هناك أعياد ميلاد تُقاس بعدد الشموع، وأخرى تُقاس بعدد الندوب التي حفرتها الحياة في القلب.
وقبل أن أُكمل عامًا جديدًا، أجلس في بيتي الجديد، أتأمل الجدران التي لم تحمل أثاثي فقط، بل حملت معها سنواتٍ كاملة من التعب، والانكسار، ومحاولات الوقوف بعد كل سقطة.
لم يكن انتقالي إلى هذا المكان مجرد تغيير عنوان، بل كان إعلانًا صامتًا أنني ما زلت أستطيع البدء من جديد، حتى وإن كنت أبدأ وحدي.
العيش وحدك لا يعني أن تخاف من الليل، بل أن تعتاد أن تكون أنت السؤال والإجابة، واليد التي تمتد إليك، والكتف التي تستند إليها. أن تنتهي من يومٍ طويل، وتفتح باب بيتك، فلا تجد سوى الصمت في انتظارك، فتبتسم له وكأنه صديق قديم.
كم مرة تمنيت أن أجد من يحمل عني شيئًا من ثقل الأيام، لكنني كنت في كل مرة أكتشف أنني أنا من أحمل نفسي… وأنني، رغم كل ما بداخلي من ضعف، كنت أستطيع الوقوف مرة أخرى.
تعلمت بالطريقة الأصعب أن أقرب الناس قد يكونون أبعدهم عندما تحتاج إليهم، وأن الخذلان لا يأتي من الغرباء، بل من الذين منحتهم ثقتك، وأعطيتهم مكانًا آمنًا داخل قلبك.
وفي منتصف الطريق، أدركت أن بعض الدروس لا تأتي على هيئة كلمات، بل على هيئة مواقف. تعلمت أن ليس كل من يقترب يبقى، وأن ليس كل حضور يعني الأمان، وأن بعض العلاقات تنتهي قبل أن تبدأ حقًا، لكنها تترك داخلنا حكمة لا تُنسى.
لم يعد يؤلمني رحيل أحد، بقدر ما أصبحت أقدّر من يختار البقاء. فقد علمتني الحياة أن الأفعال وحدها هي التي تستحق الثقة، وأن القلب لا ينبغي أن يمنح مفاتيحه إلا لمن يثبت أنه أهلٌ لها.
ورغم كل ذلك، لم أختر القوة لأنها تشبهني، بل لأن الحياة لم تترك لي رفاهية الضعف.
تعلمت أن أشتري احتياجاتي وحدي، وأن أرتب منزلي وحدي، وأن أواجه مخاوفي وحدي، وأن أقاوم كل مرة فكرت فيها أن أستسلم.
ربما لهذا السبب يظن الجميع أنني قوية.
ولا أحد يعرف أن القوة ليست غياب الألم، بل القدرة على الابتسام بينما القلب يخوض معركته بصمت.
ورغم كل ما مررت به، لم أفقد إيماني بالخير، ولم أسمح لقسوة الأيام أن تنتزع مني رقة قلبي، فما زلت أؤمن أن اللطف لا يضيع، وأن الله يرى كل ما لا يراه الناس.
وسط كل هذا، كان الله يرسل لي نعمًا في صورة أشخاص.
وأول تلك النعم… أخواتي.
وفي مقدمة الجميع كانت منال.
أختي الصغيرة في العمر، الكبيرة في الاحتواء. مرشدة سياحية يعرفها الناس بابتسامتها، وأعرفها أنا بقلبها الذي كان يرشدني كلما تهت.
لم تكن يومًا مجرد أخت، بل كانت أمًا حين احتجت إلى أم، وصديقة حين ضاقت الدنيا، وسندًا حقيقيًا حين تراجع الجميع.
كانت أول من يشعر بما لا أقوله، وأول من يطمئن عليّ، وآخر من يسمح لي أن أواجه حزني وحدي.
لا أظن أن منال تعرف حجم الأمان الذي تمنحني إياه بمجرد وجودها، ولا تدرك أن كثيرًا من الأيام الثقيلة مرّت لأنني كنت أعرف أنها لن تتركني مهما حدث.
وقبل عيد ميلادي، لا أطلب من الحياة هدايا، ولا أبحث عن احتفال.
كل ما أريده أن يمنحني الله قلبًا أكثر سلامًا، وأيامًا أقل قسوة، وأشخاصًا يشبهون أفعالهم، لا كلماتهم.
أربعة وثلاثون عامًا ليست مجرد رقم يُضاف إلى عمري، بل رحلة كاملة؛ فيها ما انكسر، وما التأم، وما رحل، وما بقي.
فيها دموع لم يرها أحد، وانتصارات صغيرة لم يصفق لها أحد، ومعارك خضتها وحدي، لأنني كنت أعرف أن الضجيج لا يصنع الأقوياء، وأن النجاة الحقيقية تحدث في صمت.
واليوم، وأنا أقف على أعتاب عامٍ جديد، لا أحمل في قلبي غضبًا من أحد، ولا رغبة في معاتبة أحد.
أحمل فقط يقينًا واحدًا…
أن الله لم يتركني يومًا، حتى في أكثر اللحظات التي شعرت فيها أن العالم كله قد تركني.
وسأستقبل عامًا جديدًا كما استقبلت أعوامي الأخيرة…
بقلبٍ أتعبته الخيبات، لكنه لم يتوقف عن الحب.
وبروحٍ أنهكتها الأيام، لكنها ما زالت تؤمن أن بعد كل هذا الصبر، لا بد أن يأتي العوض.
ولعل أجمل ما تعلمته قبل أن أطفئ شمعة عامي الرابع والثلاثين… أن الإنسان قد يخسر أشخاصًا كثيرين، لكنه إذا حافظ على قلبه، وربح نفسه، فقد ربح الحياة كلها.