عبير حلمي تكتب: الضمير الحي

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026 09:01 م
عبير حلمي تكتب: الضمير الحي عبير حلمي

في الآونة الأخيرة، كثرت الحوارات والنقاشات بين الشباب حول سبل مواجهة مشكلات الحياة والتغلب على تحدياتها. وكان هناك أمر واحد اتفق عليه معظمهم، وهو التراجع الملحوظ في منظومة الأخلاق العامة؛ فأصبح كلٌّ يتهم الآخر بالغش والخداع والكذب والنفاق وحب الذات والتعدي على حقوق الغير.

والأغرب من ذلك أن كثيرًا من الأسر باتت تردد الشكوى ذاتها، لكنها لا تتوقف لتراجع نفسها أو لتبحث عن الأسباب الحقيقية التي أوصلت أبناءها إلى هذا الواقع.

لقد أصبح من السهل أن نصف الآخرين بأقبح الصفات، بينما نعجز عن مراجعة تصرفاتنا وردود أفعالنا، خاصة عندما يُمس جزء من حقوقنا، وكأن الدنيا قد انتهت، دون أن نسأل أنفسنا: ماذا قدمنا نحن لإصلاح هذا الواقع؟

يا ليتنا كنا جميعًا من الزمن الجميل الذي مضى وولى، زمن آبائنا وأجدادنا أصحاب الكلمة الواحدة والعهد الأبدي، لا يغيرون عهودهم ولا وجوههم، ولا يغتصبون حق أحد، ولا يحابون أحدًا، أصحاب الشرف الرفيع.

وكلما نرى ونسمع قصص هؤلاء الأبطال، نفتخر ونعتز بهم ونحيا مرفوعي الرأس بأمثالهم. والحقيقة أننا لم نجد لهم قرينًا في هذه الأيام إلا من كان يحيا في ذلك الزمن الجميل، أطال الله أعمارهم.

كانت الحياة في ذلك الزمن الخالد بالفعل غير هذه الحياة، وبالتأكيد كان هناك الغني والفقير، وكان هناك المتعلم وغير المتعلم، وأيضًا كان هناك البسطاء وأصحاب النفوذ. وإنما لم يكن هناك فرق بين هذا وذاك إلا بمقياس الأخلاق وحسن التصرف.

لم يكن معيار الناس آنذاك المال أو المنصب أو الثقافة، وإنما كان معيارهم الأصيل هو حسن الخلق، والوفاء، والصدق، والالتزام بالكلمة.

نتعلم منهم أيضًا معاني الإنسانية والكرامة والحرية والعدالة، ونستمد منهم القوة، ونحيا بذكراهم الطيبة، ونتباهى بمن نحمل أسماءهم في بطاقاتنا الشخصية، ونحمل جيناتهم وصفاتهم الغالية.

وبالحق نحيا بهذه السيرة العطرة كل العمر، ولا نوفيهم حقهم علينا، أولئك الذين علمونا الصبر والاجتهاد والاعتماد على الله، آباؤنا الذين علمونا كيف نحتوي الصغير ونحترم الكبير، وكيف نكون أصحاب قرار.

والأهم: كيف نتحمل مسؤولية قراراتنا مهما كانت عواقبها، وإلى أي مدى نصبر ونحتمل الحياة مهما مرت علينا المحن والتجارب التي تختبر المعادن النفيسة، وخصوصًا الذهب؛ فكلما انصهر بالنار، ظهر ولمع، وحتى إن انصهر يُعاد تشكيله من جديد، فيصير أفخم مما كان عليه.

فالمحن لا تصنع الإنسان فحسب، بل تكشف معدنه الحقيقي، تمامًا كالذهب الذي كلما تعرض للنار ازداد لمعانًا وقيمة، وحتى إن انصهر، أُعيد تشكيله بصورة أجمل وأقوى.

ولكن هناك بعض البشر لا ينتمون إلى هؤلاء، ولا يحملون الجينات الوراثية، وكأنهم نبتة شيطانية؛ نجد فيهم الخسة وعدم الأصل، ونرى على ملامحهم المكر والدهاء، ودائمًا نقول لهم: الله يرحم والديكم، كيف تزهر شجرة جيدة ثمارًا رديئة بهذا الشكل وهذه الصفات؟!

كيف صنعت هذه البيوت الأمينة من هم بغير شرف أو أمانة؟

كيف يحمل هؤلاء أسماء آبائهم وأجدادهم في يوم من الأيام؟

وهل كانوا على قدم الخير، وقد غيرتهم المحن والتجارب الحياتية، وغيرت مبادئهم، وضعفت نفوسهم، وانشقوا عن القطيع بالعصيان والغضب والكراهية وحب النفس والكبرياء والتمرد؟

أم كانوا هكذا منذ ولادتهم، ولم يظهر شرهم إلا بعد التعامل معهم عن قرب؟ فهم «أصحاب مبدأ: نفسي والطوفان».

وقد نجد بين هؤلاء البشر البعض منهم ناجحًا جدًا، ولكنه مكروه جدًا جدًا، فهذا النجاح بالغدر والخداع والاغتصاب.

ومنهم من هو ناجح مهنيًا أو دراسيًا، ولكنه فاشل جدًا جدًا اجتماعيًا وأسريًا.

ومنهم من كان ناجحًا، ثم أصبح كل هذا النجاح كأنه لم يكن، وقد ضاع في الهواء؛ لأن هناك قانونًا رادعًا لمثل هؤلاء، والسجن قائم لأصحاب الذمم الملتوية والأعمال المشبوهة.

ولكن السؤال لهؤلاء الماكرين: إذا كنت لا تخاف القانون ولا تهاب السجون، فما حالك عندما تقف أمام الله رب الجنود يوم الحساب العظيم؟!

لماذا تستهين بلطف الله وصبره عليك؟

لماذا لا ترحم أخاك، وترد غيبته، وتقوم بما يجب أن يكون من إخلاص ووفاء وحفظ للحقوق وشهادة الحق ونصرة المظلوم؟

ماذا صنعت منك الحياة؟ رجلًا شريفًا ذا مهابة ووقار، وصاحب كلمة وعهد وقرار؟ أم صنعت منك متسولًا أو متهورًا لا يعرف ماذا يفعل في عصر غوغاء مليء بهذه الأشكال، ولسان حالك يبرر ويقول كلامًا غير مبرر: «الجميع يفعلون هكذا وأكثر...»؟

لماذا لم تقرر أن تصير أنت المختلف، ولو كانت وجهة نظرك المحدودة صحيحة؟

وبالطبع، نحن لا نوافقك الرأي؛ لأن هناك الكثير والكثير من الأمناء والشرفاء وأصحاب المواقف الجليلة المشرفة، وهناك أبطال لا تحيا إلا من خلال رؤية واحدة قد وضعوها نصب أعينهم، وهي: «حماية الأرض والعِرض».

ولنتذكر أن أصحاب المال القليل أغنى الأغنياء أمام الله والناس بأفعالهم.

ولو كان أيها المدعي «الجميع وحوش»، ولسان حالك يقول: يجب أن أكون مثلهم لكي أستطيع الحياة وسط هؤلاء كأسد لا يفترس أحدًا، فلماذا لم تصلح من حولك؟

ولو لم تستطع، فلماذا لا تبدأ بنفسك؟

يا عزيزي، لو فعلت ذلك ما ندمت في حياتك كلها، ولو رأيت في يوم من الأيام فرحة في عين صغير أو كبير بسببك، ما ضاقت بك الدنيا في يوم من الأيام.

ورغم كل ما يشهده العالم من تطور تقني وثقافي، فإن الضمير الحي يظل أعظم ما يملكه الإنسان؛ فهو الحارس الحقيقي للنفس، والرقيب الذي لا ينام، والدليل الذي يقود صاحبه إلى الصواب مهما كثرت الفتن.

فالضمير المستنير بالإيمان هو الذي يمنع صاحبه من الظلم، ويحفظه من الغش والخداع والكذب، ويجعله ثابتًا على الحق مهما اشتدت المغريات.

ابدأ بنفسك ولا تنتظر من حولك.

ألف ميل يبدأ بخطوة.

لو أردت أن تكون عظيمًا، فاصنع هذا بأقوالك وأفعالك.

إن أردت السيرة العطرة كما كانت لمن سبقونا، هؤلاء الطيبون الصالحون، فاصنع بنفسك هذا التاريخ. لا تبحث عن انتقام أو انقسام لكي تربح؛ اجمع ولا تفرق، واجعل نفسك في مقدمة الصفوف، وإن كانت المعركة تصل بك إلى الاستشهاد.

فكلمة «شهيد» ليست فقط لمن استشهد في الحرب، ولكن هناك انتصارات عظيمة ضد حروب الشيطان تجعل منك شهيدًا بلا شهادة.

هناك شهادة لله بعلمك وإيمانك وأفعالك، وهناك شهادة بانتصاراتك ضد الغش والكذب والرياء والمكر والخبث وسرقة حقوق الغير.

ولم نرَ يومًا إنسانًا تعفف عن مال غيره فأذله الله، بل إن العفة تورث العزة والكرامة ومحبة الناس.

دع الخلق للخالق، وسر نحو طريق النجاة، ونهاية الطريق هي الوقوف أمام خالق الكون العظيم.

وتذكر دائمًا، مع كل نفس، ما أرهب الساعة التي نقف فيها أمام الله، نحاسب على ضمائرنا قبل أقوالنا أو أفعالنا.

وتذكر: ليس كل ناجح شريفًا، وليس كل فاشل مريضًا؛ تبقى السيرة الحسنة للخلود، والأجساد تتوارى في التراب.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة