تحمل الأمثال الشعبية أصوات الذين قالوها، ونبراتهم وهم يفرحون أو يغضبون أو يحذرون أبناءهم من تجربة قاسية، وحين تستقر العبارة فى الذاكرة، تستدعى معها وجهًا وبيتًا وموقفًا من الماضي، ومن هذه العلاقة بين الكلمة وأهلها، تقترب الكاتبة اعتماد عبده من عالم الحكمة، وتبحث عن صياغة تحمل روح الكلام الذى سمعته، وتضيف إليه خبرتها ورؤيتها للحياة، فى تجربة يستند فيها فعل الكتابة إلى سنوات من الإصغاء.
فى كتابها "على خُطى الأمثال.. حِكم على نهج الأجداد"، الصادر عن دار الحكيم للنشر والتوزيع، تتجه اعتماد عبده إلى كتابة حِكم جديدة مستلهمة من الموروث الشعبي، وتشرح فى مقدمتها "إلى روح المكان الذى صنع الحكاية" الصلة بين هذا الاختيار وجذورها الجنوبية، فيما يضم الكتاب 65 عنوانًا، تتوزع موضوعاتها على العلاقات الإنسانية والعمل والرزق والكرم والخيانة، وتكشف عباراتها عن اهتمام بقدرة اللغة اليومية على اختصار التجربة وتصوير المفارقة.
تبدأ حكاية الكتاب من انتماء موزع بين القاهرة والصعيد، تذكر اعتماد عبده أنها ولدت ونشأت فى القاهرة، وأن جذورها تمتد إلى نجع القرينات بمركز نقادة فى محافظة قنا، وقد أتاح لها هذا الانتماء أن تتنقل بين خبرة المدينة وما تراه فى زيارات الجنوب من عادات وحكايات ووجوه، ويكتسب المكان، فى هذه الشهادة، قيمته من البشر الذين منحوه لغته، ومن التفاصيل التى استطاعت الكاتبة أن تحملها معها كلما عادت إلى القاهرة.
على خطى الأمثال
تستعيد مقدمة الكتاب مشاهد صناعة الحبال من جريد النخيل، وصناعة الفخار من الطين، وإعداد العيش الشمسي. وتجاور هذه المشاهد أحاديث أصحاب الحرف عن مهنتهم والصعوبات التى يواجهونها فى الحفاظ عليها.
ويتيح هذا التجاور فهم الصلة بين الحكمة والعمل، فالكلمات تنشأ فى عالم يعرف قيمة الجهد، ويرى أثره فى الخبز والبيت والمصنوعات التى تمر بين الأيدي. ومن هذا العالم تستمد الكتابة جانبًا من مفرداتها وموازينها الأخلاقية.
ويحتل كبار السن موقعًا أساسيًا فى تكوين هذه الخبرة، تحكى اعتماد عبده عن مجالسة من تجاوزوا الثمانين والتسعين، وعن أسئلتها حول أغنيات الأفراح والمهور وطقوس الزواج وتفاصيل الحياة القديمة، وتقترب كذلك من "العديد" أو "العدودة"، وتصف اختلاف كلماته ونبراته بحسب الراحل وعمره، وتكشف هذه التفاصيل عن اهتمام بطريقة الناس فى التعبير عن خبراتهم، وبالأشكال التى يمنحونها للفرح والفقد، وهى مساحة تساعد على فهم البيئة التى استلهمت منها فكرة الكتاب.
داخل هذه الذاكرة يحضر صوت الأسرة بوضوح، إذ تذكر اعتماد عبده أمها وجدتها وعماتها وخالاتها بين من سمعت منهم الأمثال، وللإشارة دلالتها فى قراءة انتقال المعرفة داخل البيوت، فالعبارة تأتى محمولة على علاقة إنسانية، ويتصل معناها بمن قالها وتوقيت قوله لها. وحين تسجل الكاتبة امتنانها لأصحاب تلك الأصوات، فإنها تقر بدورهم فى تكوين ذائقتها، وتمنح الذاكرة العائلية مكانًا فى سيرة تجربتها الأدبية.
جاء بناء الكتاب على أساس أن تذكر لنا اعتماد عبده المثل على أساس أنه عنوان، ثم تحكى لنا قصة مصاغة بلغة مناسبة معبرة عن المثل أو تقودنا إليه، وكل قصة تأتى مكتملة من حيث الشخصيات والبناء.
ونتوقف عند بعض الأمثال، ونقرأ ما فيها من بلاغة:
بعض العبارات تتخذ هيئة حكاية شديدة القصر، كما فى «الحانوتى لجل العادة.. فى الفرح طلب قهوة سادة»، هنا نجد شخصية ومناسبة وفعلًا يكشف المفارقة، يحمل الحانوتى عادته المهنية إلى مجلس الفرح، فينشأ الضحك من اصطدام ما ألفه بما يقتضيه الموقف، ويمكن قراءة العبارة بوصفها ملاحظة عن سلطان العادة، وكيف يصحب الإنسان ما اعتاده إلى أماكن تتطلب منه انتباهًا مختلفًا. وتنبع فاعليتها من المشهد الذى تعرضه أمام القارئ.
فى قولها "لو بالصنعة يا عويل، كان المأذون شال لبنته المنديل" وتستدل به على أن العلم لا يورث ولا حتى القدرة على العمل وبالتالى "النجاح"، بينما يظهر مثل "لما راحت الصحة والزهوة.. القط عزم الفار على قهوة" إلى فكرة أن الأمور مع الزمن تتغير، وأن ما كان يمثل "حكاية" فى شبابنا قد يتحول مع الأيام لحكاية أخرى، ولعل المثل "قالوا للحكيم عايز بنت ولا ولد؟ قال اللى يكون لى السند" واحد من الأمثال المهمة المطلوبة، لأن مجتمعنا حتى الآن لا يزال يعانى من مسألة الرغبة الملحة فى ولد ولا ينظر إلى البنت النظرة نفسها.
وهكذا تأتى الأمثال متتابعة ترصد ما يجرى فى المجتمع من أحكام مغلوطة وأفكار تحتاج إلى مراجعة، وكما ذكرنا فى وضع ذلك داخل قصة معبرة يساعد على حفظ المثل وعلى تمثله وأن يظل حاضرا فى الذهن، ويمكن استدعاؤه بسهولة.
وهكذا تتوالى الأمثال:
1. لو بالصنعة يا عويل.. كان المأذون شال لبنته المنديل.
2. لما راحت الصحة والزهوة القط عزم الفار على قهوة.
3. قالوا للحكيم عايز بنت ولا ولد؟.. قال اللى يكون ليا السند.
4. لو خاصمت اللئيم حط ورا بابك حيطة، ولو خاصمت الكريم وارب بابك بسكوتة.
5. الفار البيتى من كتر عشرته بيعرف السم وحطته.
6. الندل فى عزبة الواطيين عمدة.
7. اختار راجل بقرشه شقيان ولا عويل بشوال دهب مليان.
8. الفاكهة الخضرا متبتة فى فرعها.. والحلوة بتقع لوحدها.
9. النحل من وردة لوردة بيطير.. وعسله يا غلبان للغير.
10. الحساس زقزقة عصفور تصحيه.. والبارد الكرباج ما يأثر فيه.
11. غاوى البلح وأكله.. ما يهمه طول نخله.
12. اعمل أطرش وسد ودانك ولا كلمة تقلب كيانك.
13. فقير يغنيلي.. ولا غنى يبكيني.
14. لما الكبير مشى وراح.. البرص عمل تمساح.
15. فى الوش بوس الكفوف.. وفى الضهر ضرب بالسيوف.
16. مرتاح البال العشة تهنيه.. والمهموم قصر السلطان ما يكفيه.
17. ندهت أمها جريت فرحانة.. ندهت حماتها قالت عيانة.
18. نعجتك خيرك.. ولا 100 جاموسة فى زريبة غيرك.
19. سوق الكلام بيفضى ويتملي.. وسوق الأفعال من الناس خلي.
20. الأصيلة باعت دهبها وقالت مهينني.. وقليلة الأصل شاورت عليه وقالت ده صيني.
21. الحلوة مسكت المراية باستها.. والوحشة حدفتها كسرتها.
22. كوباية البخيل فى الدولاب مقموصة.. وكوباية الكريم على الصوانى مرصوصة.
23. ما تبين كترة الأحباب.. زحمة جزمهم عند الباب.
24. ابن عمها يحميها بحرقة.. والغريب اللى بينهم ورقة.
25. يا سمك يا كبير ما تتكبر.. ما هرب من الشبك إلا الصغير.
26. البخت ساب الحلوة وقال كفاية حلاوتها.. هروح للوحشة وأبات فى عتبتها.
27. الديك الجعان من الصياح هيموت.. والديك الشبعان يادوب طالعله صوت.
28. خنفسة قالت لأختها بيقولولى يا خنفسة.. قالت لها قطع لسانهم.
29. اللى يشبعك كلام ويقول حبيبك.. عد صوابعك قبل ما يسيبك.
30. اللى يحلف من غير لزوم.. قبل ما يحكى سيبه وقوم.
31. الشاطرة عايزة تساعد بعلها.. اتعشوا ببطيخة واتسلوا بلبها.
32. الوردة قالت: حطونى فى مزهرية.. ولا تسيبونى فى طينى وحدانية.
33. السمك العفن يجيب لصياده الشتيمة.
34. الكسول قال بختى مايل.. والجدع كتفه شايل حمايل.
35. قالوا للتعلب حتحرس العشة.. من الفرحة ما اتعشى.
36. الضحكة فى وش عدوك تقهره.. وفى وش حبيبك تنوره.
37. نصيحة شيخ الحارة.. خليك فى الأرضى لو مش ضامن العمارة.
38. القطة العاقلة تلحس فى عيالها.. والهبلة عايزة تمسك ديلها.
39. عرفت وحلته من قعر جزمته.
40. الحانوتى لجل العادة.. فى الفرح طلب قهوة سادة.
41. ما ينشف صوانى ولاد الكريم غير كلام الحريم.
42. ما تعرف مين رزقه على التاني.. ده القرداتى شبع موز وسوداني.
43. قالت لأبوها مش عايزاه.. توبها انقطع استخبت وراه.
44. سلحفاة تخدمنى سحف.. ولا فهد يلهفنى لهف.
45. متقولش قالى وتصدق.. إلا لما فى عينه تبحلق.
46. سألوا الليل عن أسامى السهرانين.. قال هعد مين ولا مين.
47. بصوتك العالى لا تتكبر.. دا الكلب من خوفه بيهوهو أكتر.
48. الهيبة مش علو صوت.. هيبة الرجال فى السكوت.
49. عيل فالح يشرفك.. ولا خلفة فاسدة تقرفك.
50. الناصحة قالت معرفش ونامت.. الهبلة للفجر على كعابها قامت.
51. ما تقول صغير وسفروت.. ده سيد الرجال يجننه برغوت.
52. احتاروا فى العوج يعدلوا سيره.. واحتاروا فى الكلب يعدلوا ديله.
53. قيراط ملكك مليان خير.. ولا فدان تزرع فيه أجير.
54. الصبر على الخاين عيبة.. والسكوت عن الحق خيبة.
55. الأصيلة فى الشدة تسد.. والخبيثة لبيتها تهد.
56. بياع العطور الناس تشم فيه.. وبياع الكحل ماشى يدارى إيديه.
57. كلام الصادق موزون.. وكلام الكداب على كل لون.
58. ما تبان الإبرة فى كوم قش.. ولا تبان الحلوة إلا بعد غسل الوش.
59. سألوا الحكيم نجيب وفاء منين.. قال اشتروا كلبين.
60. غمض ودعك فى عيونه.. عشان ضيوفه يقوموا.
61. من أطراف شنبه.. يتعرف اللى خد اللبن وشربه.
62. ما يدوق عسل النحل وتغميسه.. إلا اللى اتوجع من تقريصه.
63. عزوة إخواتك بجفاهم.. ولا قلتهم وخفاهم.
64. ضربها ابنها زغرطت.. ضربها ابن جوزها صوتت.
65. كوخ تعيش فيه أمير.. ولا قصر تبقى على بابه غفير.