ثمة أفلام قصيرة تبدأ من فكرة بسيطة، لكنها سرعان ما تكشف عن أسئلة أكبر من حكايتها، وتمنح زمنها المحدود كثافة تجعل كل لقطة وكل حركة وكل صوت جزءًا من بنيتها الدرامية، ومن هذه المنطقة يأتي الفيلم الروائي القصير " قبل أن يتلاشى المطر"، الذي يحمل توقيع حسن عمار في التصوير والمونتاج والإخراج، ويقدم تجربة تنتمي إلى السينما النفسية التي لا تكتفي برصد الحدث، وإنما تحاول النفاذ إلى أثره داخل الإنسان.
منذ البداية، ينجح الفيلم في شد انتباه المتلقي؛ إذ لا يحتاج إلى مقدمات طويلة كي يضعنا أمام جوهر أزمته، فنحن أمام أب فقد ابنته، لكن الفيلم لا يتعامل مع الفقد بوصفه واقعة مكتملة، وإنما بوصفه قوة مستمرة تعيد تشكيل وعي الأب وإدراكه لما حوله، فبعد فقدان الأب لابنته، يبدأ في فقدان إحساسه بالواقع، بينما تتلاشى الحدود بين الحلم والحقيقة.
وهذه ليست الحكاية ، بل هي المدخل الجمالي والفلسفي للعمل كله، فالفيلم لا يسأل فقط : ماذا يحدث لإنسان فقد ابنته؟ وإنما يذهب إلى سؤال أكثر تعقيدًا، وهو: ماذا يحدث للواقع نفسه عندما يصبح الألم أقوى من قدرة الإنسان على احتماله؟.
القوة الأساسية في الفيلم تبدأ من هذه الفكرة؛ فالصراع ليس خارجيًا بالمعنى التقليدي، وإنما صراع داخلي بين واقع مؤلم وحلم يبدو أكثر احتمالًا، فالأب يعيش في منطقة ملتبسة؛ لا يعود الحلم مجرد مساحة مؤقتة للنوم، ولا يصبح الواقع حقيقة مستقرة يمكنه العودة إليها بسهولة، وهكذا تتداخل الذاكرة والحاضر والحلم، ويصبح المتفرج نفسه أمام اختبار إدراكي : ما الذي حدث بالفعل؟ وما الذي يحدث داخل وعي الشخصية؟.
الفيلم لا يستعجل الإجابة، وهذه إحدى نقاط قوته؛ لأن الغموض هنا ليس غموضًا مفتعلًا بحثًا عن المفاجأة، وإنما نابع من طبيعة التجربة النفسية نفسها، ومن هنا تتضح اختيارات حسن عمار الإخراجية، ففهو لا يتعامل مع الفيلم بوصفه تمرينًا على استعراض الأدوات، وإنما يوظف أدواته لخدمة الحالة، ويعتمد بدرجة كبيرة على الصورة والحركة والأداء أكثر من الحوار، وهو اختيار مناسب لطبيعة الموضوع؛ لأن الأزمة التي يعيشها الأب داخلية، وما يحدث في داخله يصعب اختزاله في جمل تفسيرية.
فيلم روائي قصير
الكادر، والمسافة بين الكاميرا والشخصية، وحجم اللقطة، وحركة الجسد داخل المكان، كلها تتحول إلى عناصر دلالية، فاللقطة القريبة لا تكتفي بإظهار الوجه، وإنما تقربنا من الحالة النفسية، بينما تمنحنا المسافة إحساسًا بالعزلة والانفصال، وبذلك يصبح حجم اللقطة قرارًا دراميًا ونفسيًا، لا مجرد اختيار جمالي.
وفي قلب هذه اللغة البصرية يأتي محمد توكل في دور الأب، وهو الدور الذي يحمل العبء الأكبر في الفيلم، واللافت في أدائه أنه لا يقدم الفقد باعتباره حالة انفعالية صاخبة، وإنما باعتباره قهرًا داخليًا يتسرب إلى النظرات والصمت والحركة والسلوك، وهذا تحديدًا ما يجعل أداءه مقنعًا؛ فهو لا يحاول أن يقول للمشاهد إنه رجل محطم، وإنما يجعلنا نستنتج ذلك من تفاصيل أدائه، ويواجه توكل تحديًا إضافيًا مع التحولات النفسية التي تمر بها الشخصية، إذ ينتقل الأب تدريجيًا من التعامل مع واقع الفقد إلى منطقة يصبح فيها الحلم والذاكرة امتدادًا للحقيقة، وهنا يصبح جسد الممثل جزءًا من السرد، وتصبح الحركة لغة موازية للحوار.
الفنان محمد توكل
محمد توكل نجح في حمل هذه الشخصية دون مبالغة، وأن أداءه يمثل أحد أهم عناصر قوة الفيلم؛ لأنه جسد قهر الفقد لا باعتباره حزنًا عابرًا، وإنما باعتباره اضطرابًا في علاقة الإنسان بالواقع.
وتزداد قيمة البناء الدرامي مع التحولات التي يشهدها الفيلم؛ فهي لا تأتي لمجرد صناعة المفاجأة، وإنما تعيد تشكيل علاقتنا بما نشاهده، وكل تحول يدفع المتفرج إلى مراجعة ما اعتقد أنه فهمه قبل لحظات، وبذلك ينتقل اضطراب البطل إلى عملية المشاهدة نفسها، فنحن لا نراقب شخصًا فقد يقينه بالواقع فحسب، بل نفقد نحن أيضًا يقيننا الكامل بشأن ما نراه، وهذه معالجة ذكية؛ لأن الفكرة لا تبقى موضوعًا للفيلم، وإنما تتحول إلى تجربة يعيشها المتلقي أثناء المشاهدة.
الإيقاع السريع.. إيقاع العقل المضطرب
يأتي الإيقاع السريع للفيلم متسقًا مع هذه البنية النفسية، فالانتقالات المكثفة لا تعكس فقط طبيعة الفيلم القصير وحاجته إلى الاقتصاد الزمني، وإنما تمنح المشاهد إحساسًا بأن الزمن نفسه غير مستقر داخل وعي الأب.
والأهم أن الفيلم لا يبدو مستعجلًا رغم سرعته، وهنا ينبغي التمييز بين السرعة والاستعجال؛ فالاستعجال ينتج عن نقص السيطرة على الزمن، أما السرعة في " قبل أن يتلاشى المطر" فتبدو اختيارًا واعيًا يخدم الحالة، وإن العقل المضطرب لا يتحرك في خط مستقيم، ولذلك يصبح الإيقاع السريع جزءًا من التعبير عن هذا الاضطراب.
عادل عمار.. حضور الصوت في منطقة الغياب
ومن أكثر الاختيارات الفنية دلالة حضور عادل عمار في شخصية الطبيب النفسي من خلال الصوت فقط، وعدم ظهور الطبيب لا ينتقص من حضوره، بل يمنحه وظيفة أكثر التباسًا، فنحن نسمع الصوت دون أن نرى صاحبه، ولذلك يمكن أن نتعامل معه بوصفه صوتًا ينتمي إلى الواقع، أو إلى الذاكرة، أو حتى إلى العالم الداخلي للأب، وبهذا يتحول الصوت من وسيلة لتمرير الحوار إلى أداة لصناعة الحالة، إنه يدخل بنا إلى خيال الفيلم من خلال الأذن، ويضيف طبقة أخرى إلى السؤال المركزي: أين ينتهي الواقع وأين يبدأ الحلم؟.
يعتمد الفيلم على عدد محدود من الشخصيات، لكن هذا الاقتصاد يخدم البناء بدل أن يضعفه، فالشخصيات قليلة، لكنها مؤثرة، ولا توجد مساحات زائدة تشتت الصراع الأساسي، وتشارك تاليا حلمي في البطولة ضمن هذا البناء المكثف، بينما يبقى مركز الثقل الدرامي حول الأب وأزمته النفسية، وهذا يتناسب مع طبيعة الفيلم القصير الذي يحتاج إلى التركيز لا الاستطراد.
وتتكامل الرؤية البصرية مع المعالجة الصوتية التي تولى أحمد مصطفى تصميمها ومكساجها، بمشاركة محمد أبو الخير في مكساج الصوت، وفي فيلم يقوم أساسًا على تداخل الواقع والخيال، يصبح الصوت عنصرًا سرديًا لا يقل أهمية عن الصورة؛ إذ يستطيع أن يؤكد ما نراه، لكنه يستطيع أيضًا أن يزرع الشك فيه، ومن هنا يأتي توظيف صوت الطبيب باعتباره جزءًا من بنية الفيلم النفسية، وليس مجرد إضافة تقنية.
أخيرا وليس آخرا، عنوان الفيلم " قبل أن يتلاشى المطر" يفتح بابًا تأويليًا مهمًا، فالمطر عابر، لكنه يترك أثرًا، وكذلك الذكريات والأشخاص الذين نحبهم؛ قد يتلاشى حضورهم الجسدي، لكن أثرهم يظل في الوعي، ومن الممكن أيضا قراءة المطر بوصفه استعارة للفقد نفسه : لحظة نعرف أنها لن تستمر، ومع ذلك نحاول الاحتفاظ بها أطول وقت ممكن.
وهكذا يصبح العنوان امتدادًا لفكرة الفيلم؛ فالأب لا يستطيع الاحتفاظ بابنته في الواقع، لكنه يحاول الاحتفاظ بها في الذاكرة والحلم.
حسن عمار.. مخرج يعلن عن رؤية قابلة للتطور
في المحصلة، تكمن قيمة «قبل أن يتلاشى المطر» في أنه لا يقدم الفقد بوصفه موضوعًا عاطفيًا فقط، وإنما يحوله إلى أزمة في الإدراك والوعي، فالفكرة قوية، والبداية جاذبة، والشخصيات قليلة ومؤثرة، وتحولات درامية، وإيقاع سريع، واعتماد على الصورة والحركة والأداء أكثر من الحوار؛ كلها عناصر تعمل داخل رؤية واحدة، ويبرز حسن عمار هنا بوصفه مخرجًا يمتلك وعيًا باللغة السينمائية، والأهم أنه لا يشرح أفكاره أكثر مما ينبغي، بل يترك للصورة والأداء والصوت مساحة لتوصيلها.
أما محمد توكل فيمنح الشخصية مركزها الإنساني، بأداء يعتمد على التفاصيل أكثر من الاستعراض، بينما يضيف عادل عمار من خلال صوته طبقة من الغموض تتناسب مع العالم النفسي للفيلم، وهكذا يصبح «قبل أن يتلاشى المطر» فيلمًا عن الفقد، لكنه في عمقه فيلم عن الواقع عندما يصبح غير قابل للاحتمال، وعن الحلم عندما يتحول من مساحة للهرب إلى وسيلة للبقاء.
ويبقى السؤال الذي يتركه حسن عمار معلقًا بعد النهاية: إذا كان الواقع قد أخذ منا من نحب، فهل يكون الحلم هروبًا من الحقيقة.. أم يصبح أحيانًا الحقيقة الوحيدة التي نستطيع أن نعيش فيها؟.