خلال الأيام المقبلة تستعد القاهرة لاستقبال الرئيس الصيني شي جين بينغ، في زيارة هي الأولى له إلى مصر منذ عشر سنوات، وتتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. ويأتي ذلك أيضًا في توقيت يشهد تعاونًا عسكريًا متناميًا، كان آخر تجلياته انطلاق التدريب الجوي المشترك «نسور الحضارة 2026».
ولكن، في تقديري، لا تكمن قيمة الزيارة فقط في حجم ما سيُعلن خلالها من اتفاقات أو مذكرات تفاهم، وإنما في الدلالة الأوسع التي تحملها: كيف تدير القاهرة موقعها ومصالحها في عالم لم يعد مستقرًا على قواعده القديمة؟
على مدار السنوات الماضية، اختارت مصر أن تتحرك في دوائر متعددة، وألا تجعل علاقاتها الدولية أسيرة لقوة واحدة أو محور واحد. ولم يعد هذا النهج مجرد تحرك ظرفي تفرضه متغيرات اللحظة، وإنما بات أقرب إلى فلسفة ثابتة في إدارة السياسة الخارجية: بناء علاقات واسعة مع مراكز القوة المختلفة، مع الاحتفاظ بالقدرة على اتخاذ القرار وفقًا للمصلحة الوطنية.
وفى قلب هذا النهج تبرز أهمية الشراكة مع الصين، باعتبارها واحدة من أبرز الشراكات التى تعكس توجه القاهرة نحو تنويع علاقاتها الدولية، وتوسيع دوائر حركتها، بما يعزز قدرتها على حماية مصالحها والحفاظ على استقلال قرارها.
فالعلاقة بين القاهرة وبكين ليست وليدة اللحظة. وإنما تمتد جذورها إلى عقود طويلة. ففي 30 مايو 1956 كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، قبل أن تتطور هذه العلاقات لاحقًا إلى شراكة استراتيجية شاملة عام 2014. وفي عام 2026، تحتفل الدولتان بسبعة عقود من العلاقات التي تجاوزت البعد السياسي لتشمل الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والبنية الأساسية وغيرها من المجالات.
واللافت أن هذه الشراكة تتقدم بالتوازى مع اتساع الحضور الصيني في الاقتصاد المصري. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 20.8 مليار دولار في عام 2025، محققًا نموًا بنسبة تقارب 20% مقارنة بعام 2024، بينما وصل إلى 11.8 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة تقارب 23% على أساس سنوي. كما تجاوزت الاستثمارات الصينية في مصر 8 مليارات دولار، عبر نحو 3 آلاف شركة صينية عاملة حاليًا في السوق المصري، وفق بيانات رسمية حديثة.
لكن الأرقام، مهما كانت دلالتها، لا تختزل القصة كلها.
فالقصة الأهم، فى رأيى، هي أن القاهرة لا تتعامل مع بكين باعتبارها بديلًا عن واشنطن، ولا مع واشنطن باعتبارها بديلًا عن بكين. وهذا تحديدًا ما يجعل مفهوم «التوازن الاستراتيجي» أكثر دقة من مفهوم «التحالف».
فمصر دولة ذات موقع جغرافي وسياسي لا يسمح لها بأن تختار لنفسها بابًا دوليًا واحدًا؛ فهي دولة عربية وأفريقية ومتوسطية، ولها مصالح ممتدة شرقًا وغربًا، ومرتبطة بعلاقات تاريخية مع أوروبا والولايات المتحدة وروسيا والصين، فضلًا عن محيطها العربي والأفريقي.
ومن هذا المنظور، لا تكمن قوة السياسة الخارجية المصرية فى أن تكون القاهرة قريبة من هذا الطرف أو ذاك، وإنما في قدرتها على أن تكون قريبة من الجميع بالقدر الذي يخدم مصالحها، ومستقلة بالقدر الذي يحمي قرارها.
وفى هذا الإطار، يمتد هذا النهج إلى التعاون العسكري المصري الصيني، الذي تعكسه تدريبات «نسور الحضارة»، إذ تصفه البيانات الرسمية باعتباره جزءًا من خطة التدريبات المشتركة مع الدول الشقيقة والصديقة لتبادل الخبرات وتطوير القدرات.
وهذا لا يعني أن التعاون الدفاعي يخلو من دلالة سياسية؛ لكنه لا يعني بالضرورة قيام تحالف عسكري أو انتقال مصر من محور إلى محور آخر.
بل ربما تكون الرسالة الأكثر وضوحًا هي أن تنويع الشراكات أصبح جزءًا من تنويع عناصر القوة نفسها.
والأمر نفسه ينطبق على الاقتصاد. فالشراكة مع الصين تكتسب أهميتها الحقيقية عندما تتحول من سوق ضخمة للمنتجات الصينية إلى مساحة أوسع للصناعة والاستثمار ونقل التكنولوجيا وزيادة الصادرات المصرية. وهنا تبرز الإشارة إلى ضرورةتحقيق قدر أكبر من التوازن في التجارة بين البلدين؛ فنجاح الشراكة لا يقاس فقط بحجم ما تستورده مصر، وإنما أيضًا بقدرتها على النفاذ إلى السوق الصينية.
لهذا أعتقد أن زيارة الرئيس الصيني المقبلة ينبغى ألا تُقرأ فقط باعتبارها احتفالًا بسبعين عامًا من العلاقات، وإنما أيضًا باعتبارها لحظة يمكن من خلالها قراءة فلسفة القاهرة في عالم يتغير.
عالم تتراجع فيه اليقينيات، وتتداخل فيه التجارة مع السياسة، والاقتصاد مع الأمن، وتتقاطع فيه الشراكات التنموية مع الحسابات الجيوسياسية.
وفي مثل هذا العالم، ربما لا يكون امتلاك حليف واحد هو مصدر القوة الحقيقية، بقدر ما يكون امتلاك شبكة واسعة من الشراكات والقدرة على الحركة بينها.
هذه هي فلسفة التوازن التي تجعل القاهرة تفتح أبوابها لبكين، دون أن تغلق أبوابها أمام أحد.
فمصر لا تبحث عن باب دولي واحد تدخل منه إلى العالم؛ وإنما تعمل على أن تظل لها أبواب متعددة، مع بقاء مفتاح القرار في يدها.
وهذه الفلسفة، في عالم شديد السيولة، ليست رفاهية دبلوماسية؛ وإنما إحدى أدوات حماية المصلحة الوطنية، التى تظل البوصلة الحاكمة لاتجاه القاهرة. فتنويع الشراكات يمنح مصر مساحة أوسع للحركة ويحافظ على استقلال قرارها، ويعزز قدرتها على حماية مصالحها فى عالم تتغير فيه موازين القوة باستمرار.