أكد أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، أن تيارات الإسلام السياسي المتطرفة لم تقتصر صراعاتها على المواجهة مع المجتمع والدولة، وإنما شهدت أيضًا صراعات فكرية وأيديولوجية داخلية، وصلت في بعض الحالات إلى تكفير جماعات وشخصيات تنتمي إلى التيار ذاته، مشيرًا إلى أن ظاهرة التطرف اتخذت مسارات متدرجة تبدأ من فكرة وتنتهي إلى مستويات أكثر تشددًا.
جاء ذلك خلال مشاركته في الجلسة النقاشية الثانية بعنوان «خطاب تيارات الإسلام السياسي إعلاميًا وسياسيًا تجاه الهوية المصرية»، ضمن فعاليات اليوم الثاني من مؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة»، المقام تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر الجاري، بالتعاون بين مكتبة الإسكندرية ووزارات التعليم العالي والبحث العلمي، والشباب والرياضة، والثقافة، ومحافظة الإسكندرية.
صراعات التنظيمات المتطرفة وصلت الى خلافات أيديولوجية وعقائدية
وأشار المسلماني إلى أن كتاب «الجهاد ضد الجهاد» يتناول جانبًا من الصراعات الفكرية داخل التيارات الجهادية، موضحًا أن الأمر لا يتعلق فقط بأزمة بين الجماعات المتطرفة والمجتمع، وإنما توجد «حرب أهلية فكرية وأيديولوجية» داخل هذه التيارات نفسها.
وأوضح أن الصراعات بين تنظيمات متطرفة مثل تنظيم القاعدة وتنظيم داعش تجاوزت الخلافات السياسية إلى خلافات أيديولوجية وعقائدية، لافتًا إلى صدور فتاوى من قيادات دينية تابعة لتنظيم داعش بتكفير شخصيات وتنظيمات أخرى، من بينها أسامة بن لادن والملا عمر وتنظيم القاعدة وحركة طالبان، بما يعكس تصاعد ظاهرة التكفير داخل التيارات المتطرفة.
خطورة المحتوى المتطرف الموجود على شبكة الإنترنت
وحذر رئيس الهيئة الوطنية للإعلام من خطورة المحتوى المتطرف الموجود على شبكة الإنترنت، مشيرًا إلى أن محركات البحث والذكاء الاصطناعي قد تقود المستخدم، في بعض الحالات، إلى مواد متطرفة إذا بدأ بحثه من مصادر تحمل هذا النوع من الأفكار، بما قد يفتح أمامه سلسلة متتابعة من المحتويات الأكثر تشددًا.
وضرب المسلماني مثالًا بقصة باحثة مصرية مسلمة درست في إحدى الجامعات الأوروبية، موضحًا أن أحد زملائها الأوروبيين بدأ البحث عن الإسلام عبر الإنترنت بعد رغبته في التعرف على الدين، لكنه انتقل تدريجيًا إلى مواقع أكثر تطرفًا، وانتهى الأمر به إلى توجيه اتهامات للباحثة نفسها بعدم الالتزام بالإسلام، ثم تكفيرها، رغم أنها كانت نقطة البداية التي دفعته إلى البحث عن الدين.
وفي سياق آخر، تناول المسلماني قضية «الدولة والخلافة»، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الدماء التي أريقت تاريخيًا ارتبط بدعوى الوصول إلى الخلافة، مؤكدًا أن الدولة الوطنية لها جذور في التاريخ الإسلامي، وأن التجربة المصرية شهدت عبر تاريخها نماذج متعددة من الدول المستقلة.
وأوضح أن مصر، منذ الدولة الطولونية، شهدت قيام دول مصرية مستقلة ضمن الإطار الحضاري الإسلامي، مستشهدًا بالدول الطولونية والإخشيدية والأيوبية والمملوكية، معتبرًا أن غالبية التاريخ الإسلامي لمصر شهدت وجود دولة مصرية مستقلة.
وانتقل رئيس الهيئة الوطنية للإعلام إلى الحديث عن القوة الناعمة المصرية، مؤكدًا أن الهوية المصرية يمكن أن تستند إلى ما وصفه بـ«المربع الذهبي»، الذي يضم الحداثة المصرية، والأزهر الشريف، ورحلة العائلة المقدسة، والحضارة المصرية القديمة.
وقال إن الحداثة تمثل أحد عناصر تميز مصر في مخاطبة العالم العربي، باعتبار أن مصر كانت من أبرز مراكز تأسيس الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، بينما يمثل الأزهر الشريف أحد أبرز عناصر التواصل مع العالم الإسلامي، كما تمثل رحلة العائلة المقدسة مدخلًا للتواصل مع العالم المسيحي، في حين تظل الحضارة المصرية القديمة عنصرًا رئيسيًا في مخاطبة العالم بأسره.
مواجهة «الطابور الخامس المعرفي»
وأشار المسلماني إلى أهمية الاستفادة من التاريخ الإعلامي المصري في مواجهة التحديات المعاصرة، موضحًا أن عام 2026 يشهد مرور 100 عام على صدور قانون الإذاعة المصرية، معتبرًا أن عام 1926 يمثل محطة مهمة في تاريخ الإذاعة المصرية من الناحية القانونية والتنظيمية.
وأكد أن مراجعة أرشيف الصحافة المصرية، وخاصة ما نشر في «الأهرام» خلال الفترة من 1926 إلى 1934، تكشف أن العديد من القضايا التي يناقشها المجتمع حاليًا كانت مطروحة للنقاش قبل نحو قرن، وهو ما يجعل العودة إلى أفكار وتجارب الآباء المؤسسين ضرورية لفهم تحديات الهوية المصرية في الوقت الراهن.
وشدد رئيس الهيئة الوطنية للإعلام على أهمية مواجهة ما وصفه بـ«الطابور الخامس المعرفي»، الذي قال إنه يعمل ضد المعرفة والثقافة والهوية المصرية، مؤكدًا أن تعزيز المعرفة بتاريخ مصر وحضارتها يمثل أحد المسارات المهمة لحماية الهوية الوطنية وتعزيز مكانة مصر إقليميًا ودوليًا.
جلسات مؤتمر الهوية الوطنية بمكتبة الإسكندرية
وتناقش جلسات المؤتمر، على مدار أيامه الثلاثة، موضوعات من بينها توصيف الوضع الحالي لعناصر الهوية في مصر، والمخاطر التي تتعرض لها الهوية الوطنية، ودور المؤسسات والسياسات في تشكيلها، فضلًا عن قضايا الفن والتراث والتعليم والأسرة والمجتمع المدني والابتكار.
ويختتم المؤتمر فعالياته يوم الأربعاء 23 سبتمبر بعرض التوصيات وإطلاق «وثيقة مكتبة الإسكندرية للهوية الوطنية»، يعقبها حفل موسيقي للفنانة مروة ناجي، بمصاحبة أوركسترا شباب مكتبة الإسكندرية وقيادة شادي عبد السلام، وذلك بالقاعة الكبرى بمركز المؤتمرات.







