التغير الكبير في البيئة الدولية دفع نحو تغيير ملموس في صورة العلاقات بين الدول، والتي لم تعد تقتصر على الشكل التقليدي الذي اعتمد على تبادل البعثات الدبلوماسية، وتوسيع أطر التعاون وحتى التحالفات، حيث يبقى الاتفاق حول قضية ما بين دولتين مرهونا إلى حد كبير بالمعطيات المحيطة به، والتي باتت تتغير بصورة متسارعة، وهو ما قد يساهم في تقويض العلاقة أو الحد من قدرتها على الاستمرار إذا ما تغيرت هذه المعطيات والمواقف، ليصبح التحدي الأبرز في هذا الإطار ليس فقط كيفية بناء العلاقة أو حتى ضمان استمراريتها، وإنما تحويلها إلى حالة مستدامة، تستطيع استيعاب ما يطرأ على البيئة المحيطة بها من تغيرات، دون أن تفقد قيمتها بالنسبة لأطرافها.
ومن هذا المنظور، يمكننا رصد الأهمية الكبيرة التي تحظى بها زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، في ضوء مسارين، أولهما أنها تأتي تزامنا مع الاحتفال بمرور 70 عاما على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهو ما يعكس استمرارية دامت لعقود طويلة من الزمن، بينما يدور المسار الآخر حول ما سوف تسفر عنه، في ضوء الحاجة المتبادلة إلى تحويل تلك الحالة من الاستمرارية نحو ما يمكننا تسميته بـ"الاستدامة الاستراتيجية"، والتي لا تقتصر على قدرة العلاقة على الصمود في مواجهة ما قد يطرأ من مستجدات في ظل نظام عالمي ما زال غير مستقر، وإنما تمتد إلى قدرتها على استيعابها والتطور معها، بحيث لا تخدم اللحظة الراهنة فقط، وإنما تصبح قادرة على إعادة إنتاج قيمة كل طرف للآخر مع تغير الظروف والاحتياجات.
وهنا تصبح الاستمرارية مجرد بقاء العلاقة عبر الزمن، إلا أن استمرارها لا يمنع كونها معرضة للخفوت أو التراجع، حتى وإن لم تتحول إلى صراع أو تنافس، بحسب متغيرات البيئة الدولية ومعطياتها، بينما تقوم "الاستدامة الاستراتيجية" على القدرة على الاحتفاظ بقيمة العلاقة لدى أطرافها، بحيث يحتفظ كل طرف بأهميته في أجندة الآخر، مع امتلاك العلاقة في الوقت نفسه قدرا من المرونة يسمح لها باستيعاب ما يطرأ من تغيرات، وإعادة إنتاج قيمتها في ضوء ما تفرضه من احتياجات ومصالح جديدة.
ولعل التساؤل الذي يطرح نفسه في هذا الإطار لا يدور حول الكيفية التي يمكن من خلالها تعميق التعاون، وهو ما يمكن أن يتحقق عبر الاتفاقات أو المشروعات التي ترتبط في كثير من الأحيان بزمن محدد، وإنما حول كيفية تحويل العلاقة من الاستمرارية إلى الاستدامة، في ضوء تسارع التغيرات الدولية وتبدل المعطيات على نحو من شأنه إعادة ترتيب الأولويات، بحيث لا تصبح قيمة العلاقة مرهونة باستمرار الظروف التي نشأت في ظلها، وإنما بقدرتها على إنتاج وظائف ومصالح تسمح لها بالحفاظ على أهميتها مع الانتقال من مرحلة إلى أخرى.
والواقع أن الانتقال نحو "الاستدامة الاستراتيجية" يرتبط في جانب منه بتعدد الوظائف التي تستطيع العلاقة القيام بها، فكلما ارتبطت أهميتها بقضية واحدة أو مصلحة محددة، أصبحت أكثر تأثرا بتغير الظروف التي منحت هذه القضية أو المصلحة أولويتها، بينما يمنح تعدد الوظائف العلاقة مساحة أكبر لاستيعاب تغير الأولويات، بحيث يمكن أن يتراجع وزن أحد مجالات التعاون في مرحلة ما، مقابل تصاعد أهمية مجال آخر، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تراجع القيمة الاستراتيجية للعلاقة في مجملها.
إلا أن تعدد الوظائف لا يكفي وحده لبناء هذه الاستدامة، إذا ما ظلت مجالات التعاون المختلفة مجموعة من المسارات المنفصلة التي تبدأ وتنتهي بانتهاء المشروعات أو الاتفاقات المرتبطة بها، وإنما يتطلب الأمر قدرا من التراكم، يسمح لما تحققه العلاقة في مرحلة ما بأن يصبح جزءا من قدرتها في المرحلة التالية، بحيث لا يبدأ كل توسع جديد في التعاون من نقطة الصفر، وإنما يستند إلى ما راكمته المراحل السابقة من قدرات وخبرات ومصالح، وهو ما يحول العلاقة تدريجيا من مجموعة من مجالات التعاون المتجاورة إلى مسار قادر على البناء على ذاته عبر الزمن.
وتبرز أهمية هذا التراكم بصورة أكبر عند الانتقال بين المراحل المختلفة، إذ قد يؤدي تراجع الوظائف أو المصالح التي استندت إليها العلاقة في مرحلة ما، قبل اكتمال تشكل الوظائف التي يمكن أن تحملها في المرحلة التالية، إلى خلق حالة من الفراغ قد تتراجع خلالها قيمة العلاقة لدى أطرافها، حيث يسمح التراكم بما أنتجته المراحل السابقة من قدرات ومصالح وروابط بسد هذا الفراغ، أو بالأحرى تعزيز القدرة على إدارته، مما يحافظ على قدر من القيمة المشتركة خلال مرحلة الانتقال، إلى أن تتشكل احتياجات ووظائف جديدة تعيد صياغة أهمية العلاقة في ضوء المعطيات المستجدة.
وفي الحالة المصرية الصينية، ربما يبدو التمييز بين الاستمرارية و"الاستدامة الاستراتيجية" أكثر وضوحا، فمرور 70 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين يعكس قدرة كبيرة على الاستمرار عبر مراحل دولية متباينة، إلا أن التحول في طبيعة العلاقة نحو بناء قاعدة أوسع من الوظائف والمصالح المتراكمة يبدو أكثر حداثة، ويمكن رصده بصورة أكبر خلال الأعوام الاثني عشر الماضية، والتي شهدت انتقال العلاقة إلى مستوى أكثر اتساعا وتنوعا، بما يمكن النظر إليه باعتباره بداية لتشكل المقومات التي قد تسمح بتحويل الاستمرارية التاريخية للعلاقة إلى “استدامة استراتيجية.
إقرأ أيضا
زيارة الرئيس الصيني.. وفرص بناء "العمق الشبكي"
مصر والصين.. من الشراكة إلى "الارتكاز الاستراتيجى" المتبادل