منذ نحو عشرين عامًا، كنت أجلس في مكتب اللواء أحمد مختار، محافظ الوادي الجديد الأسبق - رحمه الله، وكان الحديث يدور حول الاستثمار في تلك المحافظة الشاسعة، التي تقترب مساحتها من نصف مساحة مصر ، بينما كان يبلغ عدد سكانها آنذاك فى حدود ٢٥٠ ألف نسمة فقط .
دخل علينا رجل يطلب الموافقة على شراء 500 فدان.
رحّب به المحافظ، ثم سأله:
— ماذا ستفعل بهذه الأرض؟
أجاب الرجل:
— سأزرع.
تغيّر وجه المحافظ وقال:
— ليس عندي أراضٍ لك !
بدا الرجل متعجبًا :
— ولماذا؟
فقال المحافظ:
— لو قلت لي إنك ستزرع من أجل التصنيع لوافقت... أما أن تزرع لمجرد الزراعة فلا اوافق . إن سكان الوادي الجديد يكفيها فدان كوسة !
ضحكنا يومها من العبارة...
لكنني، بعد سنوات طويلة، أدركت أن الرجل لم يكن يطلق نكتة، بل كان يضع أمامنا قاعدة من قواعد التنمية.
فالقضية ليست أن نملك الأرض...
القضية: ماذا نصنع بما تمنحنا الأرض؟
أن تزرع وتبيع خامًا، فأنت تنتج محصولًا.
أما أن تزرع، ثم تُصنّع، وتُطوّر، وتُعبّئ، وتُصدّر...
فأنت لا تنتج سلعة؛ أنت تبني قيمة.
وهنا تبدأ الفلسفة الحقيقية للاستثمار.
لا ينبغي أن يكون السؤال:
كم فدانًا سأمتلك؟
بل:
كم قيمة ما سأحقق من كل فدان؟
ولا ينبغي أن يكون السؤال للمستثمر:
ماذا ستنتج؟
بل السؤال الأهم:
ماذا ستصنع مما ستنتج؟
وهذه الفكرة لا تخص الزراعة وحدها.
الأرض ليست مجرد أرض.
والمنجم ليس مجرد خام.
والمصنع ليس مجرد آلات.
والعقار ليس مجرد مبنى.
والفكرة ليست مجرد فكرة.
كل أصل يحمل بداخله قيمة أكبر من صورته الأولى... ولا يكتشفها إلا عقل يعرف كيف يرى ما وراء الأشياء.
وهنا يكون الفرق بين من يمتلك موردًا فقط ومن يمتلك موردا و عقلا قادرا على ان يصنع ثروة.
المستثمر الحقيقي لا يكتفي بأن يرى الفرصة كما هي...
بل يسأل:
إلى ماذا يمكن أن تتحول؟
يحوّل الأرض إلى إنتاج،
والإنتاج إلى صناعة،
والصناعة إلى تصدير،
والتصدير إلى عملة،
والعملة إلى تنمية.
هكذا لا يصبح الاستثمار مجرد استغلال للموارد...
بل تعظيمًا لقيمتها.
وقد علّمني ذلك الموقف منذ عشرين عامًا شيئًا ما زلت أؤمن به:
الثروة ليست فيما نملك،
بل فيما نستطيع أن نصنعه مما نملك.
وربما لهذا بقيت جملة اللواء أحمد مختار في ذاكرتي كل هذه السنوات.
▪︎▪︎ رحم الله اللواء أحمد مختار...
قالها في لحظة عابرة، لكنها لم تكن عابرة في معناها.
فقد علّمتني أن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ بالسؤال:
ماذا أملك؟
بل يبدأ بالسؤال الأخطر:
ماذا يستطيع عقلي أن يصنع بما أملك؟
فالأرض قد تُنبت محصولًا...
لكن العقل هو الذي يحوّل المحصول إلى صناعة،
والصناعة إلى ثروة،
والثروة إلى تنمية.
ولهذا...
بقلم المهندس صلاح الجنيدي
رئيس مجلس إدارة هيئة الأوقاف المصرية الأسبق
مدير عام المشروعات والتصميمات بوزارة الأوقاف المصرية سابقًا