجربة، والمعلومة إلى حكاية، والحكاية إلى سؤال يبقى مع القارئ بعد أن يغلق الكتاب.
ومنذ ذلك الوقت تغيرت علاقتي بالكتابة.
لم تعد مجرد وسيلة لأنشر ما أعرفه، وإنما أصبحت طريقة أفهم بها ما أعرفه وما لا أعرفه.
ثم سافرت إلى الخارج.
درست في أوكسفورد، ثم في بالتيمور، وعملت ودرست في توسون بأريزونا. لم تكن هذه المدن مجرد محطات في سيرتي. كل واحدة منها أخذتني خطوة بعيدًا عن الصورة الأولى التي كنت أملكها عن نفسي ومصر والعالم.
في أوكسفورد تعلمت أن المسافة قد تكون ضرورية للرؤية. أن تحب مصر لا يعني أن تتوقف عن نقدها، وأن دراسة الماضي لا تعني تحويله إلى أسطورة.
في بالتيمور اتسعت الخريطة. بدأت أرى مصر داخل عالم أكبر، وأفهم الحضارات في علاقاتها وتفاعلاتها، لا باعتبارها جزرًا منفصلة.
وفي توسون عرفت معنى آخر للابتعاد.
حين ابتعدت عن مصر، أصبحت أكثر حضورًا في داخلي. ظهرت في اللغة والذاكرة والوجوه والتفاصيل الصغيرة. اكتشفت أن الوطن ليس فقط المكان الذي نعيش فيه، بل الأشياء التي تستمر في العيش داخلنا بعد أن نغادره.
السفر لم يصنع علاقتي بمصر.
لكنه جعلني أراها من الخارج.
وعندما عدت إلى القاهرة، لم تعد المدينة كما كانت في عيني، رغم أنها لم تتغير بالضرورة.
كنت أنا الذي تغيرت.
بدأت أرى القاهرة كما يرى عالم الآثار موقعًا أثريًا: طبقات متراكمة، حياة فوق حياة، ذاكرة فوق ذاكرة. وأدركت أن المدينة يمكن أن تكون كتابًا، وأن الشوارع يمكن أن تكون صفحات، وأن الإنسان نفسه يحمل داخله حفائر لا تقل عمقًا عن حفائر الأرض.
مع الوقت اتسعت الكتابة عندي.
لم تعد مصر القديمة وحدها هي الموضوع. أصبحت القاهرة والإسكندرية والتاريخ والثقافة والرواية والسيرة كلها طرقًا مختلفة إلى السؤال نفسه.
الإنسان.
في الآثار أبحث عنه.
وفي التاريخ أبحث عنه.
وفي المدينة أبحث عنه.
وفي الرواية أذهب إليه عندما تتوقف الوثيقة عن الكلام.
وهذا هو الخيط الذي يجمع ما قد يبدو متفرقًا في حياتي.
قد أبدو أحيانًا موزعًا بين عالم الآثار ومدير المتحف والكاتب والقارئ. وأعترف أنني شعرت بهذا التشتت أحيانًا. سألت نفسي أكثر من مرة: هل كان ينبغي أن أختار طريقًا واحدًا وأمضي فيه؟
لكنني لم أستطع.
لأنني اكتشفت أن هذه الطرق ليست منفصلة كما تبدو.
المتحف علمني الإصغاء إلى الأشياء.
علم الآثار علمني احترام الدليل.
السفر علمني المسافة.
القاهرة علمتني طبقات المدينة.
والكتابة أعطتني اللغة التي أستطيع بها أن أجمع هذه التجارب دون أن أفقد اختلافها.
ثم جاءت الإسكندرية.
أشعر أن الإسكندرية تناسب المرحلة التي وصلت إليها في حياتي. مدينة تنظر إلى البحر، ولذلك تظل مفتوحة على المجهول. لا تمنحك إحساس النهاية، بل تذكرك دائمًا بأن وراء الأفق عالمًا آخر.
وفي متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية أعيش يوميًا بالقرب من أزمنة مختلفة، ومن أشياء نجت من أصحابها آلاف السنين.
وهذا القرب علمني التواضع.
كلما اقتربت من الآثار، أدركت حجم ما لا أعرفه.
الأثر لا يمنحنا الماضي كاملًا. يعطينا شظية منه، ثم يترك لنا مهمة البحث عن الصورة الأكبر.
وهكذا أصبحت الكتابة بالنسبة إليّ نوعًا آخر من الحفائر.
في الحفائر ننزل طبقة بعد طبقة.
وفي الكتابة نفعل الشيء نفسه داخل الذاكرة والمعنى.
نزيل طبقة من المعرفة، فنجد تحتها سؤالًا. نجيب عن سؤال، فنكتشف سؤالًا آخر.
وربما لهذا لا أشعر أنني وصلت.
ما زالت هناك كتب أريد أن أكتبها، وحكايات أريد أن أقترب منها، وأفكار أخاف أحيانًا من الاقتراب منها لأنها أكبر من الإجابات التي أملكها.
وما زالت هناك مسافة بين الرجل الذي كنت أتمنى أن أصبحه والرجل الذي أصبحت عليه.
لكنني لم أعد أخاف من هذه المسافة.
ربما لأنها جزء من الحقيقة.
في المساء، عندما أخرج من المتحف وأرى البحر، تعود الرحلة كلها أحيانًا أمامي: الدلتا التي ولدت فيها، القاهرة التي عشت فيها، «البحث عن خنوم» الذي فتح لي باب الكتابة، ثم أوكسفورد وبالتيمور وتوسون، والعودة إلى القاهرة، ثم الإسكندرية.
لا أراها الآن مجرد أماكن.
أراها مراحل في تكوين رجل ظل يتغير وهو يحاول أن يفهم ماذا يريد من حياته.
الدلتا أعطتني الجذور.
القاهرة أعطتني السؤال.
«البحث عن خنوم» أعطاني الصوت.
السفر أعطاني المسافة.
والمتحف أعطاني مسؤولية الذاكرة.
والبحر أعطاني الأفق.
وأنا، حتى الآن، أقف بين الحجر والبحر.
لا أملك إجابة نهائية عن الرحلة كلها، ولا أظن أنني أحتاج إليها.
يكفيني أنني ما زلت أبحث.
وأنني كلما ظننت أنني أقترب من الماضي، أكتشف أنني أقترب أكثر من الإنسان.
وكلما اقتربت من الإنسان، أجد نفسي مضطرًا إلى النظر في داخلي.
لهذا أكتب.
ليس لأنني انتهيت من البحث، بل لأنني لم أنته منه.
ولأن الكتاب الأول الذي كتبته شابًا، «البحث عن خنوم»، لم يكن نهاية شيء.
كان أول مرة أكتشف فيها أن الأثر يمكن أن يقود إلى الكتاب، وأن الكتاب يمكن أن يعيدني، مرة أخرى، إلى الإنسان.