التفّوا حوله من كل الجهات، وتلمّس كل واحد منهم ما طالته يداه؛ ثم أخذ يتحسّس الكُتلة الصماء بأصابعه، ويصفها بما يعرفه من سابق الأوصاف.
تُلخّصُ الأُمثولة الهندية الذائعة، قصة جماعة من فاقدى البصر، لم يروا فيلاً أو يُحيطوا به عِلمًا من قبل؛ فطلبوا أن يُعاينوه بالحاسّة المُتاحة.
المصادفةُ أوقفت كل فرد حذاء جزء بعينه؛ فعَدّ القريب من الساق أن الأفيال عبارة عن أعمدة أسطوانية كبيرة، تلاه الثانى واصفًا البطن بالجدار العظيم، وهكذا البقيّة: الأذن مروحة، والناب أنبوب، والخرطوم ثُعبانًا ضخمًا.
إنها المُقاربة لا الحقيقة، والاجتزاء إذ يتسلّط على الإحاطة والشمول. اضطرارًا كان أو اختيارًا، لا فرق فى الجوهر؛ فالعبرة بالمُحصّلة الأخيرة.
وفى الحكاية؛ أصاب الجَمع وأخطأوا فى آنٍ، وإن تبدّلت الأماكن؛ لاختلفت الأوصاف.. والحقيقة الوحيدة أنهم جميعًا يتحرّكون فى ظلامٍ دامس!
شىء شبيه يجرى على ضفّة حرب الخليج الرابعة، أو ضفّتى مضيق هُرمز. يُحدّث الأمريكيون العالمَ بانتصارهم وغَلَبَتهم كلَّ صباح، ويكاد الإيرانيون أن يُقيموا الأفراح احتفالاً بهزيمة الشيطان الأكبر.
كلاهما رابح بحسب تصوّره، وجَردة الحساب أنهما خاسران معًا. ثلاثُ زوايا تنبنى على كل واحدة صورة، وتداعيات، واستجابات واجبة فى الحال والاستقبال، فيما كلُّ غريم منهما يرى إحداها ويتعامى عن اثنتين.
المُنتصر لا يتنازل؛ وعليهما أن يفعلا. والمهزوم لا يشترط؛ وما زالت أهدافهما مُتصادمة، والمساحة الوسيطة بعيدةً كما كانت فى أوّل يوم!
هدد ترامب بضربة ساحقة، وُصِفت بـ«ضربة الاستسلام»؛ ثم علّقها استجابة للوسطاء، على ما قال، ورغبة فى استئناف التفاوض ومنح الفرصة للدبلوماسية.
بشّر الرجل بإعادة تشغيل القنوات الخلفية، ووصل المنقطع بين العاصمتين بالمباشر أو من طرف خفىّ؛ فسارعت طهران بإنكار المسألة جملة وتفصيلا، وشدّد متحدث خارجيتها على أنه لا حوار مع واشنطن فى الوقت الراهن.
وليست سابقة على كل حال. إذ كثيرا ما أشار سيد البيت الأبيض إلى خطوط اتصال مع الجمهورية الإسلامية، وأعرب عن تفاؤله بمداولات خفية نفاها شريك الطاولة المُشار إليه من الأساس.
والبعض ثبتت صحته لاحقا، على خلاف ما قيل بالفارسية، وحصّة ظلت معلقة فى الفراغ العريض بين العدوّين، من دون نفى أو إثبات.
وقد يصح ما قاله ترامب على طائرة الرئاسة أخيرا، أو يكون من نوع التوهمات والإيحاء.
أكتب ظهيرة الاثنين، ويُفترض أن يُعاد إحياء مسار التفاوض فى غضون ساعات، بحسب ما حدد الرئيس فى تصريحاته، ولن تظل الأمور سرية حال الاتفاق، ولا إلى الأبد قطعا.
غير أن الشواهد تُرجح الرواية الأمريكية، والسوابق تؤكد أن دولة الملالى تحترف المداراة، وأدمنت أن تُضمر خلاف ما تُظهر للناس.
ولعلّها تتعاطى مع الوضع بمنطق شراء الوقت، واستنزاف الخصوم، وأداتها فى ذلك لعبة توزيع الأدوار وصراعات الأجنحة.
نشطت الاتصالات الدبلوماسية ما بعد تعليق التهديد. أطلت باكستان مجددا، وتباحث عراقجى هاتفيا مع نظرائه من دول عدة، بينها السعودية.
وتحدّث العُمانيّون عن مداولات بشأن التوافق على مسار ملاحى جديد فى مضيق هرمز.
يُلوّح صقور ولاية الفقيه بالحرب، ولا يريدونها، ويختلفون فيما بينهم. وبعض الخلاف حقيقى، وأغلبه مصنوع.
وفى زحام المتناقضات تضيع الحقائق، ويتوه بعض عناصر المنظومة وأهل الخبرة بإيران، فيجزم كل فريق بأمر، يتضاد مع سواه، وكلها صواب وخطأ أيضا، لأنها تكرار لمأساة العميان مع الفيل!
«لا يكون الرجل منكم فقيها؛ حتى يعرف معاريض كلامنا».. تُنسَب العبارة إلى جعفر الصادق، الإمام السادس لدى الشيعة، تتّخذه إيران مرجعيّة عُليا، وإليه تنتسبُ مذهبيًّا بالجعفرية الإمامية، أو الاثنى عشريّة.
والمعنى؛ أنه فى فقه التقيّة والمعاريض، لا يعود الكذب كذبًا، ولا يُنظَر للقيم فى مادّتها المُجرّدة؛ إنما من زاوية الهويّة والمصلحة.
كأنها نُسخةٌ مُعدّلة أو مُحدّثة، من منظور اليهود للأغيار، وفى تلك مُشاكَلة إضافية للباقة التى تجمع إيران بإسرائيل، على صعيد الفكرة والتكوين والأهداف ومُعاداة المحيط!
بالآلية السابقة، يتيسّر السير فى الخيار وضدّه معًا، وأن يُنفّذ الميدان هجمة؛ ثم تُنكرها الدبلوماسية. كلاهما سلاح تحت الراية نفسها، ونزاعهما القافز على أسوار الدولة، بعضه يُعبّر عن عراكٍ بين مصارين البطن، وأغلبه رقصةٌ مُحدّدة الإيقاع سلفًا.
يُنفق بائع السجاد شهورًا طويلة على قطعة واحدة، مُطمئنا إلى أن الحصيلة ستعوّضه؛ وإن طال الزمن. لا عجلة فى البيع؛ فالمجهود لا يُبتَذَل، والمخزون لا يمسسه الكساد، وكلما طال الخزين تصاعد السعر!
تاجر البازار دفع واتّفق، وحدّد هامش الربح مُسبقًا، وسيستقبل الزبون من أعلى نقطة، ويتدحرج معه على مُنحنى الفصال؛ إنما لن ينزل عن الحدّ المضروب فى ذهنه، وإما أن يُحقّقه، أو تبقى القطعة فتعلو القيمة!
أخطأت الولايات المتحدة فى الحرب، وسِيقت إليها باحتيال نتنياهو وأحابيله. إنما السؤال فيما بعدها: هل الخطأ فى مبتدأ التفاوض، أم فى مُجاراة النسّاجين والبيّاعين باندفاعٍ، وبلا أجندة أو كوابح؟ وماذا لو انصرف المُشترى من السوق، أو أحرق مخزن السجاد؟!
تكبّدت إيران كُلفة باهظة، تعرف أنها ستُستكمل بتقطيع الأذرع وتجميد مشروعها النووى؛ لذا تعُدّ الهيمنة على المضيق بديلاً، لن تُفرط فيه؛ لأنه دُعامة السردية، وحفظ ماء الوجه، وأمل النظام فى البقاء والحماية لاحقًا.
ترامب راغب فى التوقّف؛ لأنه أحرز ما يتطلّع إليه، ويخشى التمادى فيما قد يورّطه فى حرب واسعة المدى.
والخشية هنا من الخطأ العارض، وسوء الحسابات، وأن يصطدم بجدار يُوقِن بعده أنه لا سبيل للتعايش أو تثبيت المُعادلات القائمة، مرحليًّا على الأقل!
واشنطن تُفتّش عن ربحٍ، وطهران تتهرّب من الخسائر. والوقت مقصلة، يُغرى الأولى، ولن يُعوّض الثانية إلا لو نجحت فى تسويق سجاجيدها. البقاء مُجرّد ثروة اسمية، وبعض الصفقات القريبة أفضل من البعيدة؛ ولو لمع الذهب فى آخر النفق.
كفيفان وفيل ضخم، للمفارقة أنه شعار الحزب الجمهورى؛ غير أن أحدهما يمتطيه الآن، والآخر يطوف حواليه، وقد يدهسه قبل أن يُحيط به علمًا أو يعرف موضع الضربة القاتلة!