عندما تتوافر الشروط في "الدولة الثالثة"، باعتبارها كيانا يمتلك محفظة من الوظائف الحيوية التي لا غنى عنها لقوتين متصارعتين، تبدو الحاجة ملحة بالنسبة لهما للقبول بالتعايش داخل مجالها الاستراتيجي، حتى وإن حمل بين طياته صيغة تنافسية، دون إقصاء كامل للآخر، وبالتالي يبقى الخيار، حال نشوب خلاف حول وظيفة معينة، هو القبول بالقواعد التي تضعها تلك الدولة لتحقيق المواءمة فيما بينهما، ليدور التساؤل الجديد في جوهره حول ما إذا كان ثمة تغيير ممكن في شكل العلاقة بين الخصمين خارج هذا المجال، ربما ليس إلى الحد الذي يمكن الوصول به إلى إنهاء الصراع، وإنما عبر استدعاء قواعد المواءمة التي سبق اختبارها داخل المجال الاستراتيجي لـ"الدولة الثالثة" في إدارة خلافات وظيفية مشابهة خارجه، وما إذا كانت المواءمة، التي جاءت في الداخل للحفاظ على التعايش القائم، يمكن أن تصبح في الخارج مدخلا لبناء صورة من التعايش لم تكن قائمة من الأساس.
والمفارقة الملفتة في هذا الإطار تتجلى في المعادلة المعكوسة، والتي تنطلق من التعايش باعتباره الخيار الأقل كلفة داخل المجال الاستراتيجي لـ"الدولة الثالثة"، حيث إن أي تحرك غير محسوب يهدف إلى إقصاء الخصم قد تكون كلفته أكبر بكثير من القبول بوجوده، ثم تأتي المواءمة لإدارة تضارب المصالح حول وظيفة بعينها، بينما تبدو قواعدها، حال نجاحها في الداخل، نقطة انطلاق محتملة في الخارج، إذ لم تعد مجرد ترتيبات تضعها "الدولة الثالثة" للحفاظ على استمرار الوظيفة، وإنما صيغة جرى اختبارها بالفعل وأثبتت قدرتها على استيعاب المصالح المتعارضة بما يسمح لكل طرف بالحفاظ على قدر من مصالحه، وهو ما قد يجعلها قابلة للاستدعاء في حالات وظيفية مشابهة خارج هذا المجال.
والواقع أن نجاح المواءمة داخل المجال الاستراتيجي لـ"الدولة الثالثة" قد يقود إلى مسار أو أكثر لصناعة مواءمات أخرى خارجه، ربما أبرزها استقلال القواعد المتبعة سابقا عن الدولة التي قامت بالوساطة الوظيفية، عبر اتصال مباشر بين الخصمين دون تدخل مباشر منها على خط الخلاف الجديد، ليبقى أثر دورها السابق ممتدا في إطاره الوظيفي حتى مع غيابها عن عملية المواءمة نفسها، فيما يمكن في مسار آخر استدعاء الدولة للقيام بدور الوسيط خارج مجالها، لتنتقل من أداء الوساطة في صورتها الوظيفية المرتبطة بوظيفة تتعلق بها مباشرة إلى الوساطة الدبلوماسية، استنادا إلى ما اكتسبته من مقبولية لدى أطراف الصراع، بالإضافة إلى خبرتها السابقة في إدارة الخلافات بينهما، أما المسار الثالث فيحمل مزيجا بين الحالتين، عبر الاتصال المباشر بين الخصمين في بعض المراحل واستدعاء "الدولة الثالثة" في مراحل أخرى.
ورغم التعقيدات المصاحبة لعملية المواءمة بين الخصوم، فإن كل نجاح تحققه قد يرفع فرص استدعائها مجددا مع كل خلاف وظيفي مشابه ينشب بينهما، بما يساهم في الحيلولة دون تحول هذه الخلافات إلى مساحات إضافية لتصعيد الصراع من جانب، بينما يمثل تراكم التجارب الناجحة فرصة للانتقال من المواءمة إلى التعايش، حتى وإن ظل تنافسيا، ولكن هذه المرة خارج المجال الاستراتيجي لـ"الدولة الثالثة"، ليتسع نطاقه تدريجيا من قضية أو وظيفة بعينها إلى إقليم معين، وربما إلى مساحات جغرافية ووظيفية أوسع.
إلا أن قابلية المواءمة للتكرار لا تعني بالضرورة قدرتها على الانتقال بين مختلف صور الخلاف، إذ تبقى فرص استدعاء القواعد التي أثبتت نجاحها مرتبطة بوجود قدر من التشابه بين الوظائف والمصالح محل التعارض، فالصيغة التي تنجح في إدارة خلاف اقتصادي أو لوجستي أو تقني قد تصبح أكثر قابلية لإعادة الإنتاج في خلافات تحمل طبيعة مشابهة، دون أن يعني ذلك صلاحيتها بالضرورة للتعامل مع قضايا ترتبط بالسيادة أو الأمن أو غيرها من المصالح التي ينظر إليها أحد الأطراف باعتبارها غير قابلة للمواءمة، وهو ما يضع حدودا أمام امتداد التعايش نفسه، فلا يتحول بالضرورة إلى حالة شاملة تحكم العلاقة بين الخصمين، وإنما قد يبقى محصورا في مساحات وظيفية بعينها، تتسع كلما تكررت التجارب الناجحة وتوافرت شروط إعادة إنتاجها، وتتوقف عند النقاط التي تصبح فيها كلفة التنازل أو القبول بوجود الآخر أكبر من كلفة استمرار الصراع.
وفي هذا الإطار، لا تتوقف قيمة "الدولة الثالثة" عند قدرتها على حماية مجالها الاستراتيجي من انتقال صراعات الآخرين إليه، أو إدارة ما ينشأ داخله من تعارض بين مصالحهم، وإنما قد تمتد إلى تحويل الخبرة المتراكمة في إدارة هذه التناقضات إلى رصيد دبلوماسي يمكن توظيفه خارج هذا المجال، فنجاحها في إنتاج قواعد للمواءمة تحافظ على قدر من مصالح الأطراف المتصارعة يمنح تجربتها قيمة تتجاوز الوظيفة التي نشأت في إطارها، سواء عبر استمرار أثر هذه القواعد في إدارة الخلافات بين الخصوم دون تدخل مباشر منها، أو من خلال استدعائها للقيام بدور الوسيط في قضايا أخرى، لتتحول قدرتها على إدارة مجالها الاستراتيجي من أداة لحماية مصالحها والحفاظ على وظائفها إلى مصدر للتأثير في شكل العلاقة بين القوى المتصارعة خارج حدود هذا المجال.
وهنا يمكننا القول بأن أهمية "الدولة الثالثة" تتجاوز مجرد قدرتها على استيعاب مصالح القوى المتصارعة داخل مجالها الاستراتيجي، لتكمن في قدرتها على تحويل هذا المجال إلى مساحة لاختبار قواعد جديدة لإدارة التعارض بينها، فالتعايش الذي بدأ في الداخل باعتباره الخيار الأقل كلفة أفرز الحاجة إلى المواءمة، بينما قد تقود المواءمة، حال نجاحها وتكرارها، إلى إعادة إنتاج صورة من التعايش خارج هذا المجال، دون أن يعني ذلك إنهاء الصراع أو تجاوز أسبابه، وإنما الحد من قدرته على التحول مع كل خلاف جديد إلى حالة إقصائية، لتصبح القيمة الحقيقية للدولة في هذه الحالة مرهونة ليس فقط بما تقدمه من وظائف يحتاجها الخصوم، وإنما بما يمكن أن تنتجه من قواعد تسمح لهم بإدارة جانب من تناقضاتهم، وبذلك لا تبقى "الدولة الثالثة" مجرد مساحة يضطر المتنافسون إلى التعايش داخلها، وإنما قد تتحول إلى نقطة انطلاق لتعايش أوسع تصنعه المصالح وتضبطه المواءمة رغم استمرار الصراع.
إقرأ أيضا
"التعايش التنافسي".. "الدولة الثالثة" من تعدد الشركاء إلى تعدد الوظائف
"الدولة الثالثة".. من استيراد الاستقرار إلى إنتاج الطلب عليه
"الوساطة الوظيفية".. عندما تتجاوز "الدولة الثالثة" لغة الدبلوماسية التقليدية
مصر والتعددية الوظيفية.. من بناء القدرة إلى توسيع الدور