وليد نجا يكتب: المهنية أو اللامهنية.. الأمن القومي الإعلامي.. الوعي الجماهيري

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026 09:07 م
وليد نجا يكتب: المهنية أو اللامهنية.. الأمن القومي الإعلامي.. الوعي الجماهيري وليد نجا

واجه العالم العربي نكبتين؛ النكبة الأولى عام 1948، واحتُلت الأراضي الفلسطينية، والنكبة الثانية عام 2003، واحتُلت العراق. وبين النكبتين حدثت تغيرات جيوسياسية في الوطن العربي، وظهر الإعلام الموجَّه الناطق باللغة العربية، وفق أجندات الحرب النفسية والعمليات النفسية، تبثه قوى إقليمية ودولية معادية للمصالح العربية عبر إعلاميين عرب، وعبر منصات تتواجد في دول عربية وأجنبية، وتتوافق رؤية الإعلام مع مخطط الشرق الأوسط، ولا يتوافق محتواه مع الهوية الوطنية للدول العربية، في إطار مصطلحات العولمة والإعلام الحر وغيرها من المصطلحات البراقة التي تجذب البسطاء من عوام الجماهير.

وتم تكريس ثقافة الفهلوة والتفاهة عبر وسائل الإعلام، في ظل تراجع الإعلام المحلي على حساب القيم والعادات والتقاليد المتوارثة عبر الأجيال، وأصبح الإعلام الوطني الحقيقي في ورطة للخروج من المعادلة الصعبة بين تقديم محتوى مهني يحافظ على الهوية الوطنية، ويصنع ويقدم الخبر، وبين السباق الفضائي مع الإعلام الإلكتروني عبر قنوات متعددة، محتواها الإعلامي يقدم صناعة الترند على حساب قدسية العمل والقيم.

والإشكالية الحقيقية للإعلام تكمن في أنه لم يعد ترفًا في حياة المجتمعات، ولا مجرد وسيلة للخبر أو الترفيه، بل أصبح ضمن محددات الأمن القومي للدول، لدوره الأساسي في تشكيل الوعي وصناعة المستقبل.

فالكلمة التي تُقال عبر حوار في برنامج تلفزيوني على شاشة، أو تُكتب في صحيفة ورقية، أو عبر منصة رقمية، هي مرتكز أساسي في تحريك الوعي الجمعي للمواطنين، بالإيجاب والسلب، حيال قضايا مصيرية، وتغيير اتجاهاتهم ورؤيتهم، وفتح مسارات جديدة للفكر والسياسة والثقافة وفق سيكولوجية الشعوب.

وتكمن إشكالية الإعلام في عالمنا العربي في أن كثيرًا من القنوات والمواقع فقدت جوهر رسالتها الإعلامية، في ظل اختلاط المفاهيم، فمهمة الإعلام الرئيسية هي التنوير والإبداع، بجانب الحفاظ على المصالح القومية وفق محددات وطنية تحفظ للدول أمنها القومي.

والملاحظ في تناول الإعلام العربي للقضايا المحلية والإقليمية والدولية أنه يفتقد لروح العمل الجماعي والقومية العربية والأمن القومي العربي، لتباين الرؤية وفق فقه الأولويات المتغيرة من دولة إلى أخرى، بالرغم من القواسم المشتركة ووحدة المصير.

فشتان بين الإعلام العربي والعالمي في فترة الخمسينيات وما بعدها، من حقبة الدولة القومية، فقد كان الإعلام صانع الأحداث، وبين الإعلام في عصرنا الحالي التابع للأحداث، الأسير لدوائر التكرار، بحيث يتم إعادة إنتاج نفسه حتى الملل.

وهنا إشكالية تطرح نفسها: هل نحن كإعلام عربي في عصرنا الحالي نصنع الحدث ونمتلك رؤية في إطار وطني، أم أمام إعلام يبحث عن الترند ويصنعه دون الاهتمام بالقضايا المصيرية للدول؟ هذه السلسلة من الأفكار التي أطرحها تأتي محاولة للإجابة عن هذا السؤال الكبير.

فحالة التخبط التي يعيشها الإعلام العربي معبرة عما يعيشه عالمنا العربي من تخبط، في ظل تحديات لم يتعرض لها من قبل على مر التاريخ، لكنها أيضًا حالة تبحث عن الأفق الجديد الممكن، وتجيب عن السؤال الذي أطرحه على جميع الفاعلين على الساحة الإعلامية العربية: كيف يمكن أن نعيد تعريف الإعلام العربي ليكون قوة صانعة، لا مجرد تابع؟ وكيف نستعيد دوره في زمن تغيّر فيه الجمهور، وتغيرت معه أدوات الاتصال ومفاهيم التأثير؟

الإجابة من وجهة نظري البحثية أن أصل الإشكالية العربية في الإعلام تكمن في بعض النقاط التي أطرحها كرؤية نقدية متكاملة. ورؤيتي قد تكون واقعية للبعض وصادمة للبعض الآخر، فمن الممكن الاتفاق معها والاختلاف، لكنها رؤية صريحة لصناعة الوعي العربي وإعادة التفكير في القضايا العربية المشتركة، وفي القلب منها القضية الفلسطينية، قضية العرب الأولى، مهما تبدلت الأولويات وتباينت المواقف بين مختلف الدول العربية، وخاصة بعد التوغل الإسرائيلي في منطقتنا العربية، وآخرها ضرب قيادات الفصائل الفلسطينية داخل الأراضي القطرية.

وأتمنى أن يتم التعاطي مع رؤيتي بنقاش بين النخبة والمفكرين والإعلاميين والحكومات العربية، للخروج من الوضع العربي الراهن غير المسبوق، بوضع خطة عمل تعيد فقه الأولويات العربية؛ فالإعلام العربي ترك جوهر الوحدة العربية والمصير العربي المشترك، وبحث عن قضايا فرعية، من ضمنها تصفية الخلافات بين بعض الأنظمة العربية، والبحث عن الترند عبر قنوات تناقش كل ما يخص بعض الدول وفق رؤية متضاربة.

وأحاول، عبر ما أطرحه من أفكار عروبية وأكاديمية، تطوير الإعلام إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من إعلامنا العربي، قبل أن يطوي الزمن إعلامًا اختار أن يعيش في الماضي.

فالحقيقة المعروفة أكاديميًا أن الإعلام في الأصل ليس آلة تسجيل، ولا دفتر وقائع أو أحوال، ولا مجرد ناقل لأخبار تفرضها عليه الأحداث ويحكمها الترند وفق أجندات موجهة؛ فالإعلام وُجد ليكون قاطرة التنمية للوعي والبناء، عبر كوادر متخصصة في كافة المجالات، تمتلك الرؤية لطرح الإشكاليات ومقترحات الحل، فتزيد راية التنوير، ويصبح الإعلام صوتًا قادرًا على صياغة الوعي الجمعي وفق سيكولوجية الشعوب، فيتمكن من صناعة المستقبل.

وتكمن الإشكالية في تكرار الإعلام العربي لنفسه، عبر إعادة استخدام الأساليب والأصوات والموضوعات نفسها، فيقع في مطب الكلاسيكيات. وهنا نصيحة للقائمين على تطوير الإعلام: لا بد من اختيار وجوه جديدة وأفكار جديدة، مع الاستعانة بالخبرات المتراكمة، ليبقى منها المتطور والقادر على التعامل مع مختلف الأجيال.

وأجد في قناة القاهرة الإخبارية، دون تحيز، بل عبر تقييم واقعي محايد، تطلعًا مهنيًا أتمنى تكراره في قنوات أخرى في المنطقة العربية.

فواقع الإعلام العربي أنه أصبح عاجزًا عن ملاحقة التطور المهني، حيث إن الإعلام صناعة متكاملة، فلا بد من التطور وعدم الجمود المكاني حتى لا نفقد حس الابتكار، لنتوقف عند حدود «النقل» دون أن ننتقل إلى مرحلة «صناعة الخبر».

فالفرق بين إعلام «صانع للخبر المواكب للأحداث ولتطلعات الشعوب» وإعلام ينقل الخبر، هو كالفرق بين من يكتب التاريخ ومن يقرأه؛ فالإعلام الصانع للأحداث يحدد اتجاه الرأي العام، ويفتح نوافذ جديدة، ويُربك من يكتفي بالثبات، أما الإعلام التابع فيتحول إلى ظل باهت، دوره محكوم بغيره، وصوته مجرد تكرار.

فنحن في العالم العربي ارتكبنا خطأ فادحًا حين جعلنا الإعلام مجرد «مواكب» للحركة الثقافية والاجتماعية، لا محركًا لها، والنتيجة إعلام يلهث خلف المجتمع بدلًا من أن يقوده، ويبرر واقعه بدلًا من أن يغيره.

فلو نظرنا بصدق إلى واقع الإعلام المصري، لوجدناه يعيش فترة مخاض صعبة بين التطلعات والواقع والمأمول، فقد تأخر تطويره، وأن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي. فمصر بالنسبة للوطن العربي هي قاطرة التنمية، وتمتلك كوادر مهنية ومبدعين في كافة المواقع، وبصماتهم ظاهرة في كافة المؤسسات في منطقة الشرق الأوسط والعالم.

ونصيحتي للقائمين على تطوير الإعلام المصري: لا تكرروا نفس الوجهة ونفس القوالب التي تُدخل المحتوى الإعلامي في حالة جمود، فتعطل مسيرة التطوير والتحديث.

فمشكلة التطوير ليست في الأدوات؛ فالتكنولوجيا متاحة، والمنصات الرقمية مفتوحة، والفرص أكبر من أي وقت مضى، لكن الإشكالية الحقيقية في مواكبة الرؤية الإعلامية للأحداث المحلية والإقليمية والدولية المتسارعة.

فالإعلام المصري رائد للثقافة العربية، وعليه أن يقرأ المستقبل، ويطرح أسئلة تهم الوعي الجمعي للمواطنين، وتوفر لهم جودة الحياة.

فالإعلام العربي، وفي مقدمته الإعلام المصري، يمر بمفترق طرق في ظل تحديات جيوسياسية غير مسبوقة، فلا بد من إعادة تعريف الإعلام باعتباره صناعة وتوجيهًا يصبان في صالح الأمن القومي العربي.

والبديل عن عدم التطوير والتحديث هو الدوران داخل دائرة مفرغة؛ فلا معنى لإعلام يكرر نفسه، أو يزين الأخطاء. ولا جدوى من إعلام يكتفي بأن يكون شاهدًا على الحدث، بينما المطلوب أن يكون مشاركًا في صناعته.

لقد أصبح المتلقي العربي، خاصة فئة الشباب، أكثر وعيًا مما نظن، وصار يتطلع إلى إعلام وطني في ظل الفوضى الإعلامية عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ فلا بد من طرح مساحة للنقاش للرأي والرأي الآخر، في إطار محددات وطنية.

فالتاريخ لا يرحم من يقف في منتصف الطريق، ولا يغفر لمن يكرر نفسه حتى يمله الجمهور.

فالجمهور لم يعد ينتظر الخبر من الفضائيات أو صفحات الجريدة، بل يصنع الخبر بنفسه عبر منصاته الرقمية، ولم يعد متلقيًا سلبيًا، بل أصبح إيجابيًا فاعلًا في صياغة النقاش العام.

وهنا تكمن الفجوة؛ لوجود منصات إعلامية لم تواكب التحديث والتطوير، وتبث بنفس القوالب القديمة، وتتصرف وكأنها تحتكر المعلومة، بينما الجمهور تجاوزها بمراحل.

فالإعلام المصري بعد ثورة 30 يونيو يمتلك المصداقية المهنية والشعبية، في ظل بحث المتلقي عن المصداقية كأولوية على السبق الإعلامي. فالجمهور يبحث عبر وسائل الإعلام عمن يفسر له الحدث ويضعه في سياقه، لا عمن ينقل له خبرًا يعرفه مسبقًا عبر هاتفه، وأصبح يسأل: «ماذا وراء الخبر؟» أكثر مما يسأل: «ماذا حدث؟». لكن الإعلام العربي، في غالبه، لم يدرك هذا التحول.

وما زال يكرر نفسه، يلهث وراء «الترند» بدلًا من أن يصنعه، ويعيد تدوير الخطاب نفسه، في مواجهة جمهور صار يمتلك قدرة هائلة على التمييز بين الجاد والزائف، وبين الإعلام الحر والإعلام الموجه.

والنتيجة الطبيعية أن أغلب الناس هجرت الشاشات إلى فضائيات أخرى أكثر جرأة وحرية وتنوعًا، تمتلك أجندات تتعارض مع مصالحنا العربية، مما يؤثر على الوعي الجمعي العربي حيال القضايا العربية.

وهذا ليس ناتجًا عن تغير الجمهور فقط، بل لأن الإعلام لم يتغير. ظل سجينًا لأساليبه القديمة، فترك مساحته لغيره كي يحتلها.

والخطر هنا أن الإعلام إذا لم يجرؤ على إعادة تعريف نفسه، ومواكبة عقلية الجمهور الجديد، فإنه سوف يفقد دوره الأساسي في صناعة الوعي، وسيظل مجرد صدى باهت لصوت لم يعد أحد يسمعه.

نحن في عالمنا العربي أمام لحظة فارقة في مسيرة الإعلام؛ إما أن نمتلك الجرأة لنصنع مستقبلًا مختلفًا، أو نستسلم للجمود فنغيب عن المشهد.

فلا مكان بعد اليوم لإعلام متردد، ولا عذر لمن يكرر نفسه حتى الملل؛ فالإعلام في جوهره قوة اقتراح وتغيير، لا أداة تزيين ولا وسيلة ترويج.

ومتلقي المحتوى الإعلامي اليوم متصل بالعالم عبر الفضاء الإلكتروني لحظة بلحظة، ولم يعد يقبل إعلامًا بلا موقف أو رؤية.

وأصبح يريد إعلامًا يفتح آفاقًا جديدة، بحيث يجرؤ على كسر الصمت، ويواجه التابلوهات التي تعطل التفكير.

فإعلام المستقبل ليس بامتلاك المقومات وحدها؛ فالتكنولوجيا متاحة للجميع، بل أصبح في امتلاكه الجرأة على استخدام هذه الأدوات بوعي وإبداع.

فالجرأة على كشف الحقائق، وعلى محاسبة الذات قبل محاسبة الآخرين، عبر عرض الرأي والرأي الآخر وفق محددات وطنية، بعيدًا عن التهويل والتقليل، تمكّن الإعلام من صناعة محتوى لا يخاف من النقد ولا يهرب من الأسئلة الصعبة.

أما الإعلام الذي يصر على البقاء في دائرة التبعية، ويعيد إنتاج نفس الوجوه والخطابات، فلن يكون له مكان غدًا. سيطويه الزمن كما طوى كثيرًا من الأشياء التي فقدت شجاعتها، ولم تجرؤ على التجديد.

فالمعادلة واضحة: إعلام يغامر ليصنع المستقبل، أو إعلام يتراجع ليصبح جزءًا من الماضي. فالجرأة هنا ليست خيارًا لتحسين صورة الشاشة، بل مسألة نضج وفهم للواقع والمستقبل.

التاريخ يُكتب في منطقتنا العربية الآن، ونحن نواجه تحديات جيوسياسية غير مسبوقة، وكما نعلم دائمًا، التاريخ لا يرحم من يختار أن يقف في منتصف الطريق: أما تطوير المحتوى الإعلامي، أو ترك الساحة الإعلامية لمن يمتلكون أجندات تتنافى مع أمننا القومي العربي والوطني.

اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة