بيشوى رمزى

مصر والتعددية الوظيفية.. من بناء القدرة إلى توسيع الدور

الإثنين، 21 سبتمبر 2026 04:24 م


ارتبط الدور الذي تقوم به الدولة على المستويين الإقليمي والدولي تاريخيا بما تملكه من إمكانات عززت مكانتها، فكانت الجغرافيا والتاريخ والموارد تضفي قدرا كبيرا من الزخم على ما تحظى به من أهمية، وتمنحها مزايا يمكن توظيفها لخدمة مصالحها أو مصالح أطراف أخرى، إلا أن ثمة اختلافا جوهريا فرضته التحولات الكبيرة التي يشهدها العالم، وتترجمه الطبيعة المتغيرة للأزمات الدولية، في ظل ما باتت تتسم به من أمد زمني يبدو غير محدود، ونطاق جغرافي ممتد، وتشابك متزايد بين أطرافها وتداعياتها، حيث لم تعد أهمية الدولة مرهونة بما تملكه من مزايا فحسب، وإنما بقدرتها على تحويل هذه المزايا إلى وظائف متعددة، والعمل في الوقت نفسه مع أطراف مختلفة في المعادلة الدولية، بما يحقق مصالحها من جانب، ويجعلها قادرة من جانب آخر على تقديم وظائف يحتاج إليها الآخرون، سواء في التجارة والطاقة والربط، أو الأمن والاستقرار والتعاون الإقليمي.

وفي هذا الإطار، ربما تمثل التجربة المصرية نموذجا واضحا لكيفية تعظيم القيمة التي يمكن أن تحققها الدولة من عناصر قوتها، إذ ساهمت عملية الإصلاح خلال السنوات الماضية في تعزيز قدرتها الداخلية، بما وفر قاعدة أكثر صلابة لحركتها في الخارج، بالتوازي مع سياسة قامت على تنويع الشراكات والحفاظ على مساحة من الاستقلالية في التعامل مع مختلف أطراف المعادلة الدولية.

والواقع أن الحديث عن الإصلاح، الذي دشنته التجربة المصرية منذ أكثر من عقد من الزمان، يبدو ذا أهمية تتجاوز الرؤى التقليدية القائمة في الأساس على تحقيق أهداف تنموية، فقد تجاوزت قيمة الإصلاح مجرد الرغبة في الاندماج في السوق العالمية، إلى أبعاد أكثر تعقيدا، تبدأ من تعزيز قدرة الدولة على حماية سيادتها الداخلية والتعامل مع محاولات زعزعة استقرارها، مرورا بتعظيم مواردها وإمكاناتها، وصولا إلى توسيع مساحة حركتها خارجيا، بالتوازي مع تنويع شراكاتها مع مختلف أطراف المعادلة الدولية، بحيث لا يصبح تحركها مرهونا بالاعتماد المطلق على طرف واحد.

إلا أن الإصلاح وتنويع الشراكات لم يمثلا في ذاتهما الغاية النهائية للمسار المصري خلال السنوات الماضية، وإنما ساهما في بناء قاعدة أوسع للحركة، تقوم على تعظيم الإمكانات المتاحة وتحويلها إلى وظائف يمكن لأطراف مختلفة الاستفادة منها، بحيث لم تعد قيمة مصر مرتبطة بميزة واحدة أو وظيفة بعينها، وإنما بقدرتها على أداء وظائف متعددة في الوقت نفسه، وهو ما منحها مساحة متنامية من الأهمية لدى أطراف قد تختلف مصالحها وتوجهاتها، لكنها تلتقي عند الحاجة إلى واحدة أو أكثر من الوظائف التي تستطيع الدولة المصرية القيام بها.

والواقع أن ارتباط الدولة المصرية بالعديد من الوظائف الحيوية، التي باتت الحاجة متزايدة إليها خلال السنوات الماضية، في إطار تقديم سلاسل إمداد بديلة في أزمنة الحروب، وضمان حركة التجارة والطاقة والربط بين دوائر جغرافية متباينة، إلى جانب ما تمثله من ثقل سياسي وأمني في محيطها الإقليمي، ساهم في توسيع دائرة الأطراف التي باتت مصالحها ترتبط، بدرجات متفاوتة، باستمرار قدرة مصر على القيام بهذه الوظائف.

وهنا ربما تبدو القيمة الحقيقية للتعددية الوظيفية، فكلما تعددت الوظائف التي تقدمها الدولة، وتنوعت الأطراف المستفيدة منها، اتسعت دائرة المصالح المرتبطة باستمرار قدرتها على القيام بهذه الوظائف، بحيث لا تبقى تداعيات استنزاف الدولة محصورة داخل حدودها، وإنما تمتد بدرجات متفاوتة إلى الأطراف المستفيدة منها، وهو ما يجعل استقرارها جزءا من شبكة أوسع من المصالح تتجاوز حدودها الوطنية.

إلا أن القيمة الأهم لهذه المعادلة لا تتوقف عند حدود ما توفره للدولة المصرية من قدرة أكبر على حماية استقرارها، وإنما تمتد إلى ما تمنحه لها من مساحة للحركة والتأثير، فالحفاظ على علاقات وشراكات متنوعة مع أطراف متباينة، بالتوازي مع تعدد الوظائف التي تقدمها مصر لكل منها، منح القاهرة قدرة على التواصل والعمل مع مختلف أطراف المعادلة الإقليمية والدولية، دون أن يصبح تحركها مرهونا بطرف بعينه أو محكوما بحساباته.

وهنا انتقلت التعددية الوظيفية من مجرد أداة لتعزيز أهمية الدولة المصرية لدى شركائها إلى أحد روافد قدرتها على القيام بدور أكثر اتساعا في محيطها، فشبكة المصالح المرتبطة باستقرار مصر لم تمنحها أهمية متزايدة لدى الأطراف المستفيدة منها فحسب، وإنما عززت كذلك قدرتها على الاحتفاظ بمساحة مستقلة للحركة، تستطيع من خلالها التفاعل مع أطراف متباينة، والمساهمة في الحد من اختلالات التوازن داخل الإقليم.

ومن هذه الزاوية، ربما يمكن النظر إلى مصر باعتبارها رمانة ميزان إقليمية، ليس فقط بحكم ثقلها التقليدي أو موقعها الجغرافي، وإنما نتيجة قدرتها على الجمع بين ثلاثة مسارات متوازية، أولها بناء القدرة في الداخل بما يدعم استقلالية القرار، وثانيها تنويع الشراكات في الخارج بما يحول دون الارتهان لطرف واحد، بينما يقوم المسار الثالث على تعدد الوظائف التي تقدمها الدولة للآخرين، بما يوسع بدوره دائرة المصالح المرتبطة باستمرار قوتها واستقرارها.

وبالتالي، فإن قيمة الدور المصري لا تبدو مرتبطة بالسعي إلى ترجيح كفة طرف في مواجهة آخر، وإنما بالقدرة على الحفاظ على مساحة تسمح بالتفاعل مع مختلف الأطراف، في الوقت الذي تمثل فيه قوة الدولة المصرية واستقرارها عنصرا داعما للتوازن الإقليمي نفسه، وهو ما يجعل الدور الذي تقوم به القاهرة أكثر ارتباطا بقدرتها على الجمع بين حماية مصالحها الوطنية والحفاظ على شبكة واسعة من العلاقات والمصالح المتقاطعة في محيطها.

وهنا يمكننا القول بأن التجربة المصرية تكشف في جوهرها عن بعد أوسع لمفهوم الإصلاح يتجاوز حدوده الاقتصادية والتنموية المباشرة، فبناء القدرة في الداخل يمكن أن يتحول إلى مصدر للقوة في الخارج، عندما تقترن هذه القدرة بسياسة قادرة على تحويل الإمكانات إلى وظائف، والوظائف إلى مصالح مشتركة، والمصالح المشتركة إلى مساحة أوسع للحركة والتأثير، لتصبح قوة الدولة في هذه الحالة ليست فقط وسيلة لحماية استقرارها، وإنما عنصرا من عناصر التوازن في محيطها الإقليم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة