في الوقت الذي واجهت فيه العديد من التحالفات الدولية تحديات متزايدة جراء التباين في مصالح أطرافها، بدت الحاجة ملحة إلى تفعيل مفهوم آخر في العلاقات الدولية، ربما أكثر ديناميكية، يدور في جوهره حول "الشراكة"، التي تقوم في الأساس على تعزيز المصالح والتنسيق السياسي والاقتصادي والأمني، في إطار من الاعتراف المتبادل بإمكانية الخلاف حول بعض القضايا والتعامل معه بما لا يقوض التعاون المشترك، إلا أن التحولات التي يشهدها النظام الدولي، وما يصاحبها من تنامي الحاجة إلى تنويع دوائر الحركة وبناء شبكات أكثر اتساعا من المصالح، تفتح الباب أمام مستوى آخر من العلاقات، لا يتوقف عند ما تستطيع دولتان تحقيقه معا، وإنما يمتد إلى ما يستطيع كل منهما تحقيقه عبر الآخر، في دوائر تتجاوز نطاق العلاقة الثنائية ذاتها.
وهنا يبرز ما يمكن وصفه بـ"الارتكاز الاستراتيجي"، باعتباره مرحلة لا يصبح فيها الشريك مجرد طرف تتقاطع معه المصالح، وإنما نقطة ارتكاز توسع قدرة الطرف الآخر على الحركة داخل نطاقات جغرافية أو سياسية أو اقتصادية أوسع، دون أن يعني ذلك بالضرورة قيام تحالف بينهما أو تطابق رؤاهما تجاه مختلف القضايا، فإذا كانت الشراكة الاستراتيجية تقوم على ما يستطيع الطرفان تحقيقه معا، فإن الارتكاز الاستراتيجي يبدأ عندما يصبح كل منهما جزءا مما يستطيع الآخر تحقيقه عبره.
ومن هذا المنظور، تكتسب الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة أهمية تتجاوز كونها محطة جديدة في مسار العلاقات المصرية الصينية، لتفتح الباب أمام التساؤل حول ما إذا كانت الشراكة الاستراتيجية بين البلدين باتت مهيأة للانتقال إلى مستوى أكثر اتساعا، تصبح فيه مصر نقطة ارتكاز للحركة الصينية في دوائر تتجاوز حدود العلاقة الثنائية، بينما تمثل الصين في المقابل إحدى نقاط ارتكاز القاهرة لتوسيع دوائر حركتها في نظام دولي يشهد تحولات متسارعة.
فلو نظرنا إلى أهمية القاهرة بالنسبة إلى بكين في ضوء المستجدات الدولية الراهنة، نجد أن ثمة رغبة صينية في توسيع نطاق الحركة داخل العديد من الأقاليم، إذ تمثل أفريقيا والعالم العربي دائرتين مهمتين في الأجندة الصينية، بينما تبقى مصر إحدى القوى الرئيسية القادرة على الاضطلاع بدور فاعل في القضايا المشتركة المرتبطة بهذين النطاقين الجغرافيين، كما لا تتوقف أهمية الموقع المصري عند هذا البعد السياسي، وإنما تمتد إلى موقعه عند نقطة اتصال بين آسيا وأفريقيا والبحر المتوسط، وما تمنحه قناة السويس والمناطق الاقتصادية والصناعية المحيطة بها من قدرة على الوصول إلى أسواق متعددة، بما يجعل القيمة المصرية بالنسبة إلى الصين مرتبطة ليس فقط بما يمكن تحقيقه داخل مصر، وإنما بما يمكن تحقيقه عبرها.
ولا تتوقف أهمية هذا الموقع عند حدوده الجغرافية، وإنما ترتبط بمدى القدرة على تحويله إلى مساحة قابلة للتوظيف في حركة الطرف الآخر، وهو ما يمنح المشروعات الصينية في مصر دلالة تتجاوز حجم الاستثمارات ذاتها، فالحضور الصيني في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتوسع في المشروعات الصناعية والبنية التحتية، يتيح لبكين الجمع بين الاستثمار في السوق المصرية والاستفادة من موقعها واتفاقاتها واتصالها بأسواق أوسع، بما يحول مصر تدريجيا من مجرد شريك اقتصادي إلى مساحة يمكن أن تنطلق عبرها المصالح الصينية نحو دوائر أخرى.
وفي الاتجاه المقابل، لا تقتصر أهمية الصين بالنسبة إلى القاهرة على كونها شريكا اقتصاديا واستثماريا رئيسيا، وإنما تمتد إلى ما يمكن أن تمنحه العلاقة مع بكين من قدرة على توسيع دوائر الحركة المصرية نفسها، سواء عبر تنويع الشراكات الدولية، أو الانفتاح بصورة أكبر على الاقتصادات الآسيوية، أو تعزيز الحضور داخل تجمعات الجنوب العالمي، بما يسمح للقاهرة بتوسيع بدائلها السياسية والاقتصادية دون أن يكون ذلك مرهونا باستبدال شريك دولي بآخر.
ولا تقتصر أهمية هذا التنويع على توسيع شبكة العلاقات الخارجية للقاهرة، وإنما تمتد إلى طبيعة القدرات التي يمكن بناؤها عبر العلاقة مع بكين، خاصة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة، بحيث لا تصبح القيمة الاقتصادية للشراكة مرتبطة فقط بحجم الاستثمارات أو المبادلات التجارية، وإنما بما يمكن توظيفه منها في تعزيز القاعدة الإنتاجية المصرية ونقل التكنولوجيا وتوسيع قدرة المنتجات المصرية على الوصول إلى أسواق جديدة.
وعلى المستوى السياسي، يمنح وجود علاقة متقدمة مع قوة دولية بحجم الصين القاهرة مساحة إضافية للحركة في بيئة دولية تتسم بتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، دون أن يعني ذلك الانتقال من دائرة دولية إلى أخرى أو استبدال شريك بآخر، وإنما توسيع عدد الدوائر التي تستطيع مصر التحرك داخلها، بما يعزز قدرتها على تنويع الخيارات والحفاظ على مساحة أكبر من الاستقلال في إدارة علاقاتها الخارجية.
وهنا تتحول العلاقة من سؤال حول ما تحصل عليه مصر من الصين أو العكس، إلى سؤال أكثر اتساعا حول ما يستطيع كلا الطرفين بناءه وتحقيقه عبر علاقته مع الآخر. ولا يعني "الارتكاز" المتبادل في هذا الإطار تماثل الوظيفة التي يؤديها كل طرف للآخر، فالقيمة التي تمثلها مصر للحركة الصينية تختلف بطبيعتها عن القيمة التي تمثلها الصين للحركة المصرية، وإنما يقوم الارتكاز على قدرة كل طرف على إضافة مساحة إلى حركة الآخر تتجاوز حدود العلاقة الثنائية ذاتها.
وهنا يمكننا القول بأن القيمة الأهم للزيارة المرتقبة للرئيس الصيني إلى مصر لا ترتبط فقط بما تضيفه إلى حجم الشراكة المصرية الصينية، وإنما بما إذا كانت تسهم في إعادة تعريف وظيفة كل طرف في حركة الآخر، فحين تتجاوز العلاقة ما تستطيع القاهرة وبكين تحقيقه معا إلى ما يستطيع كل منهما تحقيقه عبر الآخر، تصبح الشراكة أكثر من مجرد إطار للتعاون، وتبدأ في الاقتراب من مفهوم "الارتكاز الاستراتيجي" المتبادل.