عبير حلمي تكتب: المعاناة

الخميس، 06 أغسطس 2026 04:05 م
عبير حلمي تكتب: المعاناة عبير حلمى

المعاناة ليست كلمة تُقال، بل هي شعور له تأثير جسدي ونفسي واجتماعي على الإنسان.

فالمعاناة، بمعناها، هي شدة الألم والمجهود الجبار الناتج عن التفكير، سواء كان الموضوع ماديًا أو اجتماعيًا أو أسريًا، وللأسف يكون كل هذا المجهود بلا فائدة، فيصل الإنسان إلى الإحباط واليأس والشعور بالخذلان والتعاسة، التي قد تصل به إلى التوحد، وفقد الشغف، وأحيانًا فقد الرجاء، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى الانتحار.

فالمعاناة لها صور عديدة، نذكر منها البعض، ولكن من المستحيل سرد كل أنواع وأشكال المعاناة؛ لأن لكل إنسان قدرته على التحمل، التي تختلف عن الآخر، فما أعتبره أنا معاناة قد تعتبره أنت مجرد تجربة نستطيع التغلب عليها، أو مجرد مشكلة لها ألف حل بالتأني والصبر والاجتهاد. ولذلك، فشعور المعاناة هو الشعور الإنساني الوحيد الذي لا يُقاس بمقياس محدد وثابت للجميع، بل يختلف بحسب كل شخص، وقدرته على جودة التفكير، وطرح الحلول، وتبسيط الأمور بقدر المستطاع، وقدرته على التفكير خارج الصندوق.

إذن، تختلف المعاناة بحسب النظرة الشخصية للأمور، ولكن هناك معاناة جماعية لسببٍ ما، مثل الكوارث الطبيعية أو الحروب، وتصبح بذلك معاناة دولة وشعب، ومصير أمة أيضًا.

المعاناة الحقيقية عندما تفقد عزيزًا لديك، خصوصًا من أسرتك، كفقد الأب أو الأم، والشعور هنا بفقد الأمان والحنان والحب والسند والظهر، وأيضًا معاناة الغربة، سواء غربة النفس وإحساس عدم الرغبة في الحياة، أو غربة الوطن عندما تسافر إلى بلاد بعيدة وغريبة عن لغتك وأصولك وتقاليدك، وتصبح وحيدًا في هذه الغربة خلال سفرك، سواء كان هذا السفر عن رغبة شديدة منك للمغامرة والبحث عن ذاتك، لعلك تجدها، أو سفرًا اضطراريًا للبحث عن لقمة العيش.

وشعور الغربة هنا يتمثل في انفصالك عن أحبابك وأهلك وأصدقائك، ولكن لا تتمسك بهذا الشعور دون محاولة الخروج منه، بوجود صداقات جديدة، والتعايش مع المجتمع، وتكوين علاقات نافعة، فهذا هو اختيارك للخروج الآمن من الوحدة والعزلة.

وهناك معاناة بشكل مختلف تسببها الأزمات، منها المادية أو المعنوية، فمثلًا تطرق أبواب العمل لتصل إلى النجاح والتقدم، ويكون هدفك باب الرزق الحلال، ولا تجد لك مكانًا؛ فهنا يصيبك الشعور بخيبة الأمل وفقد الثقة بالنفس. فكثيرًا ما لا تجد سوى الفشل عنوانًا لك، وبالفعل هي معاناة، ولكنها ستنتهي بالإصرار والعزيمة وصولًا إلى النجاح، بإيمانك بالله وبقدراتك التي منحها الله لك.

وهناك معاناة إنسان نتيجة بتر أحد أعضاء جسده، كفقد ذراع أو إحدى ساقيه أو كلتيهما، كما يحدث في حوادث كثيرة. وبالفعل، نشكر الله على النجاة والفرصة الثانية الممنوحة منه، ولكنها في الحقيقة معاناة لا يتحملها إلا المؤمن. فهي معاناة قاسية توقف الإنسان عن ممارسة أبسط تفاصيل الحياة اليومية بمفرده، وتمتد إلى باقي أفراد الأسرة لخدمة ذلك الشخص، والحزن عليه في الوقت نفسه.

المعاناة أيضًا عندما يغيب الضمير، وينتصر الكذب على الحق، ويضيع حق إنسانٍ غلبان، أو يضيع مجهود أحد الأشخاص دون فائدة، وتتكاتف عليه قوى الشر لتدميره بأشكال متعددة. لا نستطيع أن نستوعب كمَّ الحسد والغل ومخططات الشر ضد إنسان ناجح وأمين، لرغبتهم في التخلص منه؛ لأنه عنصر نقي لا يوافقهم الرأي في النصب والاحتيال... إلخ.

والمعاناة أيضًا لها شكل إنساني عندما تبذل نفسك للنصح بلا فائدة، وترى بعينيك سقوط أحد المقربين لك بسبب عدم قبول النصيحة، وهنا تلوم نفسك وكأنك السبب، وتحيا معاناة نفسية لا أساس لها من الصحة؛ فقد قمت بالنصح والإرشاد، وأديت النصيحة على أكمل وجه، وعدم الإنصات لك هو ما سبب الضرر للآخر، وكلٌّ منا يتحمل نتيجة قراراته. فلا تلُم نفسك إذا خذلك أحدهم، حتى وإن كان متعمدًا، وغالبًا فعل ذلك دون إرادته، وكان تحت ضغطٍ ما، فنال منه العدو، وصار يتحمل نتيجة عدم مقاومته وعدم إنصاته للنصيحة، وأكيد سيتعلم الدرس ويخرج من معاناته أقوى بكثير، فلا تقلق، فكل تجربة لها دروس نافعة.

وقد يخيب ظنُّ البعض بك أحيانًا، رغم ما بذلت من مجهود جبار، ويصبح رأيهم فيك ليس في محله، وهذه في الحقيقة معاناة لإثبات حسن النوايا، والقدرة على تحمل المسؤولية، والثبات على الرأي دون إسفاف أو مغالاة، وهو ما سيضعك على الطريق السليم، طالما كانت نواياك طيبة. فالصدق مع النفس أهم بكثير من رأي الآخرين فيك أو ثقتهم بك.

ولا ننسى المعاناة بصورتها المؤلمة، أن يترك حبيبٌ حبيبته بسبب ظروف الحياة الاجتماعية، فتصير الحبيبة لشخص آخر، ويضيع حلم العمر الجميل.

وهناك شكل آخر من أشكال المعاناة؛ فمثلًا عندما ترى نجاح الظالم الكاذب المخادع الذي يحيا بلا ضمير، وأنت تجيد الإخلاص في زمن مليء بالغدر والخيانة، فهذه آلام تمر على درب الحياة، دون أن تدري ماذا فعلت ليحدث معك كل هذا، ولماذا أنت صامت، وبيدك ألف برهان على كذبهم أو ظلمهم لك؟!

لماذا تقف بعيدًا، ولا مخرج لك من الضيق والظلم والألم؟ ولا مهرب لك، وإن كان أحدهما باختيارك، مثل الغربة، وأحيانًا يكون دون إرادتك، مثل غربة النفس.

لماذا تعيش هذه المعاناة لفترات طويلة جدًا، رغم الصبر والانتظار؟ انتظار الفرج بعد الضيق، ولا يحدث، وتستمر في الانتظار، وانتظار البراءة بعد الظلم البين، ولكن لا تيأس، وتأكد من ظهور الحقيقة عاجلًا أم آجلًا، فلكل شيء نهاية.

ورغم الألم، فهناك الكثير منا نراهم شاكرين حامدين، مبتسمين، بينما تختبئ خلف الابتسامة جراح لا يعلم بها أحد.

أحيانًا يرانا الناس هادئين مطمئنين، فيحسدوننا على سلامنا الظاهر، ولا يدركون ما تخفيه القلوب. دائمًا نختار القوة ونكره الضعف، ونختار الطريق الأطول أو الأصعب بشرط أن يكون الآمن، ونختار التخفي عن الظهور كي لا يرانا من هم أكثر قوة ونفوذًا، فهذا ليس هروبًا، وإنما استعداد للظهور الأقوى في وقتٍ ما.

ودائمًا نختار الطريق الآمن، فالأمان هو المطلب الوحيد للخروج من أغلب المشكلات. واعلم أن الحرية لها ثمن، لكن التحرر دون حذر هلاك.

كم مرة نتذكر صفاء البدايات، فكانت أكبر أحلامنا وجبة برجر، وفيلمًا سينمائيًا بإحدى دور العرض، ثم آيس كريم، فأصبحت الآن من الأمنيات.

ما أجمل أحلام الطفولة البريئة، وما أجمل الطموح دون أن يختنق بأشواك الحقيقة المرة.

ما أجمل البساطة في القلب والروح والفكر، دون المساس بالثقافة والعلم ذي النفع الحقيقي للإنسان، فهو الخروج الآمن من غدر الزمان القاسي.

ما أجمل العلم الذي يمنح الإنسان البصيرة والإدراك.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة