حين تصبح المرأة موديل.. لماذا استعارت العلاقات لغة السيارات؟

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026 12:00 م
حين تصبح المرأة موديل.. لماذا استعارت العلاقات لغة السيارات؟ السيارات والمرأة

هبة الشافعى

أعاد تصريح الفنان أحمد العوضي عن السيارات اسمه إلى الواجهة خلال الأيام الماضية، بعدما فُسر حديثه في بودكاست، على أنه إسقاط على علاقته السابقة بالفنانة ياسمين عبد العزيز.

وكان العوضي قد تحدث عن أول سيارة اشتراها، وهي ميتسوبيشي، ثم انتقاله لاحقًا إلى مرسيدس، مشيرًا إلى أنه لا يزال يتذكر مشاعره تجاه سيارته الأولى، لكنه لا يعود إلى قيادتها.

وبعد تداول التصريح بهذا المعنى، أوضح أن حديثه كان عن مراحل حياته وليس عن علاقاته العاطفية، وقدم اعتذارًا لياسمين عبد العزيز، مؤكدًا احترامه لها.

لكن بعيدًا عن المقصود من التصريح أو تأويله، تكشف الواقعة عن سؤال ثقافي أقدم: لماذا تبدو السيارة استعارة حاضرة أصلًا عندما نتحدث عن النساء والعلاقات؟

 

حكاية تشبيه المرأة بالسيارة

العلاقة بين المرأة والسيارة لم تكن حديثة بل لها جذور تاريخية، فمنذ بدايات القرن العشرين، استخدمت إعلانات السيارات صور النساء لتقديم أفكار عن الحداثة والحركة والاستقلال.

وتشير دراسة للمؤرخة إيناف رابينوفيتش-فوكس، إلى أن إعلانات السيارات المنشورة في مجلة Vogue خلال عشرينيات القرن الماضي ربطت السيارة بصورة المرأة الحديثة، وقدمت القيادة والاستهلاك بوصفهما جزءًا من تصور جديد لدور المرأة الاجتماعي، في الوقت الذي ظلت فيه تلك الرسائل تحمل حدودًا تفرضها الثقافة السائدة آنذاك.

كما درست الباحثة مارجريت والش تسويق السيارات للنساء في الولايات المتحدة بين عامي 1945 و1980، موضحة أن صناعة السيارات تعاملت مع النساء تدريجيًا باعتبارهن شريحة مهمة من مستهلكي السيارات، وإن لم يكن الاعتراف بهن كمستهلكات مساوٍ بالضرورة لنظرتهن باعتبارهن جزءًا متكاملًا من ثقافة السيارات.

وهناك دراسات أخرى تابعت صور الرجال والنساء في إعلانات السيارات على مدى عقود، وخلصت إلى أن الإعلانات لم تكن مجرد وسيلة لبيع المنتج، وإنما عكست أيضًا الأدوار الجندرية والقيم الاجتماعية في الفترات التي ظهرت فيها.

 

من الإعلان إلى الميمز.. تغيرت الصورة وبقيت الاستعارة

مع انتقال الثقافة من الإعلان التقليدي إلى مواقع التواصل الاجتماعي، لم تختف العلاقة بين المرأة والسيارة، لكنها تغيرت لغويًا، في بعض الميمز التي درستها الأبحاث، تظهر السيارة بوصفها موضوعًا للمقارنة مع المرأة، وأحيانًا بوصفها بديلًا أكثر جاذبية أو أقل تعقيدًا من العلاقة العاطفية، وفي صور أخرى تصبح المرأة نفسها موضوعًا للتقييم بالمفردات المستخدمة مع السيارات.

وهنا تكمن قوة الاستعارة وخطورتها في الوقت نفسه، هي سهلة الفهم لأنها تستعير شيئًا مألوفًا للجميع، لكنها تحمل معها قاموسه كاملًا، فالسيارة يمكن شراؤها وبيعها واستبدالها، بينما الإنسان ليس سلعة، والعلاقة ليست عملية شراء.

لذلك عندما تنتقل مفردات السوق إلى العلاقات، فإنها لا تنقل التشبيه فقط، وإنما تنقل معه جزءًا من طريقة التفكير التي تقوم على المقارنة والقيمة والاستبدال.

 

لماذا السيارات تحديدًا؟

ربما لأن السيارة تحمل في الثقافة الحديثة معاني تتجاوز وظيفتها، فهي قد تكون علامة على الاستقلال، والنجاح، والمكانة، والقدرة على الاختيار، كما ارتبطت تاريخيًا في بعض الثقافات بصور معينة عن الرجولة.

وتشير دراسة عن ثقافة رجال السيارات إلى أن السيارة ظهرت في عدد من الميمز بوصفها رمزًا للهوية والرجولة والمكانة، وأن بعض هذه الصور أقامت مقارنات مباشرة بين السيارات والنساء أو قدمت السيارة باعتبارها أكثر قابلية للسيطرة من العلاقة الإنسانية.

وهنا ربما تكمن المفارقة التي كشفتها واقعة العوضي، السيارة التي تُستخدم للتعبير عن رحلة صاحبها في الحياة يمكن أن تتحول، في لحظة أخرى، إلى لغة لوصف شخص آخر.

 

تشبيه يعكس نظرة الإنسان

فالمشكلة الثقافية إذن ليست في السيارة نفسها، ولا في أن شخصًا يحب سيارته أو يربطها بذكريات مرحلة من حياته، وإنما في اللحظة التي يصبح فيها قاموس الأشياء هو القاموس الذي نصف به الإنسان.

فحين نقول عن شيء موديل قديم أو جديد أو قابل للاستبدال، نحن نتحدث عن سلعة، أما حين نستخدم اللغة نفسها عن إنسان، فنحن لا نصفه فقط، بل نغير الإطار الذي ننظر من خلاله إليه.

وربما لهذا السبب تحديدًا يتكرر تشبيه النساء بالسيارات في النكات والميمز والتعليقات الشعبية: لأنه تشبيه سريع، واضح، ومشحون مسبقًا بمعاني القيمة والاختيار والامتلاك.

من السيارة إلى المرأة، ليست الحكاية في التشبيه وحده، وإنما في اللغة التي اخترناها لكي نتحدث عن الإنسان.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة