ناهد صلاح

لماذا عبد الحليم الآن؟

الأحد، 30 أغسطس 2026 11:56 ص


لماذا عبد الحليم الآن؟ قد يبدو السؤال في ظاهره ساذجًا، فالرجل، النجم الذي رحل منذ ما يقرب من نصف قرن لم يغب أصلًا كي نبحث عن سبب لعودته., صوته ما زال حاضرًا، أغنياته لم تتقاعد، صورته لا تزال مألوفة حتى لمن لم يعش زمنه. لكن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا حين نعرف أن السيناريست والمنتج د. مدحت العدل، بعد أن دخل منطقة استعادة الرموز الغنائية الكبرى على المسرح من بوابة أم كلثوم في "دايبين في صوت الست" التي حققت نجاحا لافتا، يقرر أن يخوض مغامرة ثانية مع عبد الحليم حافظ، وأن يفعل ذلك في اللحظة التي تستعد فيها مصر للاحتفال بخمسين عامًا على رحيل العندليب. هنا لا يعود الأمر مجرد اختيار لشخصية محبوبة تصلح للمسرح، ولا مجرد مصادفة بين مناسبة زمنية ومشروع فني، إنما يصبح اختبارًا لفكرة كاملة: ماذا نفعل بذاكرتنا حين تتحول إلى مادة فنية؟ لماذا نعود، مرة أخرى، إلى نجوم لم يعد أحد ينافسهم على مكانهم في الذاكرة؟.

اختيار عبد الحليم تحديدًا بعد أم كلثوم يحمل قدرًا من الجرأة، وربما من المخاطرة أيضًا. ففي التجربة السابقة كان مدحت العدل يقترب من شخصية تكاد تكون أسطورة مكتملة: أم كلثوم، الصوت الذي تجاوز صاحبه إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية وسياسية. أم كلثوم تقف في الذاكرة باعتبارها صوتًا له هيبة المؤسسة، امرأة تحولت إلى ظاهرة جماهيرية تتجاوز شخصها. أما عبد الحليم فأسطورته مختلفة؛ أقل صلابة وأكثر حميمية، أقرب إلى القلب منها إلى المؤسسة، إلى الذاكرة الشخصية منها إلى الذاكرة العامة. أم كلثوم تُستدعى بوصفها "صوت الست"، أما حليم فيُستدعى بوصفه جزءًا من وجدان فردي: أول حب، أول خيبة، أغنية سمعناها في بيت قديم، صوت يأتي من راديو في المساء، أو حكاية لم نعشها لكننا ورثناها عن آبائنا.

هنا بالضبط تكمن جاذبية المشروع ومشكلته في آن واحد. فعبد الحليم حافظ من الشخصيات التي يصعب أن تفشل في جذب الجمهور، لكنه من الشخصيات التي يصعب أيضًا أن تفاجئ الجمهور. الجميع تقريبًا يعرف الصورة التي سيذهب لرؤيتها: العندليب، الميكروفون، البدلة، الأغنية، الحبيب، الحنين. والمسرح الذي يكتفي بإعادة إنتاج هذه الصورة لن يكون قد فعل أكثر من نقل ألبوم من الذاكرة إلى الخشبة. أما المسرح الحقيقي فيبدأ حين يشكك في الصورة التي جاء الجمهور من أجلها.

مدحت العدل يقول إن "حليم.. زمن الرومانسية" لا ينشغل بتفاصيل حياة عبد الحليم الخاصة بقدر ما يقدم رؤية فنية لمسيرته وتجربته خلال نحو عشرين عامًا من عمره الفني. هذه نقطة يمكن أن تكون بداية قوة العمل، إذا استطاع أن يتخلص من إغراء السيرة التقليدية. فعبد الحليم ليس بحاجة إلى مسرحية تحكي من ولد، ومن أحب، ومن مرض، ومن مات. تفاصيل حياته أصبحت معروفة، وأجزاء منها تحولت إلى حكايات شعبية تتناقلها الذاكرة أكثر مما تتناقلها الوثائق. ما يحتاجه هو قراءة جديدة تفسر كيف استطاع شاب خرج من ظروف شديدة القسوة أن يصبح أحد أهم الأصوات التي عبّرت عن تحولات مصر الحديثة، وكيف استطاع أن ينتقل من الأغنية الرومانسية إلى الأغنية الوطنية والسياسية، ومن صورة المطرب العاطفي إلى صورة النجم الذي ارتبط بأحلام جيل كامل.

من الصعب مقاومة السؤال: هل نحن أمام عبد الحليم أم أمام حنيننا نحن إلى عبد الحليم؟ الفارق بين الاثنين ليس بسيطًا. لأن استعادة الماضي أصبحت في السنوات الأخيرة صناعة ثقافية قائمة بذاتها، وكلما ازدادت قسوة الحاضر، بدا الماضي أكثر جمالًا. فجأة تصبح "الجوابات" الورقية أجمل من الرسائل الإلكترونية، والمنديل الحرير أكثر شاعرية من الشاشة، والانتظار أكثر رومانسية من الرسالة الفورية، كأن الزمن القديم كان عالمًا بلا أزمات ولا تناقضات، مجرد أغنيات جميلة وقلوب تعرف كيف تحب.

لكن الماضي لم يكن بهذه البراءة. الزمن الذي صعد فيه عبد الحليم كان زمن تحولات كبرى، وصراعات وأحلام وانكسارات، كان الفن فيه جزءًا من هذه الحركة لا مجرد خلفية رومانسية لها. كانت مصر تعيد تعريف نفسها، والطبقات الاجتماعية تتحرك، والمدينة تتغير، والسينما والإذاعة والتلفزيون يصنعون للمرة الأولى تقريبًا نجومًا قادرين على الوصول إلى ملايين الناس في اللحظة ذاتها. عبد الحليم لم يكن منفصلًا عن هذا كله؛ كان واحدًا من أبناء هذا التحول، بل واحدًا من الذين ساهموا في صياغة لغته العاطفية.

لذلك فإن تحويل زمنه إلى "زمن الرومانسية" وحدها قد يكون اختزالًا خطيرًا إذا لم تحمل الرومانسية داخل العرض معنى يتجاوز النوستالجيا. أما إذا كانت الرومانسية هنا مدخلًا لسؤال أكبر عن علاقتنا بالحاضر، فقد يصبح العنوان أكثر ذكاءً مما يبدو. ماذا حدث للحب حين تغيرت طريقة التواصل؟ ماذا خسرنا حين اختفى الانتظار؟ وهل السرعة التي منحتنا إياها التكنولوجيا جعلتنا أكثر قربًا أم أكثر وحدة؟ هل نشتاق فعلًا إلى زمن عبد الحليم، أم نشتاق إلى صورة لأنفسنا كانت ممكنة في ذلك الزمن؟.

أثق في أن مدحت العدل ككاتب قد انتابته هذه الأسئلة، مدركا أنها هي التي يمكن أن تقدم مشروعا حقيقيا وليس مجرد احتفال بالحنين.

من أكثر القرارات إثارة للاهتمام في التجربة أن الممثل الذي يؤدي شخصية عبد الحليم لن يغني أغنيات العندليب الشهيرة بصوته، إنما سيُستخدم صوت عبد الحليم الأصلي حين يصل العرض إلى أغنياته المعروفة، بينما تُكتب أغنيات جديدة خصيصًا للمسرحية لتعبر عن مواقف ومحطات في حياته. قد يبدو القرار للوهلة الأولى تقنيًا، لكنه في الحقيقة يحمل موقفًا جماليًا واضحًا: لا تحاولوا تقليد حليم. اتركوا حليم الحقيقي يتكلم بصوته.

وهذا قرار أفضل كثيرًا من الوقوع في فخ "الشبيه". لأن الممثل مهما اقترب شكله من عبد الحليم سيظل في مواجهة ذاكرة لا ترحم. الجمهور يعرف صوت العندليب قبل أن يعرف المسرحية، ويعرف نبرته أكثر مما يمكن لأي مدرب أداء أن يصنعها. لذلك فإن البحث عن ممثل "كاريزماتي" وقريب شكليًا من حليم، من دون دفعه إلى تقليده، يبدو أكثر احترامًا للشخصية وللممثل معًا. الجسد يمكن أن يكون تمثيلًا، أما الصوت حين يكون جزءًا من الذاكرة الجمعية فربما يكون من الأفضل ألا يُستبدل.

لكن هنا يظهر السؤال الأصعب: إذا كان حليم سيغني بصوته الحقيقي، فما وظيفة الممثل؟ وإذا كانت الأغاني الجديدة ستأتي بأصوات أخرى، فهل تستطيع أن تتحمل المقارنة غير العادلة مع أغنيات كتبها كبار الشعراء ولحنها كبار الملحنين وغناها عبد الحليم نفسه؟ هذه ليست مجرد مسألة موسيقية، إنما امتحان درامي، يشكل جزء من المغامرة. الأغنية الجديدة لا ينبغي أن تكون "شبيهة" بأغنية حليم،  عليها أن تكون جزءًا من الدراما، أن تقول ما لا تستطيع الأغنية القديمة قوله.

هنا تصبح تجربة "دايبين في صوت الست" حاضرة في الخلفية طوال الوقت. مدحت العدل لا يبدأ من الصفر. لقد جرب بالفعل تحويل رمز غنائي هائل إلى عرض مسرحي، ونجاح التجربة أو ما أثارته من نقاشات يضع المشروع الجديد أمام سقف أعلى. فإذا كانت أم كلثوم قد قدمت له اختبارًا في كيفية الاقتراب من الأسطورة، فإن حليم يختبر قدرته على الابتعاد عنها. أن يستخدم المعرفة التي صنعها في التجربة الأولى، لكن من دون أن يكررها.

الأهم أن الانتقال من أم كلثوم إلى عبد الحليم يكشف شيئًا عن مشروع مدحت العدل نفسه. فالمسألة، في ما يبدو من اختياراته، ليست بصدد بناء سلسلة من المسرحيات تستعيد رموز الغناء المصري واحدًا تلو الآخر، كأن أسماء النجوم وحدها كافية لضمان حضور الجمهور، بل البحث عن طريقة جديدة لاستعادة التاريخ الثقافي على المسرح. وهذا اختيار أكثر طموحًا؛ لأن الهدف هنا لا يتوقف عند تقديم النجوم، لكنه يمتد إلى تفكيك اللحظة التي صنعتهم، وإعادة قراءة الزمن الذي منحهم هذه المكانة، ثم وضع هذه الذاكرة في مواجهة حاضر مختلف. بهذا المعنى، لا يصبح عبد الحليم مجرد اسم جماهيري مضمون، إنما مدخلًا إلى مشروع أوسع لاستعادة جزء من تاريخنا الثقافي، لا باعتباره ماضيًا مكتملًا، بل باعتباره مادة قابلة لإعادة القراءة والنقاش.

لعل المفارقة الأجمل في مشروع "حليم.. زمن الرومانسية" أن عبد الحليم، بعكس كثير من الرموز التي يعاد تقديمها بعد رحيل طويل، لا يحتاج إلى أن نعيده إلى الحياة. هو موجود بالفعل. ربما لهذا قال مدحت العدل إن "مشكلة عبد الحليم حافظ إنه لسه عايش وسطنا". وهذه ليست مشكلة في الحقيقة، لكنها هي التحدي الأساسي. لأنك حين تقدم شخصية رحلت فيزيائيا عن واقعنا لكنها حاضرة وجدانيا بقوة، لا تستطيع أن تعتمد على المسافة الزمنية لصناعة الدهشة. عليك أن تخلق مسافة أخرى: مسافة نقدية.

نحتاج إلى أن نرى حليم الذي نعرفه، لكن من زاوية لم نعتد النظر منها. أن نكتشف خلف العندليب زمنًا كاملًا، لا مجرد قصة نجاح. أن نفهم لماذا أصبح صوته لغة عاطفية لجيل، وكيف تحولت الأغنية إلى وسيلة للتعبير عن التحولات الاجتماعية والسياسية، وكيف استطاع أن يجعل من الضعف العاطفي قوة جماهيرية. والأهم أن نعرف لماذا لا يزال هذا الصوت يجد مكانًا له في زمن مختلف تمامًا.

لهذا فإن "لماذا عبد الحليم الآن؟" أهم من "من هو عبد الحليم؟". الأول سؤال مسرحي، والثاني سؤال سيرة. الأول يفتح الحاضر على الماضي، والثاني قد يغلق الماضي داخل إطار زمني جميل. وإذا أراد د. مدحت العدل أن يجعل من مشروعه أكثر من احتفالية تسبق خمسينية الرحيل، فعليه أن يغامر بالذهاب إلى السؤال الأول حتى نهايته.

فالنوستالجيا وحدها لا تكفي لصناعة مسرح. يمكنها أن تملأ المقاعد، وتستدعي التصفيق، وربما تنتزع الدموع بسهولة، لكنها لا تترك أثرًا طويلًا. الذي يبقى هو أن نخرج من العرض وقد اكتشفنا شيئًا عن الزمن الذي رحل، وشيئًا أكثر إزعاجًا عن الزمن الذي نعيش فيه.

ربما لهذا يأتي عبد الحليم الآن: ليس لأننا نسيناه، إنما لأننا لم نعد نعرف تمامًا لماذا لا نستطيع نسيانه. ربما لا يكون الحنين الحقيقي إلى عبد الحليم نفسه، بل إلى الإنسان الذي كنا نعتقد أننا سنكونه حين كنا نسمع صوته. هنا فقط يمكن أن يتحول "زمن الرومانسية" من عنوان يستدعي الماضي إلى سؤال عن حاضر فقد شيئًا لا يعرف كيف يسميه.

وعندها لن تكون المسرحية مجرد احتفال بخمسين عامًا على رحيل العندليب، بل محاولة للإجابة عن سؤال أكثر قسوة: ماذا بقي من الزمن الذي صنع عبد الحليم، وماذا بقي فينا نحن من الإنسان الذي كان يستطيع أن يحب وينتظر ويحلم كما لو أن للأغنية وقتًا، وللقلب وقتًا، وللحياة وقتًا؟.

يبقى الرهان على أن يحوّل مدحت العدل عبد الحليم من "زمن نتذكره" إلى "زمن نفكر فيه"؛ وهو رهان، رغم صعوبته، لا يبدو أكبر من قدراته، فتجربته الطويلة في الكتابة تقول إنه يعرف كيف يقترب من الرموز الكبيرة بحثًا عما وراء صورتها، لاكتشاف الإنسان والزمن والأسئلة التي تركوها لنا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة