تشهد منطقة الشرق الأوسط تطورات متسارعة في ظل الحرب الأمريكية الإيرانية، التي أثرت بشكل كبير على أمن واستقرار الإقليم، كما انعكست تداعياتها على دول العالم كافة، من خلال أزمة طاقة ناجمة عن التصعيد في مضيق هرمز، ما أدى إلى تكبد الدول العربية، تحديدًا، خسائر مالية كبيرة وأضرار اقتصادية قد تحتاج إلى فترات طويلة للتعافي منها.
تتبع الولايات المتحدة الأمريكية، منذ أحداث 11 سبتمبر، استراتيجية الانخراط العسكري في الأزمات التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، من خلال تدخلها عسكريًا في العراق عام 2003، ودعمها لإسقاط بعض الأنظمة العربية الحاكمة عقب أحداث عام 2011. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك دعم الولايات المتحدة للثوار في ليبيا، والسماح بتسليحهم، حتى غُرقت البلاد في كميات هائلة من الأسلحة، قُدّرت بنحو 21 مليون قطعة سلاح.
ورغم امتلاك الولايات المتحدة الأمريكية ما يقرب من 19 منشأة عسكرية في المنطقة، منها 8 منشآت دائمة، فإنها فشلت في إرساء الأمن والاستقرار. كما تكبدت واشنطن خسائر كبيرة نتيجة القصف الإيراني خلال الأشهر الماضية، ما يتطلب تغيير الجانب الأمريكي للاستراتيجية المنفردة التي اتبعها في التعامل مع إقليم يموج بالصراعات والاستقطاب خلال الأعوام الماضية.
ويُعد النموذج الصيني أحد أبرز النماذج التي يمكن الاستفادة منها في المنطقة، إذ يعتمد على الشراكة الاقتصادية والاستثمار والتعامل وفق نظام مؤسساتي محكم، وذلك في ظل التنافس بين بكين وواشنطن على النفوذ في المنطقة، بهدف الدفع نحو إرساء الاستقرار.
وتمكنت الصين، من خلال الاستراتيجية التي انتهجتها، من التوسط بين المملكة العربية السعودية وإيران عام 2023، بعد سنوات طويلة من الخلاف، ما منح هذا الاتفاق قوة أكبر للصين، التي عملت على تعزيز علاقاتها واتصالاتها مع الدول العربية. ولعل أبرز تحركاتها في هذا السياق القمة العربية الصينية، التي استضافتها العاصمة السعودية الرياض عام 2022.
وتحتاج التحولات التي تشهدها المنطقة العربية إلى حراك عربي مشترك وحوار مباشر مع إيران، في ظل المخاض العسير الذي تمر به المنطقة، والذي ينذر بميلاد نظام إقليمي جديد. وهو ما يتطلب أن تكون الدول العربية فاعلة في تشكيل هذا الإقليم، وألا تعتمد فقط على التحركات التي تقوم بها الولايات المتحدة في هذا الصدد. وقد أيقنت عدد من الدول أهمية تنويع الشراكات خلال السنوات الماضية، وعدم الاعتماد على التحالفات مع الولايات المتحدة وحدها.
ويتطلب التوقيت الراهن تنسيقًا عربيًا وعملًا مشتركًا مكثفًا خلال الفترة المقبلة، وعدم منح إسرائيل دورًا أكبر في التأثير على القرارات التي تتخذها الولايات المتحدة والدول المعنية بأمن واستقرار الإقليم، بما قد يسهم في بناء نظام إقليمي مشوه يخدم الأجندة الإسرائيلية دون غيرها.
تحاول إسرائيل فرض أمر واقع على الصعيدين الجغرافي والأمني، سواء في قطاع غزة أو جنوب لبنان، وكذلك في سوريا، التي تعاني من الخروقات والانتهاكات الإسرائيلية المستمرة خلال الأعوام الماضية. ويأتي ذلك في ظل رغبة إسرائيلية جامحة لتدشين ما يُعرف بـ«المناطق الآمنة» على عدة جبهات، من خلال اقتطاع مساحات واسعة من الأراضي العربية لتنفيذ هذا المخطط، الذي وقفت الولايات المتحدة الأمريكية داعمة له بشكل غير مباشر، عبر تغاضيها عن الانتهاكات الإسرائيلية.
ولا تقتصر المخططات الإسرائيلية الرامية إلى إنشاء نظام إقليمي يخدم أجندتها التوسعية في منطقة الشرق الأوسط على احتلال المزيد من الأراضي العربية، بل تشمل أيضًا تحركات في القرن الأفريقي، ولا سيما منطقة البحر الأحمر، لتعزيز مناطق النفوذ والسيطرة في هذه المنطقة الاستراتيجية.
ويمكن للدول العربية أن تؤدي دورًا مهمًا في النظام الإقليمي الجديد، شريطة التفاوض بشكل مباشر مع الأطراف الفاعلة والمتصارعة في الإقليم، والبحث عن سبل لخفض التصعيد العسكري، والتحرك لإقناع الجانب الأمريكي بأن الحلول الخشنة ستكون عائقًا أمام معالجة الأزمات التي تعصف بالمنطقة بالطرق السلمية.
وأفرزت الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة خطابًا خليجيًا يؤكد ضرورة إعادة التفكير في الاعتماد على المظلة الأمريكية وحدها، وبحث سبل بناء آليات إقليمية لإدارة التوتر مع الجانب الإيراني. ويتمثل الهدف الرئيسي للدول الخليجية في منع انتقال أي صراع أمريكي إيراني إلى دول مجلس التعاون الخليجي.
وقد أثبتت الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة لدول الخليج أن الضامن الخارجي أقل موثوقية، وأن ترتيبات المنطقة تحتاج إلى تحركات يقودها الفاعلون الإقليميون أنفسهم. ويتوقف ذلك على القدرة على تحويل الدعوات التي ترددها دول الإقليم إلى حوار مباشر، للتوافق على إطار أمني قابل للتطبيق.