هناك من يمرون بأرواحنا كالمطر، يخضرّ بهم كل جفاف، وهناك من يمرون كالجفاف، ييبس على أيديهم كل أمل، وفي غفلة من وعينا، نقع في فخ المراهنة على السراب، ونستثمر مشاعرنا في مواسم لا تثمر، ونحترق لنضيء عتمة غيرنا، حتى نكتشف متأخرين أننا احتسينا السم في كؤوس كانت تدّعي تقديم العسل.
في دستور العلاقات، لا شيء أكثر كلفة من محاولة إحياء ما مات في قلوب الآخرين، ولا شيء أشد إرهاقاً من البقاء في منتصف الطريق؛ لا أنت بالواصل، ولا أنت بالقادر على العودة.
هنا تحديداً يتجلى المعنى الحقيقي لمقولة اعتزل ما يؤذيك، الاعتزال ليس هرباً من المواجهة، بل هو قمة التسامي؛ إنه إعلان العقل عن إفلاس العاطفة المقابلة، والقرار الحاسم بإغلاق باب يأتيك منه الريح، كي تحافظ على ما تبقى في دارك من سكون.
إن التخلي في كثير من الأحيان ليس دليلاً على قسوة القلب، بل هو دليل على امتلائه بالوعي، هو إدراك مبكر لأن السلام النفسي ليس رفاهية نطلبها، بل هو أصل يقتضي صيانته؛ أن تختار لنفسك مقعداً في الظل بعيداً عن شمس العلاقات الحارقة، وأن تعلم أن المسافة ليست دائماً قطيعة، بل هي أحياناً طوق نجاة، وفن راقٍ من فنون إبقاء المودة أو على الأقل إبقاء الكرامة.
اختر سلامك الداخلي ولو يكلفك هذا الاختيار أن تبدو في نظرهم قاسياً، انفض عن ثيابك غبار العلاقات التي لا تزيدك إلا ثقلاً، وتذكر دائماً أن البقاء في مساحة تسرق منك نضارتك هو نوع من الانتحار البطشي البطء.
لا تجعل روحك محطة لانتظار قطارات لن تأتي، ولا ترصع هامتك بإكليل من التضحيات التي لا يراها أحد.
إن أشد ما يمارسه المرء من إثم في حق ذاته هو أن يصر على التواجد حيث لا يُرى، وأن يستجدى الدفء من جدران جليدية.
اعتزلوا ما يؤذي قلوبكم، فالأرواح إذا تكسرت لا تُرممها الاعتذارات المتأخرة، والحياة أقصر من أن نعيشها في الهامش.