لم يعد بيني وبين الفجر إلا وقت قصير. ما أغرب النفس حين تدنو من نهايتها؛ تهدأ فجأة، وتتوارى ضوضاء العالم من حولها، فلا يبقى إلا صوت القلب وهو يراجع رحلته الطويلة.
سنوات مضت وأنا بين أربعة جدران؛ سنوات بدت في ظاهرها محنة، لكنها كانت منحة عظيمة. فيها رأيت ما لم أره في اتساع الدنيا، وأدركت أن الحياة نفسها ما تزال تنزف من قلبها. تأتي إلى الناس حاملة عنهم أثقالهم، وهاديةً لهم الطريق، فيقابلونها بالطعن حينًا، وبالصمت حينًا آخر، وبذلك الجحود الذي يميت الأرواح قبل الأجساد. تمد إليهم يدها، فلا تنال إلا القطع، وتصرخ بالحقيقة، فلا تجد لندائها سوى الإنكار.
علمتني تلك السنوات أن القلوب ليست سواء؛ فقد تقف إلى جوارك اليوم تشد أزرك، ثم تنقلب عليك غدًا، تتهمك، وتقاضيك، وتحكم عليك، وربما كانت أشد قسوة من السيوف. وما أقسى أن يأتي الجرح ممن ظننتهم ملاذًا، وأن تمتد إليك اليد التي وعدتك بالنجاة، فإذا بها تدفعك إلى الهاوية.
كم من قلوب التفَّت حولي، وكم من أيدٍ صافحتني، ثم لم تلبث أن صارت هي نفسها الأيدي التي صفعتني. عندها أيقنت أن عالم الأرواح أوسع من عالم الأجساد، وأن جيوش المحبة لا تهزمها قوة، ولا يقهرها سلطان، مهما عظم ملكه أو اشتد بطشه.
كل سلاح يفقد معناه إذا خلا من الحب، وكل قلب لا يحمل بين جوانحه رحمةً هو قلب هالك وإن ظل ينبض. القلب الذي لا ينصت إلى الغناء، ولا يسمع نشيد الرياح وهي تعزف لحن الوجود، ولا يرى الله في كل همسة، وفي كل زهرة، وفي كل نفس، قلب فقد طريقه، وتاه عن سر وجوده، فصار يمشي بين الناس جسدًا بلا روح.
ما أردت يومًا إلا أن أشق لهم قنوات المحبة، وأغرس في أرواحهم بساتين الشوق، وأعمق جذور اليقين حتى إذا عصفت بهم الرياح، أو اشتدت عليهم العواصف، ظلوا ثابتين لا تقتلعهم الفتن، ولا تزعزعهم الأهواء.
غير أن الخوف... ما أيسر أن يسدل ستائره الثقيلة على القلوب. إنه يجعل الإنسان ينسى نفسه قبل أن ينسى غيره، وينكر ما كان يؤمن به قبل أن ينكره الناس عليه. فإذا أطل الموت من بعيد، تشبث بالحياة، وانكمشت روحه، وآثر السلامة على الحقيقة.
أما أنا... فما عدت أخاف الموت. لقد أدركت أن الذي يموت هو الجسد، أما الحب فلا يُصلب، والروح لا تُشنق، والكلمة الصادقة لا يستطيع سيف أن يقطعها، ولا سلطان أن يدفنها.