في كل صباح، حين تتفتح أبواب المدارس المصرية، تبدأ حكاية جديدة لا يعرف الطفل الذي يحمل حقيبته الصغيرة إلى فصله أنه أحد أبطالها. هناك، بين صفحات الكتب والسبورات التكنولوجية الذكية بالفصول وأصوات المعلمين، تتشكل ملامح المستقبل، وتكبر أحلام قد تتحول يومًا إلى اكتشاف علمي، أو مشروع وطني، أو إنجاز يضاف إلى سجل هذا الوطن.
فالطفل الذي يحب العلم، ويستمتع بالتعلم، ويسأل عن الأشياء من حوله، لا يتعلم فقط كيف ينجح في امتحان، وإنما يتعلم كيف يفكر، وكيف يبحث ، وكيف يصنع الحلول. ومن هنا يبدأ المعنى الأعمق لحب الوطن؛ فالوطن لا يُحب بالكلمات وحدها، وإنما بالعمل والمعرفة والمسؤولية، وبالرغبة في أن يكون الإنسان جزءًا من تقدمه.
ولعل في ذكرى انتصارات حرب أكتوبر المجيدة ما يفتح أمام الأجيال الجديدة بابًا لفهم هذه الحقيقة.
ففي السادس من أكتوبر عام 1973، أثبت الإنسان المصري أن الإرادة حين تلتقي بالعلم والتخطيط والتدريب يمكنها أن تصنع فارقًا تاريخيًا. كان العبور إنجازًا عسكريًا استند إلى إعداد وتخطيط وقدرة على توظيف المعرفة والإمكانات لتحقيق هدف وطني واضح.
ومن هنا، فإن أكتوبر لا ينبغي أن يبقى مجرد ذكرى نستعيدها كل عام، وإنما يمكن أن يتحول إلى درس حي في معنى الإصرار والانتماء والعمل.
فكما كان الجندي المصري يقف على ضفة القناة مستعدًا لعبور أصعب الموانع، يقف طفل اليوم على عتبة المستقبل، أمام تحديات مختلفة؛ تحديات العلم والتكنولوجيا والابتكار والذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة.
لقد تغيرت طبيعة المعارك، لكن قيمة الإنسان لم تتغير.
فإذا كان جيل أكتوبر قد خاض معركة استعادة الأرض، فإن الأجيال الجديدة تخوض معركة بناء المستقبل. وإذا كان السلاح آنذاك أداة من أدوات النصر، فإن المعرفة اليوم أصبحت واحدة من أهم أدوات القوة الوطنية.
وهنا تأتي أهمية أن تتحول المدرسة إلى مساحة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية القدرات، لا إلى مكان لتلقي المعلومات فقط. فالطفل الذي يتعلم كيف يسأل، وكيف يبحث، وكيف يبتكر، هو طفل يخطو أولى خطواته نحو أن يصبح مواطنًا قادرًا على المشاركة في بناء وطنه.
وفي هذا السياق، يبرز مشروع «بداية جديدة لبناء الإنسان» باعتباره توجهًا يضع الإنسان في قلب عملية التنمية، من خلال الاهتمام بالتعليم والصحة والثقافة والرياضة وتنمية المهارات وبناء القدرات، بما يتكامل مع توجهات الدولة نحو الاستثمار في رأس المال البشري.
إن بناء الإنسان لا يعني فقط أن نمنحه المعرفة، وإنما أن نساعده على اكتشاف قدراته وتطويرها، وأن نمنحه البيئة التي تمكنه من تحويل هذه القدرات إلى إنجاز.
وهنا يظهر مفهوم إدارة العقول البشرية باعتباره أحد أهم رهانات المستقبل؛ فالدولة التي تستطيع اكتشاف عقول أبنائها، ورعاية مواهبهم، وتوفير فرص التعلم والتدريب والابتكار لهم، تمتلك رصيدًا استراتيجيًا يتجاوز قيمة الموارد التقليدية.
فالعقل المصري هو الثروة التي لا تنضب، والإنسان المصري هو المحرك الحقيقي لأي مشروع تنموي.
وتتسق هذه الرؤية مع رؤية مصر 2030 للتنمية المستدامة، التي تضع بناء الإنسان وتنمية القدرات والمعرفة والابتكار والبحث العلمي ضمن مسارات أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، بما يجعل الاستثمار في البشر جزءًا أصيلًا من مشروع الدولة للمستقبل.
ومن هنا، يصبح الربط بين المدرسة وأكتوبر والجمهورية الجديدة أكثر من مجرد فكرة أدبية؛ إنه امتداد طبيعي لمسيرة وطنية.
فالجندي الذي تعلم وانضبط وتدرب وخطط قبل أن يحمل سلاحه، هو نموذج يمكن أن نستلهم منه في بناء الطفل الذي يتعلم ويبحث ويبتكر قبل أن يحمل مسؤولية المستقبل.
إن حب الوطن يبدأ أحيانًا من تفاصيل تبدو صغيرة: طفل يحافظ على مدرسته، يقرأ كتابًا، يحترم معلمه، يساعد زميله، يشارك في نشاط، يسأل سؤالًا جديدًا، أو يحاول أن يصنع شيئًا بيديه.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع المواطن الكبير.
ولذلك، فإن الاحتفال بأكتوبر لا ينبغي أن يقتصر على استعادة صور العبور والبطولات، رغم عظمتها، وإنما يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر ارتباطًا بالمستقبل: ماذا سنفعل نحن بما تركه لنا جيل أكتوبر؟
الإجابة قد تكون في مدرسة حديثة، ومعمل مجهز، ومعلم يؤمن بموهبة تلميذه، وأسرة تشجع أبناءها على المعرفة، ومؤسسة تفتح أبوابها أمام الموهوبين، ودولة تستثمر في عقول أبنائها.
فمن ضفة القناة بدأ عبور الأمس، ومن مقاعد المدارس يمكن أن يبدأ عبور جديد نحو المستقبل.
عبور لا يحتاج إلى جسر فوق الماء، وإنما إلى جسور من العلم والمعرفة والوعي والابتكار.
وفي كل مرة يرفع فيها طفل يده داخل الفصل ليسأل عن شيء لا يعرفه، تبدأ قصة جديدة من قصص بناء الوطن.
وفي كل مرة يكتشف فيها معلم موهبة صغيرة ويمنحها فرصة للنمو، تُزرع لبنة جديدة في بناء الجمهورية المصرية الجديدة.
وهكذا يصبح أكتوبر حاضرًا في وجدان الأجيال، ليس فقط باعتباره ذكرى لانتصار عسكري مجيد، وإنما باعتباره قيمة إنسانية ووطنية تقول إن المستحيل يمكن تجاوزه حين تمتلك الشعوب الإرادة والعلم والقدرة على العمل.
فكما عبر الجيش المصري قناة السويس في أكتوبر، يمكن للإنسان المصري أن يعبر اليوم إلى المستقبل بسلاح جديد: العلم.
ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للجمهورية الجديدة؛ جمهورية ترى أن بناء المدن لا يكتمل دون بناء الإنسان، وأن التنمية لا تستمر دون عقل واعٍ، وأن أعظم انتصار يمكن أن تحققه مصر في معركة المستقبل هو أن تمنح أبناءها القدرة على أن يتعلموا، ويفكروا، ويبدعوا، ويصنعوا بأنفسهم صفحة جديدة في تاريخ وطنهم.
من فصول أكتوبر إلى فصول المدارس، يظل الإنسان المصري هو بطل الحكاية.. بالأمس صنع النصر، واليوم يصنع المستقبل.