مايكل فارس

لماذا غيّرت ميتا اسم "خطاب الكراهية"؟

الجمعة، 18 سبتمبر 2026 05:07 م


في مقالي السابق "لماذا شرعن فيسبوك خطابات الكراهية؟" تحدثت عن كيف رفض فيسبوك بلاغاتي عن تعليقات تحرّض ضد المسيحيين، وتمثل ازدراء أديان وتحريض على الكراهية والعنف، وتوقفت عند أربعة أسباب لهذا الرفض، أحدها أن ميتا غيّرت اسم سياستها وفتحت ثغرة “النقاش الديني والسياسي”، وهذا التعديل يستحق وقفة أطول، لأنه يفسر جانبًا كبيرًا مما يحدث حين يضغط المستخدم الناطق باللغة العربية زر "إبلاغ" ثم يتلقى الرد المعتاد بأن المحتوى لا يخالف المعايير.

لماذا غيّرت ميتا اسم "خطاب الكراهية"؟

نشر مجلس الإشراف التابع لميتا بيانًا، في 7 يناير 2025 أعلنت فيه الشركة تعديلات على سياسة خطاب الكراهية "Hate speech " لتصبح سياسة السلوك الباعث على الكراهية  " Hateful Conduct"، وهنا Speech  تعني خطاب أو كلام  والتركيز هنا على ما يُقال أو يُكتب، أما Conduct فتعني سلوك أو تصرف، ويمكن أن يشمل الكلام، لكن المصطلح نفسه أوسع ولا يحصر الانتهاك في الكلام وحده، وهذه الصياغة لم تغير الاسم فحسب بل التوصيف أيضًا، فقد حذفت عبارة كانت تقول :"إن خطاب الكراهية يصنع مناخًا من الترهيب والإقصاء، وحذفت كل إشارة إلى العنف الذي قد ينتج عنه خارج الإنترنت، بحسب ما رصده موقع Open Terms Archive، المتخصص في تتبع تعديلات شروط المنصات.

تتبعت دلالات حذف تلك العبارة،  فوجت ما أعلنه الباحث القانوني سونيت شارما، في تحليل نشره موقع Inforrm البريطاني المتخصص في قضايا الإعلام في 14 يناير 2025، قائلاً إن التعديلات أخرجت أوصافًا وتعبيرات كانت تنزع الإنسانية عن البشر مثل تشبيه النساء بالأدوات المنزلية أو الممتلكات، ووصف العابرين جنسيًا بضمير غير العاقل، فلم تعد تلك الأوصاف ضمن المحتوى الممنوع من الدرجة الأولى، كما أضاف نص السياسة المنشور في مركز الشفافية التابع لميتا استثناءً صريحًا يسمح باتهام الأشخاص بالمرض العقلي أو بعدم السواء بسبب نوعهم الاجتماعي أو ميولهم الجنسية، بحجة وجود نقاش سياسي وديني حول هذه المسائل.

وهنا أصل "ثغرة النقاش الديني والسياسي" التي أشرت إليها في المقال السابق، فبحسب النص الذي نقلته مؤسسة الحدود الإلكترونية EFF، تقول ميتا إن الناس أحيانًا يدعون إلى الإقصاء أو يستخدمون لغة مهينة حين يناقشون موضوعات سياسية أو دينية، مثل حقوق العابرين جنسيًا أو الهجرة أو المثلية، وإن سياساتها مصممة لتترك مساحة لهذا النوع من الكلام، والنص يذكر هذه الموضوعات تحديدًا، لكن صياغته المفتوحة تمنح المراجع، آليًا كان أو بشريًا، مساحة واسعة لتصنيف الإهانة بوصفها "نقاشًا".

السلوك الباعث على الكراهية..لماذا غيّرت ميتا القاعدة؟

بحثت في إعلانات ميتا عن تفسير لتغيير الاسم نفسه فلم أجد، والتفسير الرسمي يخص حزمة التعديلات كلها، وأعلنته الشركة في تدوينة بعنوان "مزيد من حرية التعبير وأخطاء أقل"، نشرها في 7 يناير 2025 جويل كابلان، مسؤول الشؤون العالمية في ميتا وقال فيها، إن الشركة كانت تفرط في تطبيق قواعدها، فتقيّد النقاش السياسي المشروع وتحذف محتوى تافهًا، وأوضح أن ميتا ستقصر أنظمتها الآلية على المخالفات غير القانونية والشديدة الخطورة، مثل الإرهاب والاستغلال الجنسي للأطفال والمخدرات والاحتيال، أما المخالفات الأقل خطورة فلن تتحرك فيها إلا بعد أن يبلغ عنها أحد، ومعنى ذلك أن التعليق الطائفي على صفحتي لا يُفحص من تلقاء نفسه، وينتظر أن أبلغ عنه، ثم يمر البلاغ على نظام تتسع فيه الأتمتة، أما زوكربيرج فقال في الفيديو الذي أعلن فيه التعديلات، بحسب ما نقله معهد بوينتر، إن الشركة ستبسط سياساتها وتلغي قيودًا على موضوعات مثل الهجرة والنوع الاجتماعي لأنها بعيدة عن النقاش السائد.
آثارت تلك التعديلات مخاوف مجموعة خبراء الحقوق المدنية التي تستشيرها ميتا منذ سنوات، وكتبت رسالة إلى زوكربيرج بتاريخ 14 يناير 2025، قالت فيها إنها صُدمت لأن الشركة لم تستشرها في هذه التعديلات، وإن السياسة الجديدة ستسمح بمحتوى أكثر عداءً لمجتمع الميم وأكثر عنصرية وعداءً للمهاجرين وذوي الإعاقة، ورأى أربعة من قادة الديمقراطيين في لجنة الطاقة والتجارة بمجلس النواب الأمريكي، في بيان نشرته اللجنة، أن توقيت التعديلات يوحي بالسعي إلى كسب رضا إدارة ترامب، وعلى المستوى الأكاديمي، ذكرت دراسة للباحثة ديلارا أسارداج من جامعة تامبيري الفنلندية، نشرتها مجلة  Frontiers in Communication، في أغسطس 2025 ، أن هذه التعديلات تثير قلق باحثي الإعلام والنوع الاجتماعي والسياسات، في ظل تصاعد رد الفعل المعادي لقضايا النوع الاجتماعي وانتشار مجتمعات ما بعد الحقيقة.

خطاب الكراهية والسلوك الباعث على الكراهية.. ما الفرق في التعريف؟

عرّفت ميتا خطاب الكراهية قبل التعديل، بحسب ما نقله موقع ستاتيستا عن معايير المجتمع، بأنه هجوم مباشر على الأشخاص، لا على المفاهيم أو المؤسسات، بسبب خصائص محمية هي العرق والإثنية والأصل القومي والإعاقة والانتماء الديني والطبقة الموروثة والتوجه الجنسي والجنس والهوية الجندرية والمرض الخطير، وفي صيغة أقدم نقلها ستاتيستا أيضًا، فصّلت ميتا هذا الهجوم بأنه الكلام العنيف أو النازع للإنسانية، وعبارات الدونية، والدعوة إلى الإقصاء أو العزل، والشتائم، على أساس الخصائص المحمية.
ويكاد تعريف السلوك الباعث على الكراهية بعد يناير 2025 يطابق التعريف القديم، فهو في نص السياسة المنشور في مركز الشفافية هجوم مباشر على الأشخاص، لا على المفاهيم أو المؤسسات، بسبب الخصائص المحمية نفسها، مع حماية اللاجئين والمهاجرين وطالبي اللجوء من أشد الهجمات وحدها، والسماح بنقد سياسات الهجرة؛ فاستبعاد الأديان بوصفها مفاهيم ليس جديدًا، والجديد هو حذف التبرير الذي كان يربط الكراهية بمناخ الترهيب والعنف خارج الإنترنت، وإضافة استثناءات تسمح بلغة مهينة في سياق النقاش السياسي والديني، ووقف الرصد الآلي الاستباقي لهذه الفئة وانتظار البلاغ.


وقراءتي أن كلمة "سلوك" لم تغيّر حدود التعريف، وإنما غيّرت تبريره، فالسياسة لم تعد تقول إن الكلام الكاره يصنع مناخًا من الترهيب قد يقود إلى العنف، واكتفت بتعريف فعل الهجوم نفسه، وهذا يجعل الكلام الذي يسمم المجال العام دون أن يهاجم أحدًا مباشرة أبعد عن الحذف، ويتسق مع ما شرحته في المقال السابق عن التفرقة بين مهاجمة الأشخاص ومهاجمة الأديان، فالسخرية من المسيحية أو الإسلام بوصفهما دينين خارج القاعدة قبل التعديل وبعده، أما شتم المسيحيين أو المسلمين بوصفهم أشخاصًا فمخالفة، غير أن حذفها صار ينتظر بلاغًا ثم مراجعة آلية في الغالب.

هل تتنصل ميتا من حماية الأديان والأعراق؟.. المقارنة بتعريف الأمم المتحدة

لا يوجد حتى الآن تعريف قانوني دولي لخطاب الكراهية، كما تقول الأمم المتحدة نفسها، لكن استراتيجية الأمم المتحدة وخطة عملها بشأن خطاب الكراهية، التي أطلقها الأمين العام عام 2019، تقدم تعريفًا عمليًا تتداوله المصادر العربية بصيغة واحدة تقريبًا، ويقوم على أربعة عناصر، أولها الوسيلة، وهي أي نوع من التواصل الشفهي أو الكتابي أو السلوكي، وثانيها الفعل، وهو أن يهاجم هذا التواصل أو يستخدم "لغة ازدرائية أو تمييزية"، وثالثها المستهدَف، وهو شخص أو مجموعة، ورابعها الأساس، وهو الهوية، أي الدين أو الانتماء الإثني أو الجنسية أو العرق أو اللون أو النسب أو النوع الاجتماعي أو أي عامل آخر يحدد الهوية.
وتستحق كلمة "ازدرائية" في الترجمة العربية وقفة، فهي تقابل في النص الإنجليزي كلمة pejorative، أي اللغة التي تحقّر الشخص أو الجماعة، ولا علاقة لها بمفهوم "ازدراء الأديان" في القوانين العربية، فالازدراء في تعريف الأمم المتحدة يقع على الناس بسبب دينهم، لا على حماية الدين نفسه من الإساءه.
ويكشف هذا التعريف أن كلمة "السلوك" موجودة في تعريف الأمم المتحدة نفسه، فالتسمية الجديدة لا تبتعد في ذاتها عن المعجم الدولي، ويكشف أيضًا أن التعريف الأممي يحمي الأشخاص والجماعات بسبب دينهم، ولا يحمي الدين بوصفه عقيدة، وهو في هذا يلتقي مع منطق ميتا قبل التعديل وبعده، لكن التعريف الأممي أوسع من تعريف ميتا في موضع مهم، فهو يشمل اللغة التحقيرية أو التمييزية، لا الهجوم المباشر وحده؛ لذلك تنزل الاستثناءات التي تسمح بلغة مهينة في سياق النقاش الديني والسياسي بسياسة ميتا تحت هذا التعريف، ومع ذلك تنبه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في دليلها عن سلامة المعلومات، إلى أن كثيرًا من خطاب الكراهية يبقى محميًا بحرية التعبير وإن كان مسيئًا جدًا، أي ليس كل خطاب كراهية يمكن حظره لمجرد أنه مسيء أو جارح.

أما ازدراء الأديان فموقف القانون الدولي منه يختلف عن موقف ثقافتنا وقوانيننا، فقد قالت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في تعليقها العام رقم 34 الصادر عام 2011، وهو تفسيرها المعتمد للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، إن حظر إظهار عدم الاحترام لدين أو معتقد، بما في ذلك قوانين ازدراء الأديان، يتعارض مع العهد، إلا في الحالة التي تنص عليها المادة 20 الفقرة 2، وهي الدعوة إلى الكراهية الدينية التي تشكل تحريضًا على التمييز أو العداء أو العنف، وأضافت اللجنة أنه لا يجوز استعمال هذا الحظر لمنع نقد القادة الدينيين أو التعليق على العقائد، ولا يجوز أن يميز بين دين وآخر أو بين المؤمنين وغير المؤمنين.
ولم ينته الخلاف الدولي حول هذه المسألة، ففي يوليو 2023، بعد حرق نسخ من المصحف في السويد، اعتمد مجلس حقوق الإنسان قرارًا بعنوان "مكافحة الكراهية الدينية التي تشكل تحريضًا على التمييز أو العداء أو العنف" بأغلبية 28 صوتًا مقابل 12 وامتناع 7، بحسب مركز الأمم المتحدة الإقليمي للإعلام، ودعا القرار الدول إلى منع أفعال الدعوة إلى الكراهية الدينية التي تشكل تحريضًا وملاحقتها قضائيًا، ونقلت وكالة أسوشيتد برس أن القرار مر رغم اعتراض دول غربية خشيت أن تمس الإجراءات الأشد حرية التعبير.


فهل يمثل تعديل ميتا تنصلًا؟ في ما يخص الأديان بوصفها عقائد، لا يمثل تنصلًا جديدًا، فميتا لم تحمها قبل التعديل ولا بعده، وموقفها هنا أقرب إلى القانون الدولي منه إلى قوانين المنطقة وثقافتها، أما في ما يخص الأشخاص بسبب دينهم أو عرقهم أو أصلهم، فالتراجع واقع، وإن لم تحذف ميتا الدين أو العرق من قائمة الخصائص المحمية، فقد أضعفت التطبيق حين أوقفت الرصد الاستباقي، وأضافت استثناءات تسمح بلغة مهينة، وحذفت الربط بين الكراهية والعنف، وهذا ما دفع مجلس الإشراف إلى انتقادها لأنها لم تكشف هل قيّمت أثر هذه التعديلات على حقوق الإنسان.

في المقال المقبل سوف نستكمل الحديث..

الجزء الأول.. 

لماذا شرعن فيسبوك خطابات الكراهية؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة