"علياء ونورا.. شقيقتان تركهما النزوح بلا والدين".. استشهد والدهما برصاص الاحتلال وفقدن أمهما.. الشقيقتان تعيشان قسوة الحرب وحدهما داخل خيمة في غزة بلا أسرة تحميهما ولا معيل يسندهما.. وتواجهان ألم العدوان والفقد

الإثنين، 31 أغسطس 2026 02:30 م
"علياء ونورا.. شقيقتان تركهما النزوح بلا والدين".. استشهد والدهما برصاص الاحتلال وفقدن أمهما.. الشقيقتان تعيشان قسوة الحرب وحدهما داخل خيمة في غزة بلا أسرة تحميهما ولا معيل يسندهما.. وتواجهان ألم العدوان والفقد علياء ونورا

كتب أحمد عرفة

لم تكن رحلة علياء ونورا وشقيقتيهما الثلاث إلى جنوب غزة مجرد رحلة نزوح عادية بحثا عن مكان أكثر أمانا، بل كانت بداية لفقد غير حياتهن إلى الأبد، خرجت الفتيات من شمال القطاع برفقة والدتهن، يحملن ما استطعن حمله من أمتعة، ويتركن خلفهن المكان الذي كان يوما بيتا وحياة وذكريات.

النزوح الصعب

كانت العائلة قد لجأت إلى مدرسة الفالوجا في شمال القطاع، قبل أن تجد نفسها مجبرة على مغادرتها مع تصاعد القصف واقتراب الخطر، ومع أوامر الجيش بمغادرة المنطقة والنزوح باتجاه الجنوب، بدأ الأب يفكر في كيفية إخراج زوجته وبناته من المكان بأقل ما يمكن من الخطر.

طلب الأب من زوجته وبناته أن يغادرن المدرسة أولا، وقال إنه سيحمل بعض أغراضهن على دراجته الهوائية، ثم سيلتحق بهن عند نهاية الشارع، قرب المنطقة التي اعتقدوا أنها ستكون أكثر أمنا.

علياء ونورا
علياء ونورا

تحركت الأم مع بناتها الثلاث، بينما بقي الأب خلفهن للحظات ليجمع الأغراض ويحملها على دراجته، كانت المسافة قصيرة، أو هكذا بدت لهن في ذلك الوقت، لم تكن أي واحدة منهن تعرف أن تلك اللحظات القليلة ستكون آخر مرة ترى فيها والدها.

وصلت الأم وبناتها إلى نهاية الشارع، وبدأت الدقائق تمر، نظرت الأم إلى الطريق أكثر من مرة، تنتظر ظهور زوجها من بعيد، لكنه لم يأت، وبدأ القلق يتسلل إليها، لم يكن التأخر في ذلك الوقت أمرا بسيطا، فالقصف كان كثيفا، والخطر يحيط بالمنطقة من كل جانب، طلبت الأم من بناتها أن يبقين في مكانهن وألا يتحركن، وقالت إنها ستعود لتتفقد والدهن وتعرف ما الذي أخره، غادرت الأم باتجاه المدرسة، فيما بقيت البنات الثلاث ينتظرن عودتها.

كانت إحداهن تحمل الماء، أخذت الابنة الثالثة المياه من والدتها، ثم عادت لتلحق بشقيقتيها، لم تكن تعرف أن أمها التي تركتها قبل لحظات وهي تقول إنها ستعود، ستغيب عنهن منذ ذلك اليوم، في تلك الأثناء، دخل الجيش الإسرائيلي إلى المدرسة.

توقفت حركة العائلة الصغيرة، وتقطعت أخبار الأب والأم، لم تعرف البنات ما الذي حدث لوالديهما، ولم يكن بمقدورهن الاقتراب من المدرسة أو البحث عنهما وسط الخوف والقصف، بقي الانتظار هو الشيء الوحيد الذي استطعن فعله، مرت الساعات ثقيلة، ثم انسحب الجيش من المكان.

عندها عادت البنات إلى المدرسة بحثا عن والديهما، ربما وهن يحملن في داخلهن أملا صغيرا بأن تجدا والدهما ووالدتهما على قيد الحياة، ويكون كل ما حدث مجرد لحظات خوف وستنتهي، لكن ما وجدنه كان أقسى من أن تحتمله قلوبهن الصغيرة.

استشهاد الأب

وجدن والدهما داخل المدرسة، وقد فارق الحياة بعد أن أصيب بإطلاق نار في الرأس والقلب، وفق رواية الأسرة، وكان الرجل الذي وعد زوجته وبناته بأنه سيلحق بهن في نهاية الشارع قد بقي هناك، ولم يعد إليهن، أما الأم، فلم تجدها البنات.

فقدان الأم

ومنذ ذلك اليوم، انقطعت أخبار الأم، بحثن عنها وانتظرن عودتها، لكن الأيام مرت من دون أن تظهر، بقي مصيرها مجهولا بالنسبة إليهن، وتحول سؤال "أين أمي؟" إلى جرح مفتوح لا يجدن له إجابة.

هكذا وجدت علياء ونورا نفسيهما في مواجهة فقدين في وقت واحد، أب فقدنه أمام أعينهن، وأم غابت عنهن دون أن يعرفن أين انتهى بها الطريق، لم يكن لديهما الوقت الكافي للحزن، فالحرب والنزوح لا يمنحان الأطفال فرصة للجلوس مع أحزانهم، كان عليهما أن تواصلا السير، وتبحثا عن مكان تنامان فيه، وعن طعام وماء، وعن شخص يمكن أن يستندا إليه.

اليوم، تعيش علياء ونورا وحدهما في مخيم وسط مدينة غزة، تلك الخيمة التي تقيمان فيها لم تعد مجرد مكان مؤقت للنوم، بل أصبحت العالم الصغير الذي بقي لهما، لا أب يعود في المساء، ولا أم تسأل إن كانتا قد أكلتا، ولا بيت يمكن أن تعودا إليه بعد يوم طويل.

أما شقيقتهما الثالثة، فقد تزوجت قبل أشهر وغادرت الخيمة والمخيم إلى مكان آخر، لتبدأ حياتها بعيدا عنهما، وبذلك بقيت علياء ونورا وحدهما، من دون معيل، وفي مواجهة ظروف قاسية لا يستطيع الأطفال مواجهتها بمفردهم.

تبدو قصة الشقيقتين، في ظاهرها، قصة نزوح أخرى من بين آلاف القصص التي صنعتها الحرب، لكن خلف كل رقم وكل خيمة وكل عائلة نازحة حكاية إنسانية مختلفة، حكاية علياء ونورا هي حكاية طفلتين لم تخسرا مكانا فقط، بل خسرتا الأمان الذي كان يمنحه وجود الأب والأم.

في ذاكرتهما، ربما ستبقى صورة الأب وهو يبتعد بدراجته الهوائية، واعدا بأن يلحق بهما عند نهاية الشارع، وستبقى صورة الأم وهي تطلب منهما الانتظار حتى تعود لتتفقده، لكنها لم تعد، ومنذ ذلك اليوم، أصبحت نهاية الشارع بالنسبة إليهما أكثر من مكان مرتا به أثناء النزوح، أصبحت النقطة التي انقسمت عندها حياتهما إلى ما قبل وما بعد.

اليوم، لا تملك علياء ونورا رفاهية التفكير في الماضي طويلا، فهما تعيشان يومهما بيومه، داخل مخيم وسط غزة، بلا معيل، وتواجهان احتياجات الحياة الأساسية في ظروف شديدة القسوة، ومع ذلك، خلف هذا الخوف كله، لا تزال هناك رغبة بسيطة تشبه أحلام الأطفال، أن تجدا الأمان، وتعرفا مصير أمهما، وتعيشا حياة لا تضطران فيها إلى الخوف من فقد شخص آخر.

لقد أخذ النزوح من علياء ونورا أكثر من منزل ومكان آمن، أخذ منهما الأب، وغيّب الأم، وفرق الشقيقات، وترك فتاتين تحاولان أن تتمسكا ببعضهما في عالم لم يعد يشبه العالم الذي عرفته عائلتهما يوما.

واليوم، كل ما تبقى لهما هو بعضهما، شقيقتان تحت سقف خيمة، تحمل كل واحدة منهما ذاكرة عائلة كاملة، وتنتظران يوما يمكن أن تشعرا فيه أن الحياة، ولو قليلا، أصبحت أقل قسوة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة