لا تولد النجومية بقرار إداري، ولا يكفي أن يُدرج اسم شاب في صدارة ملصق إعلاني ليصنع منه نجماً بين ليلة وضحاها؛ فالجمهور أشد ذكاءً من أن ينقاد لشعارات الحملات الدعائية، والفنان لا يرسخ حضوره إلا حين يلتقي بالشخصية التي تسبق قدراته، والنص الذي يختبر أدواته الفنية، والمخرج الذي يملك رؤية لتحرير طاقته ضمن مساحة تتسع للخطأ والتعلم والتطور. غير أن صناعة الدراما إذا ما تسلحت بالشجاعة والوعي، تملك القدرة على فتح تلك الأبواب المغلقة التي طالما وقف أمامها الكثير من الموهوبين، لتحول الفرصة من مجرد مراهنة عابرة إلى مسار فني يمكن البناء عليه.
من هذا المنظور النقدي، يُقرأ الدور الذي لعبته الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية عبر منصة "واتش إت" خلال السنوات الأخيرة؛ إذ لم تعد مساحة المشاركة الشبابية مقتصرة على الحضور الثانوي، بل امتدت لتطال الأدوار المحورية والبطولات المطلقة. تتجلى قيمة هذه التجربة ليس في اكتشاف وجوه لم يلتقط وجودها من قبل ـــ فبعض هؤلاء امتلكوا تجارب سابقة ولفتوا الأنظار في أدوار مساعدة ـــ وإنما في الانتقال الفعلي من مرحلة الاعتراف بالموهبة إلى تحميلها مسؤولية عمل كامل. شتان بين ممثل يظهر في مشاهد خاطفة مهما بلغت قوتها، وآخر يُستبقى في مركز الحكاية لإدارة إيقاع العمل، والارتقاء بالتطور الدرامي للشخصية، والحفاظ على تدفق العلاقة مع المشاهد من الحلقة الأولى وحتى نهاية العمل؛ فالبطولة امتحان ممتد وليست مكافأة مجانية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها جرت في سوق ظل تاريخياً ينحاز إلى الأسماء الضامنة لشباك التذاكر أو نسب المشاهدة. برز عصام عمر كأحد أكثر النماذج دلالة على هذا التحول حين تصدر بطولة مسلسل "بالطو" عام ألفين وثلاثة وعشرين؛ حيث قدم شخصية "عاطف"، الطبيب حديث التخرج الملقى فجأة في مواجهة واقع صحي وقروي يفوق خبرته. لم يُسقَ العمل بطله كشخصية خارقة، بل استند إلى ارتباكه وخوفه وهشاشته أمام الواقع. جاءت جاذبية الأداء من ذلك التناقض الحاد بين رغبة دفينة في الهرب ومسؤولية تفرض عليه البقاء والمواجهة. أثبت نجاح المسلسل قدرة الجمهور على التعاطف مع بطل يبتعد عن الأشكال التقليدية للفتى الأول.
وتوسعت المساحة لاحقاً حين شارك أحمد داش بطولة مسلسل "مسار إجباري"، واضعاً شابين في قلب صراع اجتماعي محتدم بدلاً من توظيفهما كخطوط فرعية في خدمة نجم أكبر. كشف هذا العمل عن تحول في فلسفة البطولة ذاتها؛ فلم يعد شرطاً أن يسبق البطولة سجل طويل من التدرج النمطي، بل يمكن للشخصية الملائمة أن تختصر المسافات متى ما توفرت الجاهزية لدى الممثل.
ويتضح هذا المسار بصورة أعمق مع طه دسوقي في مسلسل "حالة خاصة" عام ألفين وأربعة وعشرين، وهو أول بطولة مطلقة له في الدراما التلفزيونية. فبعد أن عرفه الجمهور في نطاق الكوميديا، جاءت شخصية "نديم" لټضعه أمام اختبار درامي مركب لبناء العالم الداخلي لشاب من ذوي القدرات الخاصة يواجه تحديات مهنية واجتماعية. النقطة اللافتة هنا أن النص لم يستغل طه لإحداث مفاجأة مؤقتة، بل اتكأ على عناصر أصيلة في حضوره: التعبير المقتضب، والنظرة المترددة، والإيقاع الخاص للحديث، وهو ما أتاح للممثل إعادة اكتشاف أدواته وتوسيع صورته الذهنية لدى المشاهد دون استجداد للتعاطف.
أما في مسلسل "قهوة المحطة" (رمضان 2025)، من تأليف عبد الرحيم كمال وإخراج إسلام خيري، فقد خاض أحمد غزي تجربته البطولية الأولى في التلفزيون عقب نجاحه السينمائي في فيلم "الحريفة". جسد غزي شخصية "مؤمن الصاوي"، الشاب الصعيدي المطارد بحلم التمثيل والمحاصر بجريمة غامضة. لم يعتمد الاختيار على المظهر الشبابي فحسب، بل وضع الفنان في مساحة تتحرك بين الحلم والاغتراب والهزيمة، وهي مساحة تتطلب الحفاظ على براءة الشخصية وسط بيئة قاسية. وقد تقاطعت هذه التجربة مع تجربة الممثل الشخصية في السعي نحو التثبيت الفني وسط سوق تنافسي، مما يعكس حقيقة أن المؤسسة تملك توفير وسائل الإنتاج والعرض، لكن تحويل الفرصة إلى تجربة تؤثر في الجمهور يظل ثمرة معادلة متكاملة تضم النص والمخرج والممثل معاً.
وتقدم ياسمينا العبد نموذجاً متدرجاً؛ إذ تنقلت بين مشاركات عربية ودولية قبل أن تتوسع مساحتها في أعمال "المحدة" مروراً بـ"مسار إجباري" و"لام شمسية"، وصولاً إلى دور أوسع في مسلسل "ميد تيرم" بشخصية "تيا". لا تقتصر أهمية تجربة ياسمينا على التدرج العمري، بل في قدرتها على تجسيد حساسيات جيل جديد تتغير لغته ورؤيته للأسرة والتعليم والتكنولوجيا، مما يمنح الدراما فرصة الاقتراب من واقع هذا الجيل بعيداً عن الكليشيهات الجاهزة.
وامتدت هذه الرؤية لتشمل تجارب أخرى عبر تنويع القوالب الدرامية بين الكوميديا والدراما الاجتماعية والنفسية والموسيقية، مثل: حاتم صلاح في "على باب العمارة"، وأمير عيد في "ريفو" و"دواعي السفر"، ونور النبوي في "ستة شهور"، ورنا رئيس في "إنترفيو". هذا التعدد الحكائي كان ضرورياً لتجنب حبس الطاقة الشبابية في قالب مكرر وتوفير المساحة لكل موهبة لاختبار منطقتها ثم التوسع خارجها.
إن الإنجاز الحقيقي لهذه المراحل يكمن في كسر الحلقة المغلقة التي فرضت سابقاً اشتراط النجم الجماهيري للتسويق، واحتجبت بموجبها الفرص عن المواهب الشابة. وساهمت المنصات الرقمية، وفي مقدمتها "واتش إت"، في توفير مرونة عرض للأعمال القصيرة والمتوسطة بما يتيح تجريب أسماء وموضوعات كان يصعب الدفع بها داخل مواسم العرض التلفزيوني التقليدي المزدحم.
لا تملك أي مؤسسة إنتاج خلق الموهبة من الفراغ، لكنها تملك حمايتها من الاندثار في قوائم الانتظار عبر توفير النص والشاشة وحق التجربة، وتبدأ بعدها مسؤولية الفنان في تحويل الفرصة إلى مسار ممتد وتجربة تتجاوز بريق النجاح الأول؛ فذلك هو الخيط الفاصل بين التقديم العابر لوجه جديد وبين الصناعة الحقيقية لنجم يملك المقومات للحديث والبقاء.