يحتفل المسلمون كل عام بذكرى مولد الحبيب المصطفى ﷺ في يوم 12 ربيع الأول بالتاريخ الهجري، الموافق هذا العام بالتاريخ الميلادي يوم الثلاثاء 25 أغسطس.
فكلمة الاحتفال في اللغة العربية تعني الاهتمام والقدوة، أي أننا نقتدي ونهتم بسنته الشريفة. فالاحتفال بمناسبة مولده ليس مجرد ذكرى عابرة، توزع فيها الحلوى وتنتشر موائد الطعام وتُقام الزينات والتواشيح فقط، ولكن الاحتفال مناسبة لتجديد الحب والاتباع، والاقتداء بنور رسالته.
وتختلف مشاهد الاحتفال حول العالم، ويتم الاحتفال وفق العادات والتقاليد، وأنسب طريقة للاحتفال تكون بالإكثار من الصلاة والسلام عليه ﷺ، وبقراءة سيرته العطرة وتعليمها لأبنائنا، وبإحياء سنته في بيوتنا ومجتمعاتنا، وبمدّ يد العون للفقراء والمحتاجين، وبجمع الأهل والأحباب على ذكر الله والمحبة. فالاحتفال الحقيقي بمولد خير البرية ﷺ هو أن نجعل حياته قدوةً لنا، ونُظهر رحمته في أعمالنا.
معجزات ميلاد سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
ووفقاً لتصريحات سابقة لمفتي الديار المصرية السابق، الدكتور شوقي علام، فإن التحقيق والصواب الذي تدل عليه كتب التوفيقات بين التاريخين الهجري والميلادي: أن مولده -صلى الله عليه وآله وسلم- وافق يوم الثاني والعشرين من شهر أبريل عام 571 ميلادية، وهذا الشهر الميلادي هو أول شهر ربيعي كامل، فوافق ربيع مولده القمري فصل الربيع. فقد وُلد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وقت طلوع الفجر، في عام الفيل، في السنة الثالثة والخمسين قبل الهجرة النبوية الشريفة.
ذكر أهل السير أن من معجزات ميلاد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- سقوط الأصنام في الكعبة على وجوهها، ووقعت يوم ولادة النبي المباركة أحداث عجيبة، منها:
أولًا: أنه وُلِد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- مختوناً مقطوع السرة، وخرج نورٌ معه، أضاء مساحة واسعة من الجزيرة العربية، بحسب شهادة أم عثمان بن أبي العاص، وأم عبد الرحمن بن عوف، اللتين باتتا عند أم النبي ليلة الولادة، فقد قالتا: رأينا نوراً حين الولادة أضاء لنا ما بين المشرق والمغرب.
ثانياً: قالت السيدة آمنة أم النبي: إن ابني والله سقط فاتقى الأرض بيده، ثم رفع رأسه إلى السماء فنظر إليها، ثم خرج مني نور أضاء له كل شيء، وسمعت في الضوء قائلاً يقول: إنك قد ولدت سيد الناس فسميه محمداً صلى الله عليه وآله. وأُتي به عبد المطلب لينظر إليه، وقد بلغه ما قالت أمه، فأخذه ووضعه في حجره.
ثالثاً:كانت أُمّه عليها السلام قد سمّته أحمد قبل أن يسميه جده، وكان هذا الاسم نادراً بين العرب فلم يُسمَّ به منهم سوى 16 شخصاً، ولذا فإنه كان من إحدى العلامات الخاصة به.
رابعاً: تساقطت الأصنام في الكعبة على وجوهها.
خامساً: انكسر إيوان كسرى -ملك الفرس في ذلك الوقت-، وسقطت أربع عشرة شرفة منه، وخمدت نيران فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام.
سادساً: جفت بحيرة ساوة -وهي بحيرة مغلقة ذات ماء مالح تقع في محافظة المثنى، جنوب العراق على بعد عدة كيلومترات من مدينة السماوة مركز المحافظة-.
سابعاً: لم يبقَ سريرٌ لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوساً.
ثامناً: انتُزع علم الكهنة، وبطُل سحر السحرة، ولم تبق كاهنةٌ في العرب إلا حُجبت عن صاحبها.
تاسعاً: حُجب إبليس عن السماوات السبع. ويقول الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، بشأن ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله: كان إبليس -لعنه الله- يخترق السماوات السبع، فلما وُلد عيسى عليه السلام حُجب عن ثلاث سماوات، وكان يخترق أربع سماوات، فلما وُلد رسول الله -صلى الله عليه وآله- حُجب عن السبع كلها ورُميت الشياطين بالنجوم.
إن ذكرى مولد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من أن تحصى أو تُعدَّ، وحسبنا منها ما يعيننا على تحمل مشاق الحياة وقسوتها؛ ذلك هو الصبر الذي ردده ربنا سبحانه وتعالى على مسامع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في كثير من آيات القرآن الكريم، وجعله من أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم؛ فما أكثر ما قال له ربه عز وجل: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ﴾* [النحل: 127]، *﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: 5]، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾[الأحقاف: 35].
والصبر نصف الإيمان، ولذا فإن الصابرين يوفون أجرهم بغير حساب كما أخبر بذلك رب العالمين. ثم هناك لهذه الذكرى العطرة دروس العزة والكرامة والإباء والنجدة والشهامة، وهناك دروس جهاد النفس بالتحلي بما يدعو إليه من الأخلاق والآداب، فتحسن بذلك صورة الإسلام والمسلمين ويعلو شأننا في العالمين.
ثم هناك دروس الدفاع عن الحق، ونصرة المظلوم، ويا ليت المسلمين يعرفون هذه الدروس ويعملون بها وتتحد كلمتهم حولها. وبهذا نحقق الاستفادة من دروس ذكرى المولد النبوي الشريف والاحتفاء به في كل مكان بما يناسب الحال والمقام الكبير والكريم.