"صنعوا من وجعهم قوة.. غزيون تحدوا الحرب".. محمد عليوة بقدم واحدة وحلم كامل.. شاب من غزة يتحدى الإعاقة ويركض نحو كأس العالم.. يحمل من الملاعب رسالة إنسانية للعالم: انظروا إلينا كأشخاص ما زالوا يحلمون بالحياة

الثلاثاء، 01 سبتمبر 2026 11:30 م
"صنعوا من وجعهم قوة.. غزيون تحدوا الحرب".. محمد عليوة بقدم واحدة وحلم كامل.. شاب من غزة يتحدى الإعاقة ويركض نحو كأس العالم.. يحمل من الملاعب رسالة إنسانية للعالم: انظروا إلينا كأشخاص ما زالوا يحلمون بالحياة اللاعب محمد عليوة

كتب أحمد عرفة

<< محمد عليوة :فقدت قدمي لكنني لم أفقد حلمي

<< كرة القدم كانت جزءا أساسيا من حياتي

<< كنت أحلم دائما بأن أصل إلى مستوى احترافي وأمثل فلسطين

<< الإعاقة لا تعني نهاية الحياة

<< انظروا إلى غزة من خلال إرادتنا وليس فقط من خلال الدمار

<< لا تحكم على مستقبلك من أصعب يوم في حياتك

<< أعطونا فرصة وسنثبت أن الإرادة تستطيع أن تصنع المستحيل

في غزة، حيث تركت الحرب خلفها ركاما كثيرا وغيرت حياة آلاف الأشخاص، هناك من اختار ألا يسمح للخسارة بأن تكون نهاية حكايته، هناك من فقد جزءا من جسده، لكنه تمسك بما تبقى من قوته، وحول ألمه إلى دافع، وجرحه إلى بداية جديدة، وحلمه إلى طريق يسير فيه رغم كل الصعوبات.


من بين هؤلاء يبرز محمد عليوة، الشاب الغزي الذي لم يسمح لبتر قدمه بأن ينتزع منه شغفه بكرة القدم، أو أن يدفعه إلى الجلوس على هامش الحياة، فالحرب أخذت منه جزءا من جسده، لكنها لم تستطع أن تنتزع منه روحه، ولا أن تطفئ الحلم الذي ظل يكبر داخله.

الشاب محمد عليوة في غزة
الشاب محمد عليوة في غزة

 


كان يمكن أن تتحول الإصابة إلى جدار يفصل محمد عن الملاعب، ويصبح البتر ذكرى مؤلمة تمنعه من ممارسة الرياضة التي أحبها، لكنه اختار طريقا آخر، طريق الكفاح والتدريب والإصرار، ليعود إلى الملعب من جديد، لا كمجرد شاب يحاول التكيف مع واقعه الجديد، وإنما كلاعب يمتلك المهارة والطموح والرغبة في إثبات أن الإعاقة لا تعني نهاية الأحلام.

الحرب أخذت قدمه لكنها لم تأخذ حلمه
 

قصة محمد ليست فقط قصة شاب فقد قدمه، وإنما قصة إنسان قرر أن يقاوم آثار الفقد بطريقته الخاصة، فبعد البتر، كان عليه أن يتعلم من جديد كيف يتعامل مع جسده، وكيف يحافظ على توازنه، وكيف يتحرك بثقة، وكيف يستعيد علاقته بالملعب والكرة، لم يكن الطريق سهلا، لكنه لم يبحث عن طريق سهل.

كل خطوة يخطوها محمد داخل الملعب تحمل خلفها قصة طويلة من الألم والتدريب والتحدي، وكل حركة يقوم بها تذكر بأن الإنسان قد يخسر شيئا من جسده، لكنه يستطيع أن يحافظ على قدرته على الحلم، وعلى رغبته في الحياة والنجاح.

 

وعندما يظهر محمد وهو يمارس كرة القدم، لا يبدو كمن يحاول فقط تجاوز إعاقته، بل كلاعب يحاول تطوير نفسه وإثبات قدرته على المنافسة، يتحرك، ويراوغ، ويمرر الكرة، ويسدد، ويواصل اللعب بإصرار، وكأن وجوده داخل الملعب رسالة واضحة تقول إن الحدود التي يفرضها الجسد يمكن أن تتغير عندما تكون الإرادة أقوى من الألم.

صرخات المصابين في غزة
صرخات المصابين في غزة

 

الضحايا في المجال الرياضي

ووفقا للإحصائيات الصادرة عن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم واللجنة الأوليمبية الفلسطينية في يوليو 2025،، فقد بلغ عدد شهداء الرياضيين الفلسطينيين ما يعادل تشكيلة 72 فريق كرة قدم، بالإضافة إلى تدمير البنية التحتية الرياضية في القطاع.

 

كما أعلن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، تجاوز عدد شهداء الأسرة الرياضية والكشفية في فلسطين 807 شهداء منذ اندلاع الحرب، في انتهاك صارخ لكل الأعراف والقوانين الإنسانية والرياضية الدولية، وبلوغ عدد المنشآت الرياضية التي دمرتها قوات الاحتلال حتى الثالث من يوليو 2025 حوالى 264 منشأة، بواقع 184 دمرتها إسرائيل بالكامل، و81 منشأة أصابها دمار جزئي، ومن بين تلك المنشآت، طال قصف جيش تل أبيب 12 ملعبا أنشئت بتمويل من الاتحاد الدولي لكرة القدم ما أدى لتدميرها، كما تحولت ملاعب اليرموك وفلسطين ومحمد الدرة إلى مراكز إيواء للنازحين.

تدمير المجال الرياضي في غزة
تدمير المجال الرياضي في غزة

 

كما أعلن المكتب الإعلامي الحكومة بغزة خلال إحصائيات له في 2 يوليو الماضي – أي بعد عام من إحصائيات الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم- أن هناك 928 شهيد من الحركة الرياضية من جميع الألعاب، بجانب تدمير 292 منشأة وملعبا وصالة.

من الإصابة إلى الملعب
 

لم يكن قرار العودة إلى كرة القدم مجرد رغبة في ممارسة هواية يحبها محمد، وإنما كان بمثابة إعلان شخصي بأنه لن يسمح للإصابة بأن تحدد مستقبله، فالملعب بالنسبة إليه ليس مجرد مساحة للعب، ولكن مساحة لاستعادة ذاته، وإثبات أن الحياة يمكن أن تستمر بعد الخسارة، والإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد حتى عندما يبدو الطريق أمامه شديد الصعوبة، ومع كل تدريب، كان محمد يكتشف أن ما فقده لا يجب أن يكون هو ما يحدد شخصيته، فالإعاقة جزء من تجربته، لكنها ليست كل حكايته.

محمد عليوة
محمد عليوة

 

حكايته الحقيقية هي أنه شاب اختار الكفاح، واختار أن يتحرك بدلا من الاستسلام، ويتدرب بدلا من الانعزال، ويحلم بدلا من أن يسمح للخوف بأن يسيطر على مستقبله.

كأس العالم.. حلم لا يعرف المستحيل
 

وعندما يُسأل محمد عن حلمه، تأتي الإجابة واضحة ومباشرة كأس العالم، قد يبدو الحلم كبيرا، وربما بعيدا، خاصة أمام شاب يخوض رحلة مختلفة مع الرياضة والإعاقة والظروف الصعبة، لكنه لا ينظر إلى حلمه باعتباره شيئا مستحيلا، إنه يراه هدفا يستحق أن يحاول من أجله.


كأس العالم بالنسبة لمحمد ليست مجرد بطولة أو كأس يرفعها لاعبون في نهاية مباراة، وإنما رمز لما يريد الوصول إليه، رمز لإثبات أن الإنسان قادر على تجاوز الظروف التي تبدو أكبر منه، كل تمريرة، ومراوغة، وهدف، وكل دقيقة يقضيها في التدريب تمثل بالنسبة إليه خطوة جديدة نحو الحلم، وربما لا يعرف إلى أين ستأخذه كرة القدم، لكنه يعرف شيئا واحدا، أنه لن يتوقف عن المحاولة.

محمد عليوة خلال الحرب
محمد عليوة خلال الحرب


 

حين تتحول الإعاقة إلى قوة
 

قصة محمد تكشف وجها آخر للإعاقة، وجه الإنسان الذي لا يريد أن يُنظر إليه باعتباره ضحية، وإنما باعتباره صاحب قدرة وحلم وموهبة، فالإعاقة لم تمنعه من أن يكون لاعبا، ولم تمنعه من المنافسة، ولم تمنعه من وضع أهداف كبيرة لمستقبله، وبدلا من أن تصبح قدمه المبتورة رمزا للخسارة فقط، تحولت إلى جزء من قصة تحد تلهم كل من يراه داخل الملعب.

الأشخاص مبتورو الأطراف بسبب الحرب على غزة
الأشخاص مبتورو الأطراف بسبب الحرب على غزة

 

محمد لا يقول للآخرين إن الطريق سهل، بل يقدم دليلا على أن صعوبة الطريق لا تعني التوقف عن السير، وفي كل مرة يدخل فيها إلى الملعب، يثبت أن النجاح لا يبدأ دائما من ظروف مثالية، وبعض الأحلام تولد في أكثر اللحظات قسوة، ثم تكبر بالإصرار والعمل.

غزة تنجب الأمل من بين الركام
 

في مدينة أنهكتها الحرب، تبدو قصة محمد كنافذة صغيرة يدخل منها الضوء، فبينما ارتبط اسم غزة خلال سنوات الحرب بصور الدمار والنزوح والفقد، تظل هناك قصص أخرى تستحق أن تُروى، قصص أشخاص رفضوا أن تكون الحرب هي التعريف الوحيد لحياتهم.

 

 

محمد واحد من هؤلاء، فقد جزءا من جسده، لكنه احتفظ بحلمه، واجه الإصابة، لكنه لم يتخل عن شغفه، دخل الملعب بجسد مختلف، لكنه دخل بإرادة أقوى، ومن خلال كرة القدم، يحاول أن يقول إن الإنسان لا يُقاس بما فقده، وإنما بما يفعله بما تبقى لديه.

ضحايا العملية العسكرية الإسرائيلية على مدينة غزة
ضحايا العملية العسكرية الإسرائيلية على مدينة غزة


 

لا مستحيل أمام الإرادة
 

ربما تكون أعظم بطولة في قصة محمد ليست تلك التي يمكن أن يحققها في المستقبل، وإنما البطولة التي يعيشها كل يوم، بطولة أن يستيقظ ويواصل التدريب، ويدخل الملعب، ويواجه نظرات الآخرين، ويتعامل مع صعوبة الحركة، ثم يواصل اللعب وكأن حلمه أقوى من كل ما حدث له، إنه لا يملك قدمين سليمتين، لكنه يملك شيئا لا يمكن أن تمنحه أو تسلبه الحرب الإرادة.

إرادة جعلته يعود إلى الكرة، وطموح دفعه إلى الحلم بكأس العالم، وثقة تجعله يرى في المستقبل فرصة لا نهاية، وهكذا، لم تكن قصة محمد عليوة قصة بتر قدم فحسب، بل قصة بداية جديدة، قصة شاب حاول أن يحول الألم إلى قوة، والخسارة إلى دافع، والإعاقة إلى تحد، والحلم إلى هدف.

كنت أعيش من أجل كرة القدم
 

في غزة، حيث تبدلت تفاصيل الحياة تحت وطأة الحرب، وأصبح فقدان المنزل أو النزوح أو الإصابة جزءا من واقع آلاف الفلسطينيين، اختار محمد عليوة أن يخوض معركته بطريقته الخاصة، هو مؤسس وقائد فريق "غزة الإرادة" لكرة قدم البتر، لم يتخل عن اللعبة التي أحبها منذ طفولته، بل عاد إليها بعد الإصابة ليجعل منها وسيلة لاستعادة ثقته بنفسه، وإثبات أن الإعاقة لا تستطيع وحدها أن تحدد مستقبل الإنسان.

النزوح في غزة
النزوح في غزة


يقول محمد في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع": "كرة القدم كانت جزءا أساسيا من حياتي، وبعد الإصابة أصبحت بالنسبة لي أكثر من مجرد رياضة، أصبحت وسيلة لأثبت أن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد مهما كانت الظروف".
ويتذكر حياته قبل الحرب باعتبارها حياة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالأحلام والطموحات، قائلا: "كانت حياتي بسيطة، لكن مليئة بالأحلام، كنت أعيش من أجل كرة القدم، وأتدرب وأشارك في المباريات وأحلم بأن أطور مستواي وأصل إلى أماكن أكبر، لم أكن أتوقع أن تتغير حياتي بهذه الصورة".

معاناة المصابين داخل غزة بسبب الحرب
معاناة المصابين داخل غزة بسبب الحرب


كانت كرة القدم بالنسبة إليه أكثر من مجرد هواية، حيث يصفها قائلا: "كانت تعني لي الحياة والشغف والطموح، كنت أشعر أنني أكون نفسي عندما أكون في الملعب".
بدأ محمد ممارسة كرة القدم منذ الصغر، ومع مرور السنوات أصبحت اللعبة جزءا أساسيا من هويته، مضيفا: "حبي للعبة، والمنافسة، والشعور الذي يمنحني إياه الملعب، كلها أسباب جعلتني أستمر".
كان يحلم بأن يصل إلى مستوى احترافي ويمثل فلسطين، مؤكدا: "كنت أحلم دائمًا بأن أصل إلى مستوى احترافي وأمثل فلسطين في كرة القدم، وكنت أؤمن أن العمل والتدريب يمكن أن يفتحا لي الطريق".

إصابة غيرت حياته لكنها لم تهزم إرادته

جاءت الإصابة لتغير مسار حياة محمد بصورة كاملة، حيث يشرح: "تغير كل شيء تقريبا، أصبحت أحتاج إلى إعادة تعلم كثير من الأمور التي كنت أمارسها بشكل طبيعي، وأصبحت أمام تحديات جسدية ونفسية كبيرة، لكن الإصابة لم تستطع أن تنهي علاقتي بكرة القدم".

 

ويستعيد اللحظة التي شعر فيها بأن حياته تغيرت بالكامل،: "بعد الإصابة، عندما أدركت أنني لن أستطيع العودة إلى حياتي السابقة بالطريقة نفسها، كانت لحظة صعبة للغاية، لكن مع الوقت بدأت أفكر في السؤال الأهم: ماذا أستطيع أن أفعل من الآن فصاعدا؟".

الأشخاص مبتورى الأطراف بسبب الحرب على غزة
الأشخاص مبتورى الأطراف بسبب الحرب على غزة

 

كانت الأيام الأولى بعد فقدان قدمه من أصعب مراحل حياته، لكنه بدأ تدريجيا في استيعاب الواقع الجديد، ويوضح: "كنت أحاول أن أستوعب ما حدث وأتأقلم مع التغيير الكبير، لم يكن الأمر سهلا، لكنني بدأت تدريجيا أتعلم كيف أعتمد على نفسي من جديد".
ويؤكد أن أصعب ما واجهه لم يكن فقدان القدم وحده، وإنما التغيير المفاجئ في شكل حياته ومستقبله: "أصعب شيء لم يكن فقدان القدم فقط، بل فكرة أن حياتي التي اعتدت عليها تغيرت فجأة، كان علي أن أتعلم أن أرى المستقبل بطريقة مختلفة".

الاستسلام لن يعيد ما فقدته

في تلك المرحلة، كان الدعم العائلي والإنساني عنصرا مهما في قدرة محمد على تجاوز محنته، حيث يقول: "تمسكت بعائلتي وأصدقائي، وتمسكت أيضا بكرة القدم، الرياضة أعطتني هدفا أعمل من أجله بدل أن أعيش فقط مع ما فقدته، عائلتي وأصدقائي وكل شخص وقف بجانبي، دعمهم جعلني أشعر أنني لست وحدي، وأن هناك من يؤمن بقدرتي على الاستمرار".

ومع الحرب والنزوح، ازدادت الصعوبات، خاصة بالنسبة إلى شخص يعاني إعاقة حركية، ويوضح محمد: "النزوح كان تجربة قاسية جدا، أن تترك المكان الذي تعرفه وتنتقل من مكان إلى آخر بحثا عن الأمان، وأنت تعاني من إصابة، يجعل كل شيء أكثر صعوبة".

ويصف التنقل المستمر بأنه كان مرهقا جسديا ونفسيا، قائلا: "الشخص السليم يجد صعوبة في النزوح، فما بالك بشخص لديه إعاقة حركية، لكن لم يكن أمامنا إلا الاستمرار والبحث عن مكان أكثر أمانا".
ولم تكن ظروف الجوع ونقص الغذاء أقل قسوة، خاصة أن التعافي وممارسة الرياضة يحتاجان إلى تغذية جيدة، ويضيف: "نقص الغذاء أثر على الجميع، وبالتأكيد على الأشخاص الذين يحتاجون إلى التغذية الجيدة للتعافي وممارسة الرياضة، أحيانا كان الحصول على الطعام نفسه تحديا، وهذا يجعل التدريب والتعافي أصعب بكثير".
ورغم كل ذلك، يعترف محمد بأنه مر بلحظات شعر خلالها بالتعب وفقدان الأمل، لكنه وجد في داخله سببا للاستمرار: "نعم، كانت هناك لحظات شعرت فيها بالتعب وفقدان الأمل، لكنني كنت دائما أذكر نفسي بأن الاستسلام لن يعيد ما فقدته، لذلك قررت أن أستمر بما أستطيع، خطوة بخطوة".

 

العودة إلى الملعب.. بداية حياة جديدة

لم يستغرق محمد طويلا حتى أدرك أن كرة القدم يمكن أن تكون طريقه لاستعادة حياته، متابعا: "عندما أدركت أن الإصابة لن تمنعني من ممارسة الشيء الذي أحبه، فالعودة لم تكن سهلة، لكنها كانت من أهم القرارات في حياتي".
وكانت اللحظة التي لمس فيها الكرة من جديد لحظة استثنائية بالنسبة إليه: "شعرت أنني استعدت جزءا من نفسي، الكرة بالنسبة لي لم تكن مجرد كرة، كانت تذكيرا بأن محمد الذي يحب كرة القدم ما زال موجودا".
وبالتدريب والإصرار، بدأ يتكيف مع واقع كرة قدم البتر، موضحا: "بالإصرار والتدريب والتكيف مع الوضع الجديد، كرة قدم البتر لها طريقة مختلفة، ومع الوقت تعلمت كيف أتحرك وألعب وأتطور".
عودته إلى الرياضة لم تغير طريقة لعبه فقط، بل غيرت نظرته إلى الحياة نفسها، حيث يقول: "قبل الإصابة كنت أرى كرة القدم كرياضة وحلم، بعدها أصبحت أراها أيضا كوسيلة للتحدي وإعادة بناء الحياة وإعطاء الأمل للآخرين".
ويختصر مكانة كرة القدم في حياته اليوم: "هي الاثنان معا، هي رياضة أحبها، وفي الوقت نفسه كانت سببا في استعادة ثقتي بنفسي وشعوري بأن لدي مستقبلا أعمل من أجله".

زملائي يرونني لاعبا قبل أي شيء

داخل فريق "غزة الإرادة"، لا يريد محمد أن تكون إعاقته هي أول ما يراه الآخرون فيه، وإنما يريد أن يُنظر إليه كلاعب قادر على التدريب والمنافسة والتطور، قائلا :"هم يرونني كلاعب قبل أي شيء آخر، نتدرب معا ونتحدى بعضنا ونحاول أن نتطور كفريق، وهذا أهم شيء بالنسبة لي".

محمد عليوة وزميله
محمد عليوة وزميله


ومن خلال الفريق، يحاول محمد أن يمنح لاعبين آخرين من مبتوري الأطراف فرصة لاستعادة علاقتهم بالرياضة، والشعور بأن الإعاقة لا تعني الابتعاد عن الحياة.

معاناة ذوي الإعاقة في غزة
معاناة ذوي الإعاقة في غزة


ويؤكد أن الرسالة التي يريد إيصالها إلى المجتمع بسيطة وواضحة: "أريد أن يفهموا أن الإعاقة لا تعني نهاية الحياة، فالإنسان قد يخسر شيئا مهما، لكنه يستطيع أن يجد طريقا جديدا ويصنع شيئا جديدا من حياته".

لا تحكم على مستقبلك من أصعب يوم في حياتك

ولا ينسى محمد الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم، مثله، أمام خسارات مفاجئة بسبب الحرب، لذلك يوجه إليهم رسالة من تجربته الخاصة: "لا تحكم على مستقبلك من أصعب يوم في حياتك، أعط نفسك الوقت، وابدأ بخطوة صغيرة، وتمسك بالأشخاص الذين يحبونك، قد يكون الطريق صعبا، لكنه ليس مستحيلا".
كلمات خرجت من تجربة شخصية قاسية، تجربة فقد فيها جزءا من جسده، وواجه النزوح والخوف ونقص الغذاء والإمكانات، لكنه قرر أن يبحث عما يستطيع فعله بدلا من الوقوف طويلا أمام ما فقده.

واقع مؤلم لسكان غزة بسبب الحرب
واقع مؤلم لسكان غزة بسبب الحرب

 

حلمه لم يتوقف: نريد أن نمثل فلسطين
 

رغم كل ما حدث، لا يزال محمد يحمل أحلاما رياضية كبيرة، حيث يقول: "ما زلت أحلم، أحلم بأن يستمر فريق غزة الإرادة ويتطور، وأن نصل إلى مسابقات وبطولات أكبر، ونمثل فلسطين بأفضل صورة".
ولا يتوقف حلمه عنده شخصيا، بل يتمنى أن يحصل كل لاعب مبتور في غزة على فرصة حقيقية لممارسة الرياضة، مضيفا: "أحلم أيضا بأن يحصل كل لاعب مبتور في غزة على فرصة حقيقية لممارسة الرياضة".
الطريق لا يزال مليئا بالتحديات، خاصة في ظل تضرر المنشآت الرياضية والخدمات المخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة، ويقول: "الوضع صعب للغاية، الحرب أثرت بشكل كبير على المنشآت الرياضية والخدمات المتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة، لذلك نحن نحاول أن نصنع بأنفسنا مساحة للاستمرار، لكننا بحاجة إلى دعم حقيقي ومستدام حتى نستطيع توفير التدريب والمعدات والاحتياجات الرياضية للاعبين".
ويحدد احتياجاته واحتياجات زملائه بوضوح: "نحتاج إلى معدات رياضية، وأماكن آمنة للتدريب، ودعم لوجستي ومالي، إضافة إلى الأطراف والأدوات الرياضية المناسبة للاعبين المبتورين، الأهم هو أن نحصل على فرصة للاستمرار والتطور".

فجوة في بيانات الإعاقة بغزة

وكشفت دراسة بحثية فلسطينية حديثة في 14 أغسطس الماضي، حول واقع الأشخاص ذوي الإعاقة بغزة خلال الحرب، عن فجوة لافتة بين البيانات الرسمية والتقديرات الميدانية، مشيرة إلى أن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في القطاع قد يصل، وفق تقديرات الخبراء المشاركين في الدراسة، إلى نحو 221 ألف شخص، في ظل الارتفاع الكبير في أعداد الإصابات وتعطل الخدمات الصحية والتأهيلية.

الدراسة التي حملت عنوان "واقع الإعاقة في غزة خلال الحرب: دراسة مقارنة بين البيانات الرسمية والتقديرات الميدانية للخبراء"، أكدت أن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة قبل الحرب بلغ 127,962 شخصا، بينما قدر الخبراء الزيادة التي حدثت خلال الحرب بنحو 93,069 شخصا، ليصل العدد الإجمالي وفق التقديرات الميدانية إلى 221,031 شخصاً.

 

وأشارت الدراسة إلى أن هذا الرقم يعني زيادة تقدر بنحو 50,069 شخصا مقارنة بالإجمالي الوارد في البيانات الرسمية المستخدمة في المقارنة، الأمر الذي يعكس اتساع الفجوة بين الأرقام المتاحة والواقع الذي يرصده العاملون ميدانيا.

حالات البتر في غزة قبل وبعد العدوان
حالات البتر في غزة قبل وبعد العدوان

 

كما أظهرت نتائج الدراسة اتفاقا واسعا بين الخبراء حول تأثير الحرب في واقع الإعاقة، حيث رأى 69.9% من المشاركين أن تأثير الحرب على ارتفاع معدلات الإعاقة كان كبيرا للغاية، بينما وصفه 25.8% بأنه كبير، وبذلك بلغت نسبة الخبراء الذين أكدوا أن الحرب كان لها تأثير كبير أو كبير جداً على معدلات الإعاقة 95.7% من إجمالي المشاركين البالغ عددهم 93 خبيرا.

الدراسة الفلسطينية عن الإعاقة في غزة
الدراسة الفلسطينية عن الإعاقة في غزة

 

ويوضح الدكتور مصطفى عابد، مدير برنامج التأهيل المجتمعى بجمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية، والمشارك في الدراسة، أن هذه الزيادة خلال الحرب جاءت بسبب لإصابات المباشرة، وحالات البتر وإصابات الدماغ والحبل الشوكي، إلى جانب تأخر العلاج، وانهيار أو تعطل خدمات التأهيل، ونقص الأجهزة المساعدة والكوادر المتخصصة.

وأشار إلى أن آثار الحرب لم تتوقف عند الإصابات التي وقعت بصورة مباشرة، وإنما امتدت إلى الحالات التي كانت تحتاج إلى متابعة وعلاج وتأهيل، حيث ساهم تأخر التدخلات الطبية ونقص الخدمات في تفاقم بعض الحالات وتحول إصابات إلى إعاقات دائمة، لافتا إلى أن الإعاقة الحركية جاءت في مقدمة أنواع الإعاقة التي شهدت ارتفاعا خلال الحرب، حيث قدر إجمالي عدد الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية بنحو 78,438 شخصاً، بينهم 42 ألف شخص تمثل الزيادة المقدرة خلال الحرب.

وقدرت الدراسة عدد الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية بنحو 59,412 شخصا، مقابل 30,717 شخصا من ذوي الإعاقة البصرية، إلى جانب إعاقات أخرى تشمل السمع والنطق، والكلام، والإعاقة الذهنية، وطيف التوحد وغيرها.

الدراسة الفلسطينية عن نسب الإعاقة في غزة
الدراسة الفلسطينية عن نسب الإعاقة في غزة

 

وطالب بضرورة إدماج قضايا الإعاقة في خطط التعافي وإعادة الإعمار، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الحكومية والأهلية والدولية، وتوجيه التمويل إلى برامج التأهيل الشامل والأجهزة التعويضية والمساعدة، إلى جانب تطوير خدمات التأهيل المجتمعي والعلاج الطبيعي والدعم النفسي والاجتماعي.

انظروا إلى غزة من خلال إرادتنا

ربما تختصر رسالة محمد إلى العالم كل حكايته، فهو لا يريد أن يرى العالم غزة فقط من خلال الدمار والخسارة، وإنما من خلال الأشخاص الذين يحاولون النهوض رغم كل شيء.
ويوجه رسالة للعالم: "انظروا إلى غزة من خلال إرادتنا، وليس فقط من خلال الدمار، نحن فقدنا الكثير، لكننا لم نفقد أحلامنا، نريد أن نلعب ونتطور، وأن نمثل فلسطين، أعطونا فرصة، وسنثبت أن الإرادة تستطيع أن تصنع المستحيل".
وهكذا، لم تعد قدم محمد المفقودة عنوانا للخسارة في حكايته، بل أصبحت جزءا من قصة أوسع عن إنسان رفض أن يختصره الألم، فقد تغيرت حياته، لكنه لم يتخل عنها، فقد قدمه، لكنه لم يفقد شغفه، واجه الإعاقة، لكنه اختار الرياضة، عاش النزوح والجوع والخوف، لكنه ظل يتطلع إلى المستقبل.

وفي كل مرة يدخل فيها محمد عليوة إلى الملعب، يحمل معه أكثر من كرة وذكريات لاعب، حيث يحمل رسالة تقول إن النجاح قد يبدأ من أكثر اللحظات قسوة، وإن الإنسان لا يختار دائما ما يحدث له، لكنه يستطيع أن يختار كيف يواجهه.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة