من سنوات قليلة، كان انقطاع التيار الكهربائي وتخفيف الأحمال مشهدا حاضرا في حياة المصريين، ولم تكن قرى ومدن الصعيد بعيدة عن هذه الأزمة، حيث عانت مناطق عديدة من تكرار انقطاع الكهرباء وانخفاض الجهد، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الأحمال.
كانت تلك الصورة حاضرة بقوة خلال الفترة التي سبقت عام 2014، قبل أن تبدأ الدولة في تنفيذ خطة واسعة لإعادة بناء وتطوير منظومة الكهرباء من محطات التوليد إلى شبكات النقل والتوزيع، وهو ما جاء بالتزامن مع توجيهات مباشرة من الرئيس عبدالفتاح السيسي بوضع خطة للنهوض بالقطاع ومواجهة أزمة الكهرباء وتحسين انتظام التغذية.
كنا فين.. أزمة كهرباء وانقطاعات متكررة
في سنوات ما قبل إطلاق خطة التطوير الشاملة، أصبحت أزمة الكهرباء أحد الملفات اليومية التي تشغل المواطن، ومع زيادة الأحمال ونقص الوقود واحتياج محطات التوليد إلى الصيانة والتطوير، ظهرت مشكلات تخفيف الأحمال وانقطاع التيار في مناطق مختلفة.
وفي أغسطس 2014، عقد الرئيس عبدالفتاح السيسي اجتماعا لبحث أزمة الكهرباء، ووجه بوضع خطة زمنية محددة للنهوض بالقطاع، إلى جانب تعديل خطة تخفيف الأحمال وتحقيق التوازن في توزيع فترات انقطاع التيار وأشار العرض الحكومي وقتها إلى أن من أسباب الأزمة عدم تنفيذ خطط التطوير والصيانة خلال الفترة السابقة، إلى جانب نقص الوقود اللازم لتشغيل المحطات.
وبالنسبة للمواطن في الصعيد، لم تكن القضية مجرد انقطاع تيار، وإنما كانت تعني تعطل مصالح وأعمال ومصانع وورش، فضلا عن تأثر الخدمات التي تعتمد بصورة مباشرة على الكهرباء.
وبقينا فين.. الدولة تبدأ إعادة بناء المنظومة
من هنا بدأت مرحلة مختلفة، لم تقتصر على زيادة إنتاج الكهرباء، وإنما امتدت إلى إعادة بناء الشبكة نفسها، وتطوير محطات النقل والتوزيع وإنشاء محطات محولات وخطوط جديدة، بهدف استيعاب الأحمال الحالية والمستقبلية وتحقيق استقرار التغذية الكهربائية.
وتوضح خطة تطوير الشبكة القومية شملت تنفيذ خطوط هوائية بجهد 500 كيلوفولت ومحطات محولات جديدة، بهدف رفع كفاءة الشبكة وتفريغ القدرات المولدة ومواجهة الأحمال المستقبلية وضمان استقرار واستمرار التغذية الكهربائية وفق معايير الجودة.
ولم يكن الصعيد خارج هذه الخطة، بل كان حاضرا بصورة واضحة في توجيهات الدولة، التي أكدت أهمية تحسين الخدمة في محافظات الصعيد والمناطق النائية.
محطة شرق سوهاج.. قلب جديد للشبكة
وفي سوهاج، يظهر التحول بصورة واضحة من خلال محطة شرق سوهاج، التي تمثل أحد المشروعات الاستراتيجية لدعم الشبكة الكهربائية بالمحافظة وربطها بالشبكات الرئيسية في الصعيد.
وأقيمت المحطة على مساحة 122 ألفا و500 متر مربع بمدينة أخميم الجديدة، وتعمل على جهود 500 و220 و66 و22 ك.ف، وبدأ التشغيل التجريبي لها في سبتمبر 2020.
وتكمن أهمية المشروع في قدرته على دعم الأحمال الكهربائية بالمحافظة، والمساهمة في مواجهة انخفاض الجهد وتحسين استقرار الشبكة، فضلا عن خدمة التوسعات العمرانية والاستثمارية الجديدة.
وبتكلفة تصل إلى نحو 199 مليون جنيه، أصبحت المحطة واحدة من الركائز الأساسية في منظومة الكهرباء بسوهاج، بما يتناسب مع التوسع العمراني والصناعي الذي تشهده المحافظة.
من أزمة الانقطاع إلى طاقة تدعم الاستثمار
المعادلة تغيرت فالكهرباء لم تعد مجرد خدمة تنتظرها المنازل، وإنما أصبحت عنصرا أساسيا في إقامة المدن الجديدة والمناطق الصناعية والمشروعات الإنتاجية وفي أخميم الجديدة، تم دعم احتياجات المدينة من خلال قدرات كهربائية جديدة، بما يفتح المجال أمام التوسع العمراني والصناعي ويهيئ البنية الأساسية أمام الاستثمارات الجديدة.
وهنا تظهر أهمية ما جرى في قطاع الكهرباء فكل محطة محولات أو لوحة توزيع جديدة لا تخدم المواطن فقط، وإنما تضع أساسا لمشروع صناعي أو منطقة سكنية أو خدمة جديدة.
بنجا ودار السلام.. التطوير وصل إلى مراكز سوهاج
ولم تتوقف عملية التطوير عند محطات النقل الرئيسية، وإنما امتدت إلى شبكات التوزيع داخل المراكز والقرى.
ففي مركز طهطا، جاء تنفيذ لوحة توزيع كهرباء بنجا بتكلفة 55 مليون جنيه، بهدف رفع كفاءة التغذية الكهربائية وخدمة مناطق غرب وشمال المدينة والقرى التابعة لمجلس قروي بنجا.
وفي دار السلام، تم إنشاء لوحة توزيع كهرباء السلام على مساحة 400 متر مربع وبتكلفة بلغت 50 مليون جنيه، شاملة كابلات الدخول والخروج، بما ساهم في تخفيف الأحمال وتحسين جودة التغذية الكهربائية لعدد من القرى والمناطق، من بينها أولاد سالم قبلي والنغاميش والبلابيش والقوصة وأولاد خلف.
هذه المشروعات قد تبدو في ظاهرها أرقاما وتكلفة مالية، لكنها بالنسبة للمواطن تعني شيئا أبسط وأهم: شبكة أقوى، وجهد أكثر استقرارا، وقدرة أكبر على مواجهة الأحمال.
الرئيس السيسي.. توجيهات مستمرة لتطوير الشبكة
منذ بداية التعامل مع أزمة الكهرباء، لم تتوقف توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي عند زيادة قدرات التوليد، وإنما امتدت إلى تطوير شبكة النقل والتوزيع ومراكز التحكم.
وفي عام 2017، جرى التأكيد على استكمال خطة الارتقاء بمنظومة الكهرباء وتطوير البنية الأساسية وتنفيذ المشروعات وفق أحدث المعايير، مع التأكيد على أهمية تحسين الخدمة في الصعيد والمناطق النائية.
وفي متابعة لاحقة عام 2020، أكدت أن تطوير الشبكة يستهدف نقل الطاقة بصورة آمنة وسريعة وبأقل فاقد وأعلى جودة، مع زيادة قدرة الشبكة على استيعاب ارتفاع الاستهلاك وتحسين الخدمة للمواطنين.
وحتى عام 2026، استمرت الدولة في تنفيذ خطط دعم وتحديث المنظومة الكهربائية، حيث أشارت إلى الانتهاء من إنشاء 34 محطة محولات جديدة وربطها بالشبكة الموحدة خلال العام السابق، إلى جانب التوسعات في 40 محطة، ومد خطوط توزيع بطول 194 ألف كيلومتر وخطوط نقل بطول 5 آلاف و610 كيلومترات.
من «النور بيقطع» إلى «الشبكة تستوعب التنمية»
هنا تتضح حكاية «كنا فين وبقينا فين» فالمقارنة ليست فقط بين مصباح ينطفئ ومصباح يضيء، وإنما بين منظومة كانت تواجه أزمة في توفير احتياجات المواطنين، ومنظومة يجري تطويرها لتكون قادرة على استيعاب الزيادة السكانية والتوسع العمراني والصناعي.
سوهاج اليوم تمتلك مشروعات جديدة في محطات المحولات والتوزيع، من محطة شرق سوهاج إلى لوحة بنجا ولوحة السلام، إلى جانب أعمال التطوير المستمرة لشبكات الكهرباء.
والرسالة الأهم أن استقرار الكهرباء أصبح جزءا من معادلة التنمية نفسها فلا مدينة جديدة يمكن أن تتوسع، ولا مصنع يمكن أن يعمل بكفاءة، ولا استثمار يمكن أن يستمر دون بنية كهربائية قادرة على توفير الطاقة بصورة مستقرة.
كهرباء أقوى.. وصعيد يستعد لمرحلة جديدة
ما حدث في قطاع الكهرباء خلال السنوات الماضية يعكس انتقال الدولة من التعامل مع الأزمة وقت حدوثها إلى بناء منظومة قادرة على مواجهة المستقبل.
وفي سوهاج، تبدو آثار هذا التحول في المشروعات التي تم تنفيذها على الأرض، والتي لا تستهدف فقط تحسين الخدمة الحالية، وإنما توفير البنية الأساسية اللازمة للسنوات المقبلة، بما يدعم الاستثمار والصناعة والمدن الجديدة ويمنح المواطن خدمة أكثر استقرارا.
وهكذا، من مشهد الانقطاعات وتخفيف الأحمال إلى مشروعات المحطات والمحولات وشبكات التوزيع، تتغير الصورة على الأرض، لتصبح الكهرباء أحد أهم الشرايين التي تحمل التنمية في قلب الصعيد.

المحطة من الداخل

محطة كهرباء شرق سوهاج بأخميم

مشروع محطة شرق

مشروعات كهربائية

مكونات المحطة

مكونات المحطة