هبة مصطفى تكتب: الخلطة السرية

الأربعاء، 02 سبتمبر 2026 04:52 م
هبة مصطفى تكتب: الخلطة السرية هبة مصطفى

مما لا شك فيه أن المجتمع المهني استقبل طفرة هزت المنظومة المؤسسية، فمنذ أن عاهدنا الجمهورية الجديدة، جاءت كلمات من نور عن الشباب وتمكينهم وإتاحة الفرصة أمامهم، وفي الوقت نفسه الاستفادة من خبرات الأجيال السابقة، لتؤكد أن بناء الوطن لا يقوم على إقصاء جيل لحساب جيل، وإنما على تكامل الجميع. فالشباب طاقة المستقبل وأصحاب الخبرة رصيد الوطن، وبين الطاقة والخبرة تتشكل معادلة النجاح الحقيقية. فأصبح تمكين الشباب وإفساح الطريق أمامهم للعمل والإنتاج أحد المسارات المهمة لبناء الدولة، لكن ذلك لا يعني ابدا أن نغلق الباب أمام من أفنوا سنوات من عمرهم في العمل، واكتسبوا خبرات لا يمكن تعويضها. فالجمهورية الجديدة تحتاج إلى حماس الشباب، كما تحتاج إلى حكمة أصحاب الخبرة؛ تحتاج إلى سرعة التكنولوجيا، كما تحتاج إلى ذاكرة التجربة. ومن هنا جاءت فكرة «الخلطة السرية»: كيف ندمج الأجيال بدلا من أن نصنع بينها صراعا؟ وكيف نجعل اختلاف الخبرات والأعمار قوة تدفع المجتمع إلى الأمام، لا سببا للإقصاء والتهميش؟

عزيزي القارئ، ولد الناس متساوون مهما اختلفت تواريخ ميلادهم، لكن الفضائل هي التي تصنع الفروق بينهم. هكذا تعلمنا، لكن ما نعيشه اليوم يطرح واقعا مختلفا. فقد أفرزت التحولات التي شهدها المجتمع، خاصة منذ ثورة يناير، حالة من التباين بين جيلين: جيل اعتاد التغيير بخطوات مدروسة، وجيل نشأ على إيقاع سريع من التغيير والتكنولوجيا والانفتاح على العالم. واختلاف الأجيال في حد ذاته ليس مشكلة، بل هو سنة من سنن الحياة. لكل جيل أفكاره وأدواته وطريقته في التعامل مع متغيرات عصره. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف الطبيعي إلى صدام، أو عندما يصبح العمر معيارا للحكم على الإنسان، بدلا من الكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز.


والفرق واضح، فالذي دربته الحياة يتصرف غالبا بإيقاع أكثر هدوءا وواقعية، مستندا إلى سنوات من التجربة. وفي المقابل نجد الشباب يمتلك طاقة متجددة وقدرة كبيرة على التعامل مع التكنولوجيا والمعلومات، وطموحا يدفعهم إلى التجربة والمبادرة.
ومن هنا لا ينبغي أن تكون العلاقة بين الطرفين علاقة إقصاء، وإنما علاقة تكامل. فقد يبدو أن الشباب أكثر قدرة على اتخاذ القرار لأنهم يصلون إلى قراراتهم بسرعة أكبر، إلا أن سرعة القرار ليست دائما دليلا على صواب القرار. فالعمل المؤسسي لا يحتاج فقط إلى السرعة، وإنما يحتاج إلى الخبرة، وبعد النظر، والقدرة على قراءة النتائج وتقديرها قبل اتخاذ القرار.
ولكن كالعادة، البعض وليس الكل، نجد في بعض المواقع القيادية عندما يتم اختيار الأشخاص على أساس القرب أو العلاقات أو الثقة الشخصية بدلا من معايير الكفاءة والاستحقاق، تتغير الأولويات، وقد يتحول النجاح من هدف مؤسسي إلى نجاح فردي، وتتحول آليات التنفيذ احيانا إلى أدوات للإقصاء والتهميش. وهنا تكون المشكلة الحقيقية عندما يتم التعامل مع أصحاب الخبرات، ممن تجاوزوا الأربعين أو الخمسين، وكأن سنوات العمل التي قضوها أصبحت عبئا، لا رصيدا.والأخطر من ذلك أن تتحول المؤسسات إلى دوائر مغلقة، يستعين فيها بعض المسؤولين بمن يعرفونهم أو بمن هم أقرب إليهم، حتى لو كانوا أقل خبرة أو تأهيلا، بينما يتم استبعاد أصحاب الكفاءة. إنها ليست مشكلة عمر، وإنما مشكلة معيار.

عزيزي القارئ، فالشاب الكفء يستحق الفرصة، وصاحب الخبرة يستحق التقدير، والقائد الحقيقي هو من يعرف كيف يجمع بين الاثنين. لقد سمعنا كثيرا عن ضرورة إفساح الطريق أمام الشباب للعمل والإنتاج، وهذا توجه إيجابي وضروري لبناء المستقبل، لكن تمكين الشباب لا يعني إقصاء أصحاب الخبرات، كما أن احترام الخبرة لا يعني إغلاق الأبواب أمام الأجيال الجديدة. الوطن يحتاج إلى الاثنين معا. يحتاج إلى حماس الشباب، وإلى حكمة الخبرة. يحتاج إلى التكنولوجيا، وإلى ذاكرة التجربة. يحتاج إلى من يملك الرؤية الجديدة، وإلى من يعرف تفاصيل الطريق لأنه قطعه من قبل.ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الشباب وحدهم، ولا على أصحاب الخبرات وحدهم، وإنما تقع على الإدارة التي تضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وتعرف أن الإنسان لا يفقد قيمته لمجرد أن عمره تقدم. فالقيادة السياسية تستطيع أن تفتح الأبواب أمام الشباب، لكنها لا تستطيع أن تراقب ضمير كل مسؤول، ولا أن تحل محل الأخلاق المهنية في كل مؤسسة. ولهذا، فإن مواجهة سياسة الإقصاء والتهميش مسؤولية مؤسسية وأخلاقية قبل أن تكون إدارية. فلا يجوز أن نغتال عقول وخبرات كان يمكن أن تقدم الكثير للوطن، لمجرد اختلاف في العمر أو الفكر أو طريقة الأداء.


عزيزي القارئ، هل نحتاج إلى مترجم ليفك لنا شفرات بعض الحروب الخفية داخل المؤسسات؟ ولماذا نسمح بأن يتحول الاختلاف بين الأجيال إلى صراع، بدلا من أن يكون حوارا؟
نعم، إن الشباب هم العمود الفقري للمجتمع، وعماد التنمية والتقدم في أي مجتمع، وهم الأقدر على فهم متطلبات عصرهم والتعامل مع أدواته الحديثة. لكن هذه الطاقة تصبح أكثر تأثيرا عندما تمتزج بخبرة من سبقوهم. ومن هنا يجب التأكيد على ضرورة الاهتمام بالشباب ومنحهم الفرص الحقيقية، وفي الوقت نفسه احترام الكبار وتوقيرهم، تنفيذا لتعاليم الأديان السماوية، واتفاقا مع الفطرة السليمة للإنسان.


كما يجب الاستفادة من خبرات جيل الوسط والتعلم من تجاربهم المتعددة في كافة مجالات الحياة، باعتبارهم حلقة وصل صادقة بين الأجيال الجديدة وخبرة الأجداد المتراكمة، سعيا إلى التغيير للأفضل.
عزيزي المصري، نريد مجتمعا تنمويا متقدما وديناميكيا مبنيا على سواعد وعقول متحضرة، لا على أحلام مغتالة ودموع كفاءات مهدرة.والجدير بالذكر أن هناك حكاية متداولة عن بريطانيا في عصور قديمة، تقول إن سجينا تلقى رسالة بصيغة شديدة الرسمية والتهذيب تخبره بقرار إعدامه. وبصرف النظر عن مدى صحة هذه الحكاية تاريخيا، فإن معناها الرمزي يظل لافتا: قد تكون الكلمات مهذبة، بينما يكون القرار في جوهره قاسيا. وهذا ما يجب أن نحذر منه في حياتنا العملية؛ أن نستخدم لغة جميلة لتغطية قرارات تهدر إنسانا، أو تجمد كفاءة، أو تغتال حلما.لا تغتال حقي.


فإن لم نستطع أن نتحالف، فعلينا أن نتعاون. وإن لم نستطع أن نتعاون، فعلينا أن نتبادل الاحترام. فنحن في مجتمع واحد، والمعيار في النهاية هو صانع النجاح والانتصار. وهذا المعيار غير مقرون بعمر، ولكنه مرتبط بمثلث الحياة: الرغبة في العمل، والتأهيل، والالتزام بأهداف واجبة التحقيق. وهذا هو ما يرفع شأن الوطن وفي النهاية "الخلطة السرية"، ربما تكون الخلطة السرية التي يحتاج إليها مجتمعنا أبسط مما نتخيل: أن ندمج الأجيال، لا أن نتصارع بينها. أن نعطي الشباب فرصتهم كاملة، دون أن نهدر الخبرة، وأن نحترم أصحاب التجارب، دون أن نغلق أبواب المستقبل أمام الأجيال الجديدة فالخبرة ليست بديلا عن الشباب، والشباب ليسوا بديلا عن الخبرة.

لكن عندما يلتقي حماس الشباب بحكمة الخبرة، وطموح المستقبل بذاكرة التجربة، والتكنولوجيا بالمعرفة، تتحول الفروق بين الأجيال من مصدر للصراع إلى مصدر للقوة.الخلطة السرية هي دمج الأجيال لتحقيق ما يصبو إليه المجتمع.فالأوطان لا تبنى بعقل جيل واحد، ولا بسواعد جيل واحد، وإنما تبنى عندما تتصافح الأجيال، ويتحول الاختلاف بينها من صراع إلى تكامل، ومن منافسة إلى شراكة، ومن إقصاء إلى مشاركة.

نعم هذه هي الخلطة السرية.. أن يعمل الجميع من أجل هدف واحد: وطن يستفيد من كل أبنائه. فالخلطة السرية ليست في الشباب وحدهم، ولا في الخبرة وحدها.. وإنما في الاثنين معا من أجل رفعة وطن.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة