تمثل المتاحف المصرية ركيزةً أساسية في حفظ الذاكرة الوطنية، بما تضمه من مقتنيات توثق مسيرة الحضارة عبر عصورها المختلفة، ويعكس هذا التنوع المتحفي، الممتد من المتاحف المتخصصة إلى الصروح الكبرى، ثراءً تاريخيًا ومعرفيًا يضع مصر في صدارة الدول الحاضنة للتراث العالمي، وهذا التنوع لا يقتصر على الكمّ الهائل من القطع الأثرية، بل يمتد ليشمل اختلاف الرؤى والأساليب العرضية التي تُحوّل المتحف من مجرد مكان لعرض القطع إلى مساحة حية للسرد التاريخي والمعرفي، ورغم شهرة المتاحف الكبرى، فإن هناك متاحف أخرى تزخر بمقتنيات لا تقل أهمية، لكنها لم تنل القدر نفسه من الانتشار، من بينها متحف التحنيط.
متحف التحنيط بالأقصر
اعتقد المصري القديم في أهمية الحفاظ على الجسد بعد الوفاة لضمان الخلود في العالم الآخر، لذا كان التحنيط عنصرًا أساسيًا في الممارسات الجنائزية للمصريين القدماء، وكان يشرف عليه رمزيًا المعبود أنوبيس.
تتضمن عملية التحنيط العديد من الخطوات المعقدة التي كانت تستغرق حوالي 70 يومًا، وتكون مصحوبة بإقامة العديد من الطقوس وقراءة التعاويذ، حيث تزال أعضاء المتوفى بعناية من خلال شق صغير في جسده وتحفظ في أوان تعرف باسم الأواني الكانوبية، ثم يجفف الجسم باستخدام ملح النطرون، وأخيرًا يلف بلفائف من الكتان، كما توضع التمائم السحرية داخل اللفافات حول أجزاء مختلفة من المومياء لحماية الجسد، وفي النهاية تحمل أسرة المتوفى مومياءه لوضعها في تابوت لدفنه.
يوفر متحف التحنيط تعريفًا شاملًا بالعملية بأكملها من خلال شرح الأهمية الدينية للتحنيط والطقوس المرتبطة به، مع عرض العديد من الأدوات المستخدمة، كما يعرض المتحف مجموعة من الأواني الكانوبية، ومومياوات محنطة، وتوابيت مزينة بشكل متقن، وتمائم، وتماثيل المعبودات.
نشأة متحف التحنيط
أنشئ المتحف عام 1995، وافتتح في مايو عام 1997، وتبلغ مساحته 2035 متر مربع، وهو يُعد الأول من نوعه في العالم، وهو أحد أهم المتاحف النوعية المتخصصة في مصر، ويبرز عددًا من الموضوعات المتعلقة بالتحنيط والموت في مُعتقد المصري القديم، مثل: مواد التحنيط والأدوات المستخدمة في تلك العملية، وأواني حفظ الأحشاء، وآلهة التحنيط والجبانة، بالإضافة إلى عرض مجموعات من تمائم الحماية، ومجموعة متنوعة من التوابيت، واللوحات الجنائزية. ويعرض المتحف أيضًا عددًا من المومياوات البشرية ومجموعة من مومياوات الحيوانات، مثل: التماسيح، والقطط، والأسماك.
مقتنيات متحف التحنيط
المتحف يضم أكثر من 150 قطعة فرعونية قديمة، من بينها "سرير التحنيط" المستخدم في عملية التحنيط، وقد عُثر عليه مكسورًا لعدة أجزاء في المقبرة رقم 63 بوادي الملوك، ومن الأدوات الخاصة بالتحنيط الموجودة بالمتحف "الإزبيل لتفتيت المخ - الإسبتيولة والملعقة للتنظيف الداخلي - الموسي لعمل فتحة بالجانب الأيسر من البطن - المقص – الملقاط - المشرط لفصل واستئصال الأحشاء - الفرشاة للتنظيف الجاف الداخلي - المخرازة لترميم العظام عند الضرورة - الإبرة لخياطة البطن - ملح النطرون ونشارة الخشب، الذين كانا يستخدمان حشوًا مؤقتًا في التجويف الصدري والبطني - بقايا دهون معطرة وبقايا مواد راتنجية على لفائف كتانية، "والراتنج هو إفراز المواد الهيدروكربونية من النبات ولا سيما الأشجار الصنوبرية" - راتنج من تابوت وراتنج من حفائر بإدفو - كيس به مواد حشو - تربنتينا وجدت في أكياس بالتابوت - خليط من البيتومين والراتنج - قطعة من جسم محنط - وأخيرًا قطعة من جلد قديم"، ويضم المتحف أيضًا مناظر تحاكي تمامًا برديتي "حونيفر" و"آنى" اللتين يرجع تاريخهما إلى 1200 سنة قبل الميلاد، فيما يستقر الأصل في المتحف البريطاني.