في ظل تحديات مائية متزايدة فرضتها محدودية الموارد وارتفاع الطلب على المياه والنمو السكاني والتغيرات المناخية، تحولت إدارة ملف الموارد المائية والري في مصر خلال السنوات الأخيرة من مجرد التعامل مع الاحتياجات اليومية إلى تنفيذ منظومة متكاملة تستهدف رفع كفاءة استخدام المياه، وتطوير البنية الأساسية، والتوسع في إعادة الاستخدام، وحماية الأراضي والمواطنين من المخاطر المائية والمناخية.
ومنذ عام 2014 وحتى الآن، شهد قطاع الموارد المائية والري تنفيذ حزمة واسعة من المشروعات في مختلف المحافظات، شملت تأهيل الترع والمساقي، وتطوير شبكات الصرف، وإزالة التعديات، وتنفيذ مشروعات معالجة وإعادة استخدام المياه، وحماية الشواطئ من مخاطر التغيرات المناخية، فضلًا عن إنشاء منشآت للحماية من أخطار السيول، وتطوير المنشآت المائية الكبرى.
كنا فين؟
كانت منظومة الري والصرف أمام تحديات متراكمة، بداية من الحاجة إلى رفع كفاءة شبكة الترع والمساقي، مرورًا بمشكلات الصرف الزراعي والملوحة في بعض المناطق، ووصولًا إلى التعديات على المجاري المائية والحاجة إلى تحديث المنشآت المائية القديمة.
وفي الوقت نفسه، فرضت محدودية الموارد المائية ضرورة البحث عن مصادر إضافية للمياه، وتعظيم الاستفادة من المياه المتاحة، والتوسع في المعالجة وإعادة الاستخدام، بالتوازي مع حماية الأراضي الزراعية وتحسين كفاءة الري.ولم تكن التحديات مقتصرة على الداخل، إذ فرضت التغيرات المناخية مخاطر جديدة، خاصة ارتفاع مستوى سطح البحر وأخطار السيول والأمطار الغزيرة، ما استدعى تطوير منظومة الحماية والرصد والتنبؤ المبكر.
بقينا فين؟
9.3 ألف كيلومتر من الترع.. إعادة تأهيل شرايين الري
شهدت شبكة الترع أعمال تطوير وتأهيل واسعة، وصلت إلى نحو 9300 كيلومتر، من بينها 4 آلاف كيلومتر بمراكز مبادرة "حياة كريمة"، إلى جانب تأهيل نحو 330 كيلومترًا من المساقي.
وتستهدف هذه الأعمال رفع كفاءة شبكة الري وتحسين عملية توزيع المياه، بما يضمن وصولها إلى الأراضي الزراعية بصورة أكثر كفاءة، ويعزز قدرة المنظومة على مواجهة الاحتياجات المتزايدة.
1.40 مليون فدان.. الري الحديث يدخل الحقول
لم يعد تطوير منظومة الري مقتصرًا على البنية الأساسية، بل امتد إلى داخل الأراضي الزراعية نفسها، حيث تحول المزارعون إلى نظم الري الحديث في زمام يصل إلى نحو 1.40 مليون فدان.
ويمثل التحول إلى نظم الري الحديثة أحد المحاور المهمة في جهود رفع كفاءة استخدام المياه، خاصة مع الحاجة إلى تقليل الفاقد وتحسين إدارة مياه الري ورفع كفاءة الإنتاج الزراعي.
58 ألف تعدٍ.. استعادة هيبة المجاري المائية
وفي مواجهة التعديات على نهر النيل والمجاري المائية، شهدت السنوات الماضية حملات موسعة أسفرت عن إزالة نحو 58 ألف حالة تعدٍ بمساحة إجمالية بلغت 8.40 مليون متر مربع.
وتستهدف أعمال الإزالة الحفاظ على شبكة المجاري المائية وضمان قدرتها على نقل المياه بكفاءة، فضلًا عن حماية الأراضي والمنشآت المائية من التأثيرات الناتجة عن التعديات.
15 مليون متر مكعب يوميًا.. كل قطرة لها استخدام
ومع محدودية الموارد المائية، أصبحت معالجة المياه وإعادة استخدامها أحد المحاور الرئيسية في منظومة إدارة المياه، حيث يجري تنفيذ مشروعات كبرى لمعالجة وإعادة استخدام المياه بطاقة تصل إلى نحو 15 مليون متر مكعب يوميًا.
ويمثل هذا التوجه جزءًا أساسيًا من سياسة تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة، خاصة في ظل تزايد الاحتياجات المائية وضرورة البحث عن مصادر غير تقليدية.
8.40 مليون فدان صرف عام.. و6 ملايين فدان صرف مغطى
وفي قطاع الصرف الزراعي، تم الانتهاء من إنشاء وتوسيع المصارف العامة في زمام يصل إلى 8.40 مليون فدان، إلى جانب تنفيذ شبكات صرف مغطى في زمام نحو 6 ملايين فدان.
وتساهم هذه المشروعات في تحسين كفاءة الصرف الزراعي والحفاظ على الأراضي من مخاطر ارتفاع منسوب المياه الأرضية والملوحة، بما يدعم استدامة النشاط الزراعي.
سيوة.. نهاية أزمة عمرها 30 عامًا
ومن أبرز الملفات التي شهدت تدخلات لمعالجة مشكلات متراكمة، مشروع تطوير منظومة الري والصرف بواحة سيوة، الذي يستهدف وضع حلول جذرية لمشكلة زيادة الملوحة ومياه الصرف الزراعي، التي استمرت لنحو 30 عامًا.
ويأتي المشروع في إطار الحفاظ على الأراضي الزراعية والموارد المائية بالواحة، وتحقيق توازن أفضل بين الاحتياجات الزراعية والمائية والبيئية.
مصرف كيتشنر.. تحسين نوعية المياه في زمام 588 ألف فدان
كما بدأ تنفيذ مشروع تحسين نوعية مياه مصرف كيتشنر في زمام يصل إلى نحو 588 ألف فدان، ضمن مشروعات تحسين نوعية المياه والحد من مصادر التلوث، بما يساهم في حماية البيئة وتحسين الاستفادة من الموارد المائية.
13 محطة رفع تعود للحياة بعد عقود من التعثر
وفي ملف المشروعات المتعثرة، نجحت الوزارة في الانتهاء من 13 محطة رفع بعد فترات تعثر تراوحت بين 12 و26 عامًا، بما يعكس اتجاهًا لاستكمال المشروعات التي توقفت لفترات طويلة وإدخالها إلى الخدمة والاستفادة من الاستثمارات التي أنفقت عليها.
حماية مصر من أخطار المناخ.. 210 كيلومترات على الشواطئ
ومع تزايد المخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية، توسعت أعمال حماية الشواطئ، حيث تم تنفيذ نحو 210 كيلومترات من أعمال الحماية، مع استمرار العمل في حماية 50 كيلومترًا أخرى.
وتستهدف هذه المشروعات حماية المناطق الساحلية والمواطنين والمنشآت والاستثمارات من مخاطر النحر وارتفاع مستوى سطح البحر والتغيرات المناخية.
1500 منشأ للحماية من السيول.. والتنبؤ قبل الخطر بـ72 ساعة
وفي مواجهة أخطار السيول، تم إنشاء نحو 1500 منشأ للحماية من أخطار السيول، بهدف حماية المواطنين والمنشآت والبنية الأساسية.
ولم تعتمد منظومة الحماية على المنشآت فقط، وإنما دعمتها منظومة للرصد والتنبؤ، حيث يتيح مركز التنبؤ بالفيضان رصد ومتابعة والتنبؤ بكميات ومواقع هطول الأمطار والسيول قبل حدوثها بنحو 72 ساعة، بما يسمح باتخاذ الإجراءات الاستباقية اللازمة.
قناطر أسيوط وديروط.. تحديث المنشآت المائية الكبرى
وفي مجال المنشآت المائية الكبرى، تم إنشاء قناطر أسيوط الجديدة على نهر النيل، إلى جانب بدء العمل في قناطر ديروط الجديدة، فضلًا عن تنفيذ مشروعات لتأهيل وصيانة المنشآت المائية الكبرى، بما يدعم كفاءة منظومة الري ويحافظ على سلامة المنشآت الحيوية.
من الورق إلى التكنولوجيا.. التحول الرقمي في إدارة المياه
دخلت التكنولوجيا أيضًا على خط تطوير منظومة الموارد المائية والري، من خلال تشكيل وحدة مركزية للتحول الرقمي وإنشاء تطبيقات لحصر بيانات المشروعات ومتابعة الخطة الاستثمارية والشكاوى والطلبات، بالإضافة إلى متابعة أعمال صيانة السيارات والمعدات.
ويمثل التحول الرقمي خطوة نحو بناء قاعدة بيانات أكثر دقة، وتحسين سرعة المتابعة واتخاذ القرار، ورفع كفاءة إدارة المشروعات التابعة للوزارة.
البحث العلمي والتدريب.. دعم القرار المائي
وعلى مستوى بناء القدرات، تم تجديد اعتماد مركز التدريب الإقليمي كجهة معتمدة لدى اليونسكو من الفئة الثانية لمدة 8 سنوات، فيما حقق المركز القومي لبحوث المياه طفرة كبيرة في التصنيف الدولي خلال السنوات القليلة الماضية.
وتعكس هذه الخطوات أهمية البحث العلمي والتدريب في دعم منظومة اتخاذ القرار، خاصة في ملف شديد الحساسية مثل إدارة الموارد المائية.
تعظيم الاستفادة من أملاك الوزارة
وامتدت عملية التطوير إلى أصول الوزارة، حيث تم تطوير نحو 41 فدانًا من حدائق الري بالقناطر الخيرية، إلى جانب تطوير حدائق قناطر إدفينا والحدائق التابعة للوزارة في مختلف المحافظات.
كما شهدت أسوان إنشاء المركز الثقافي الأفريقي وتطوير النصب التذكاري لرمز الصداقة المصرية السوفيتية، في إطار تعظيم الاستفادة من الأصول وإبراز البعد الثقافي والتاريخي للمشروعات المائية.
أسبوع القاهرة للمياه.. مصر على خريطة الحوار الدولي
وعلى المستوى الدولي، أصبح أسبوع القاهرة للمياه منصة دولية للحوار حول قضايا المياه، ومحور اهتمام للعديد من المعنيين بالقطاع على المستويين الإقليمي والدولي.
وتضاعفت المشاركة في الحدث بصورة لافتة، حيث ارتفعت من نحو 750 مشاركة و40 خبيرًا عام 2018 إلى نحو 9500 مشاركة و300 خبير عام 2021، بما يعكس اتساع نطاق الاهتمام بقضايا المياه ودور مصر في طرحها على الساحة الدولية.
أفريقيا.. المياه بوابة جديدة للتعاون
لم تتوقف جهود وزارة الموارد المائية والري عند حدود الداخل، وإنما امتدت إلى القارة الأفريقية من خلال تنفيذ العديد من المشروعات التنموية، شملت الآبار الجوفية ومحطات مياه الشرب ووحدات الرفع والأرصفة النهرية وتطهير المجاري المائية وسدود حصاد مياه الأمطار.
كما شملت المشروعات إنشاء مركز للتنبؤ بالأمطار في الكونغو، إلى جانب تطوير مقار بعثات الري المصري بالخارج لأول مرة منذ نحو 60 عامًا، بما يعزز التعاون المائي المصري مع الدول الأفريقية.
وتسلمت مصر رئاسة المجلس لعامي 2023 و2024 تقديرًا لدورها المهم على الساحة الأفريقية، فيما يمثل مشروع محور التنمية «بحيرة فيكتوريا – البحر المتوسط» أحد أهم نماذج التعاون الإقليمي في مجال المياه والتنمية.
ومكملين لفين؟
لا تتوقف رحلة تطوير منظومة الموارد المائية والري عند ما تحقق من مشروعات، فالتحديات المائية تفرض استمرار العمل على أكثر من محور، بداية من رفع كفاءة استخدام المياه، والتوسع في معالجة وإعادة الاستخدام، واستكمال تأهيل شبكات الري والصرف، وحماية الشواطئ من آثار التغيرات المناخية، وتعزيز منظومة التنبؤ بالسيول، وتطوير المنشآت المائية الكبرى.
كما تفرض المرحلة المقبلة استمرار التحول الرقمي والاعتماد على البحث العلمي والبيانات الدقيقة في إدارة الموارد، بالتوازي مع تعزيز التعاون الإقليمي والأفريقي في ملفات المياه.
وبين 9300 كيلومتر من الترع المؤهلة، و1.40 مليون فدان تحولت إلى الري الحديث، و15 مليون متر مكعب يوميًا من مشروعات معالجة وإعادة استخدام المياه، و1500 منشأ للحماية من السيول، و58 ألف حالة تعدٍ تمت إزالتها، تتضح ملامح مسار جديد في إدارة المياه.