حازم حسين

حروب عكس اتجاه الزمن

الأحد، 30 أغسطس 2026 02:00 م


لو رأى الخاسر مقعده مُسبَقًا؛ لَمَا خاض المٌباراة قطعًا. إلا أن يكون مجنونًا أو مُغرمًا بإفلات عصفورٍ فى اليد، دون ضمانةٍ لأنه سيقنص بديلاً من على غصون الشجر.

وعلى قدر ما يبدو الحُكم السابق صلبًا ودُجمائيًّا، أعترف ولا أُنكر؛ فإنه ليس خاطئا بالكُليّة وفى كل الأحوال.
ربما تأباه الرياضة الحقّة مثلاً، مع الشكّ؛ إنما لا مراء فى أنه يصدُق تمامًا على سواها، فى السياسة والاقتصاد والتجارة والصحة والحب، والأهم فى الحرب!

تنشغل واشنطن اليوم بتسليك شرايين هرمز، وستدفع مُقابلاً كَبُر أو صَغُر؛ فيما كان الممرّ مفتوحًا أصلاً قبل الحرب. تُفاوض فوق الطاولة وتحتها، وتُعلن أو تُنكر؛ لكنها خاسرة.

وإيران ليست أقلّ خسارة. كانت تحت العقوبات؛ فازداد الضغط عليها. ربحت هامشًا للسيطرة فى المضيق، وخسرت هوامش أوسع جدًّا فى المكانة والهيبة وحصانة الجغرافيا والقفز على جدار الردع.

يقول ترامب إنه نزع الألغام وفرض هيمنته على الماء؛ فيُسارع صقور طهران من الملالى وجنرالات الحرس إلى النفى، ويزيدون بإعلان السيطرة الكاملة على الملاحة.

زادت أسعار النفط؛ لكنها ما تزال دون مستويات فبراير وما بعده. ويصعُب افتراض أن السوق احتوت أثر الاحتباس، أو عوّضت ببدائل أخرى.

وغالب الظنّ أن القنوات غير مسدودة تمامًا: يمرّ البعض بتفاهمات مع الجمهورية الإسلامية، وآخرون تحت حماية القوات الأمريكية.

وبيانات التراجع فى الحركة ليست دقيقة تمامًا؛ لأنها لا ترصد السُفن والناقلات التى تُغلق أجهزة الاتصال والإشارة خلال العبور.

والفكرة؛ أن ورقة المضيق حُيِّدت نسبيًّا، لكنها ما تزال تُشكّل قيدًا على الأمن والاقتصاد.

ولا يُقال ما يتردد ونسمعه من الأمريكيين والإيرانيين؛ إلا لأنهم غير راغبين فى الحرب، عاجزون عن حسمها، وأكثر عجزًا عن الخروج منها.

ولا بديل لديهم إلا الخطابة، وتكثيف النزاع على الرواية/ الشكل لا المضمون!

الضعف قيدٌ فى معصم صاحبه؛ غير أن القوّة المفرطة قد يكون لها الأثر نفسه أحيانًا. أكان بأعبائها الثقيلة مع صعوبة إنفاذ مفاعليها، أو بالأوهام المُتولّدة عنها، وما تُنشئه من اندفاعٍ أو ارتياحٍ غير مُبرَّرَيْن!

والعُقدة واحدة على الناحيتين؛ لأن لا أحد منهما يُريد الاعتراف بسوء الأوضاع: المُعتَدِى قادر على المواصلة، والمُعتَدَى عليه مفتون بدعاوى الصمود، وأرجوحة الوقت مُمتعة ومضلّلة فى آن واحد.

الأقدرُ على تحمُّل الألم لمدَّة أطول من الآخر، غير مُضطرٍّ إلى التراجع من الأساس، وليس عليه إلَّا أن يُطيلَ حبل الصبر، ويرخيه إلى أقصى ما يستطيع.

والوعد؛ أنه سيجنى المقابل لاحقًا: بالربح وما ينطوى عليه من تعويضٍ بأثرٍ رجعىٍّ، أو أقلّه بالانتصار المُظفَّر فى مُقابل انكسار الغريم، وهى حالة لا تخلو من المنافع أيضًا!

غير أنَّ تلك الحالة لا تُعبِّر بالضرورة عن المَقدرة والإطاقة؛ إنما قد تختزل رغبةً محمومة فى إيلام الآخر؛ وإنْ باستنزاف الرصيد الخاص، والمُغامرة بالانكشاف واستنزال أضرارٍ عميقة ودائمة بالبُنى الصلبة للبيت.

وعندما تتحوّل السياسةُ إلى طريقٍ غير مرصوفةٍ نحو العصبيَّة وإثبات الذات؛ يتسلَّط العنادُ على العقل، ويتَّخذ الحربىُّ صيغةً انتحارية غير محسوبة.

هنا ينصرفُ النظر عن الميدان وأحواله، إلى الرغائبيّة والإدارة بالتمَنّى والوَهْم: عضّ الأصابع يتطلّب إماتة الإحساس، عمّا قليل سيصرخ العدوّ، وإنما النصر صبرُ ساعةٍ لا أكثر.

كما لو أنَّ المُقامر يُصرّ على الجلوس إلى الطاولة، بعدما خسر كلَّ ما بحوزته، ويستلِفُ من جاره، أو يسطو على إرث العائلة، وقُوت الفقراء والأيتام!

وذلك؛ لأنَّ الفرصة المُرجَأة ستردّ إليه كلَّ ما خسره سابقًا، وستُمكّنه من نزح ثروات اللاعبين جميعًا، والقصاص من مندوب الكازينو الذى أطال واستفاض فى تدوير القُرص بعكس اتجاه حظّه السعيد.

اكتملت ستّة أشهر من الحرب، وبعد نحو تسعة أيام ستكتمل المُدّة نفسها على تنصيب مُجتبى خامنئى خلفًا لوالده المُرشد الراحل. غاب الأب؛ فخلَفَه غائبٌ ينوبُ عن غائب.

تُضحّى إيران بالرمزية والقيمة المعنوية لظهور العمامة الأعلى؛ لاعتباراتٍ تخصّ الأمن، أو اتّساع شقوقه، وغيبة المعرفة الوافية بحدود الانكشاف، وما حقّقه العدو من اختراق للدولة ومؤسساتها الصلبة.

لا فارق بين أن يكون الرجل حيًّا أو ميّتًا؛ لأن النتيجة واحدة. الإمام فى كهفه المظلم، وجنرالات الحرس ينوبون عنه خارج الشرعية والفقه، ولا يُعرَف ما قاله الرجل بين المنسوب إليه، وما استُنطِق به، أو ألبِسَ عمامته دون أن يعلم عنه شيئا!

كانت صحيفة مُقربة من قلب النظام، برّرت الغيبة الطويلة بسهولة كشف المكان والوصول إليه من صورة أو مقطع فيديو.

وبعيدًا من المُبالغة والسخف؛ فالبيانات الخفية «ميتا داتا» يُمكن التلاعب بها، وتعديلها، واصطناع سواها، ويُمكن تمرير المادة المصوّرة من منصّة التليفزيون لتأخذ صورة جديدة مُغايرة يستحيل استنطاقها، وفوق كل ذلك ما أسهل أن يُعَد استوديو مؤقت للمهمة؛ ثم تنتهى علاقة المُرشد به للأبد!

خروجه لجمهوره، وللمعارضين أيضًا، أثقل وأشد أثرًا من كل ما يُنقَل مكتوبًا. وليس خطيرًا على الإطلاق.

ولا يُستَدَلّ من إخفائه؛ إلا على الموت أو العجز، أو التشوّه لدرجة تخصم من الرمزية وتُنتج أثرا سلبيًّا، وربما بين الاحتمالات وضعه تحت الوصاية، فى سياق التحول العميق نحو عسكرة النظام الدينى!

يُفترض أن يكون المُرشد عمود الخيمة؛ لكنه صار ضغطا ثقيلاً على نسيجها المهترئ. وتتضاعف المفارقة؛ عندما يخرج برسالة تدعو إلى كنس التراب تحت السجادة، فى بلد يعرف أن قيمة القطعة تتصّل بالنظافة والإجلال كما بالجودة والإتقان!

رسالته؛ أن الحديث عن نقاط الضعف يُساعد العدو، ويضر التماسك ويبعث على اليأس، داعيا إلى الحديث عن القوّة والبُعد عن إرباك المؤيدين.

والإشارة تنصرف للرئيس بزشكيان وحكومته؛ إذ يتحدثون عن الأوضاع الصعبة، والتأثير السلبى للعقوبات، وضرورة إنجاز صفقة سياسية قبل التردّى للأسوأ.

صعد الرجل على طلل أشد معاقل النظام تحصينًا، مع طابور طويل من جُثث القادة. سماؤه نهب لطيران العدو، وأرضه مرتع للموساد وعملائه، ولا يعرف المُخلص من الخائن؛ لكنه ينشغل بالكلام عن الأفعال!

لا شىء يُساعد الأعداء أكثر من الغباء، وسوء الإدارة، وإهدار الموارد والإمكانات. الملالى أضروا محيطهم بالاستئساد الفج خارجيا، وخدموا خصومهم بالهشاشة العميقة داخليا.

خطاب الولايات المُتّحدة اليوم لا يختلف عن الجمهورية الفارسية؛ لكنه طارئ وسيتغير، بينما الأخيرة محبوسة فى قمقم الأوهام والعِلل لنحو نصف قرنٍ، ولا أُفق لخروجها.

الامتداد الطبيعى المُتوقّع؛ أن تُصوّب واشنطن أخطاءها، وتستعيد التوازن والعقل، بينما تتعثر طهران وتتعمّق أزماتها أكثر.. وفى مواجهة مُعقّدة؛ ليس مُهمًّا أين تقف؛ طالما يتحرّك الزمن فى اتجاه مضادّ!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة