حسين عبدالبصير

حين نظر المصرى القديم إلى السماء ليعرف متى تبدأ الحياة

الخميس، 17 سبتمبر 2026 04:31 م


في الحادي عشر من سبتمبر، حين يبدأ عام جديد في التقويم المصري القبطي، لا نحتفل بيوم عادي من أيام السنة، نحن نلمس، من بعيد، أثر زمن مصري قديم بدأ قبل آلاف السنين، حين حاول الإنسان أن يعرف متى تنتهي دورة وتبدأ أخرى، ومتى يأتي الماء، ومتى تستعيد الأرض حياتها.

وراء هذا اليوم حكاية أطول بكثير من مجرد تغيير رقم في التقويم.

ففي فجر بعيد، قبل آلاف السنين، كان المصري القديم يقف على ضفة النيل، والأرض من حوله مرتبطة بما سيأتي من الماء. لم تكن لديه ساعة، ولا تقويم حديث، ولا أجهزة فلكية يخبره بها موعد الموسم المقبل. كان أمامه النهر والشمس والسماء، وكان عليه أن يقرأ ما يتكرر في الطبيعة لكي يفهم إيقاع حياته.

ثم ظهر نجم الشعرى اليمانية.

سوبدت، كما عرفها المصري القديم.

كانت عودتها إلى سماء الفجر بعد فترة من اختفائها، فيما يعرف فلكيًا بالظهور الاحتراقي، ظاهرة يمكن ملاحظتها، وقد تزامنت في عصور قديمة معينة مع الفترة القريبة من بداية موسم الفيضان. لم تكن سوبدت هي التي تجلب مياه النيل، ولم يكن ظهورها يحدد يوم الفيضان بدقة، لكنها أصبحت علامة سماوية مهمة ارتبطت ببداية دورة جديدة من الزمن والحياة.

وهنا يمكن أن نفهم شيئًا أساسيًا في قصة رأس السنة المصرية.

فالسنة لم تكن بالنسبة إلى المصري القديم مجرد مجموعة من الأيام. كانت دورة كاملة تبدأ بالماء وتنتهي بالحصاد، ثم تعود من جديد. ومن مراقبة النيل والسماء، بدأ الإنسان المصري يحول حركة الطبيعة إلى نظام يستطيع أن يعيش داخله.

قسم المصريون العام إلى ثلاثة مواسم كبرى: «آخت»، موسم الفيضان، و«برت»، موسم ظهور الأرض والنمو والزراعة، و«شمو»، موسم الحصاد. ولم تكن هذه أسماء على ورق، بل كانت وصفًا لإيقاع الحياة نفسها: يأتي الماء، تنحسر المياه، تظهر الأرض، ينمو الزرع، ثم يأتي الحصاد.

ومع تطور هذا الفهم، أصبح للمصري تقويم مدني يتكون من 365 يومًا: اثنا عشر شهرًا، في كل شهر ثلاثون يومًا، تضاف إليها خمسة أيام في نهاية السنة. وهكذا انتقل الإنسان من ملاحظة الزمن إلى تنظيمه.

كان يعرف متى يبدأ الموسم، ومتى تؤدى الطقوس، ومتى تقام الأعياد، وكيف تؤرخ الوثائق، وكيف تنظم الدولة المحاصيل والعمال والضرائب والمشروعات.

ولذلك فإن رأس السنة المصرية ليست مجرد مناسبة تراثية. إنها تذكير بأن المصري القديم كان من أوائل البشر الذين حاولوا تحويل الزمن إلى نظام اجتماعي وحضاري.

صحيح أن السنة المدنية المصرية كانت أقصر قليلًا من السنة الشمسية، بنحو ربع يوم تقريبًا، ولذلك تحرك التقويم تدريجيًا بالنسبة إلى الفصول، كما أن ظهور سوبدت والفيضان لم يكونا مرتبطين ارتباطًا ثابتًا في كل العصور، لكن أهمية التجربة لا تكمن في أن المصري صنع تقويمًا كاملًا لا يتغير، وإنما في أنه أدرك أن الطبيعة يمكن قراءتها، وأن الزمن يمكن قياسه، وأن المعرفة يمكن أن تصبح أداة لتنظيم الحياة.

ولهذا يحمل يوم رأس السنة المصرية معنى يتجاوز الاحتفال.

إنه يوم نستعيد فيه لحظة قديمة جدًا من تاريخ الإنسان، حين رفع المصري عينيه إلى السماء، ثم عاد بهما إلى النيل، وحاول أن يفهم العلاقة بين الاثنين.

النجم في السماء.

والنهر على الأرض.

وبينهما الإنسان، يحاول أن يعرف متى تبدأ الحياة من جديد.

واليوم، بعد آلاف السنين، أصبحنا نملك ساعات ذرية وأقمارًا صناعية ومراصد تقيس الزمن بدقة مذهلة. لكن السؤال القديم لم يتغير تمامًا.

المصري القديم كان يريد أن يعرف متى يبدأ العام.

أما نحن، وقد عرفنا ذلك بدقة، فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب:

ماذا سنفعل بالأعوام التي لدينا؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة