مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليس مناسبة نحتفل بها بالمظاهر والكلمات والاحتفالات فقط، وإنما هو مناسبة يجب أن تبدأ من داخل كل واحد منا؛ من القلب والعقل والضمير والسلوك، فالمولد الحقيقي ليس أن نرفع أصواتنا بالصلاة على النبي فحسب، وإنما أن نسأل أنفسنا: ماذا بقي فينا من أخلاق محمد؟ هل أصبحت الرحمة في تعاملاتنا، والأمانة في أعمالنا، والعدل في أحكامنا، والتسامح في اختلافنا، والصدق في كلماتنا؟ إن الاحتفال الحقيقي بمولد خير الخلق يبدأ حين يتحول حبنا له من كلمات نتداولها إلى أخلاق نعيشها، ومن مظهر نراه إلى قيمة تسكن في داخلنا، ومن ذكرى سنوية إلى منهج حياة.
لم يكن مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مجرد حدث تاريخي مر على البشرية، ولم تكن بعثته مجرد انتقال من عقيدة إلى عقيدة، بل كانت بداية لتحول روحي في الإنسان والمجتمع وتطور القيم الإنسانية والأخلاقية. نعم، تم التحول من مجتمع القبيلة إلى مجتمع الرسالة، مع العلم أنه عندما جاء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لم يكن أمامه مجتمع بلا أخلاق، بل مجتمع يمتلك بعض الفضائل إلى جانب كثير من الممارسات الجائرة. وهنا كانت عظمة الرسالة. الرسالة الحقيقية تسبقها أخلاق حقيقية.
فإشارات النبوة.. حين تسبق الأخلاق المعجزة، كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة تحمل من الصفات ما جعل شخصيته موضع ثقة واحترام. فلم تكن النبوة مجرد حدث مفاجئ بلا مقدمات أخلاقية، بل جاءت بعد مسيرة طويلة من الصدق والأمانة والنقاء وحسن الخلق. فجاءت الرسالة مقترنة بالسمات الأخلاقية، وعندما جاء الوحي في غار حراء، بدأت أعظم مرحلة في تاريخ البشرية، فالإسلام لم يأت ليهدم الإنسان والمجتمع ثم يبدأ من الصفر، بل جاء ليهذب ويصحح ويرفع قيمة الإنسان. فانتقل المجتمع من العصبية إلى الأخوة، ومن عبادة الأشخاص والأصنام إلى عبادة الله، ومن تقديس القوة إلى إعلاء العدل، ومن احتقار الضعيف إلى رعايته، ومن التفاخر بالأنساب إلى معيار التقوى والعمل.
عزيزي القارئ، قال تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" واليوم، إذا نظرنا حولنا، سنجد أن بعض مشكلات مجتمعنا الحديث تشبه في جوهرها مشكلات قديمة، وإن اختلفت الأدوات، فالعصبية القبلية قد تتحول اليوم إلى تعصب اجتماعي أو طبقي أو وظيفي. والتفاخر بالمال قد يتحول إلى استعراض للمكانة، والكلمة الجارحة التي كانت تقال في مجلس، أصبحت اليوم منشورا يصل إلى ملايين الناس في دقائق. والتأثير في العقول لم يعد يحتاج إلى منبر في مسجد أو ساحة عامة، بل قد يبدأ من هاتف صغير وشاشة صغيرة.
نعم.. المشكلة ليست في الدين.. وإنما في صورة الدين التي نقدمها.
فنحن لا نعاني من نقص في الشعارات الدينية بقدر ما نعاني أحيانا من فجوة بين الإيمان الظاهري والسلوك الحقيقي.
ولا تتعجب عندما نجد من يتحدث كثيرا عن الأخلاق لكنه يمارس الظلم. ومن يتحدث عن الرحمة لكنه يقسو على من يختلف معه. ومن يرفع شعارات الدين، لكنه لا يحترم حقوق الآخرين. ومن يكثر الحديث عن التقوى، بينما تغيب الأمانة والعدل من معاملاته. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا بصدق.. هل نريد جيلا يحفظ كلمات الدين، أم جيلا يفهم روح الدين؟ الدين ليس مظهرا فقط؟ فالدين أمانة، ورحمة، وعدل، وضمير، وإحسان، واحترام للإنسان.
والرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مشروعه صناعة أتباع يرددون الكلمات، وإنما صناعة إنسان يعرف ربه ويعمر الأرض ويصون كرامة الآخرين.
أين أهل الدين الأسوياء؟
نعم نحتاج اليوم إلى أهل دين يمتلكون العلم والحكمة والاعتدال. ولا نحتاج إلى خطاب يصرخ في الناس، وإنما خطاب يقنعهم. ولا نحتاج إلى خطاب يصنع الخوف من الدين، وإنما خطاب يعيد للناس علاقتهم الصحيحة بالله.
عزيزي القارئ، نحتاج إلى عالم دين يستطيع أن يقول للشاب الغاضب تعال نتحدث، لا أن يقول له: أنت ضال وانتهى الأمر. ونحتاج إلى من يشرح للشباب الفرق بين التدين والتطرف، وبين القوة والعنف، وبين الغيرة على الدين واحتكار الحقيقة.
فالحكمة ليست ضعفا، والاعتدال ليس تنازلا عن الدين. استنادا إلى قوله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"، هذه الآية وحدها يمكن أن تكون منهجا كاملا في مواجهة التطرف. ومن جهة أخرى، الجانب الأكبر لحل ما نعانيه من مشكلات عصرية هو الاعلام.. دوره؟
فلن يقتصر دور الإعلام على مجرد ناقل للخبر. بل الشراكة، فالإعلام شريك في تشكيل الإدراك والوعي، وخاصة في عصر أصبحت فيه المعلومة تصل إلى الطفل والمراهق بضغطة زر، أصبح من الضروري أن يكون لدينا إعلام ديني واجتماعي قادر على المنافسة، لا يكتفي بالرد على التطرف بعد انتشاره، بل يواجه جذوره قبل أن تجد طريقها إلى عقول الشباب.
عزيزي القارئ، نحتاج إلى محتوى يشرح الدين بلغة يفهمها الشباب، لغة تكنولوجيا العصر.
فنحتاج إلى برامج تناقش الأسئلة الصعبة دون تخويف أو اتهام. ونحتاج إلى علماء وأئمة وإعلاميين يعرفون طبيعة العصر ومنصاته ولغته. فإذا تركنا مساحة الإنترنت خالية، سيملؤها آخرون. وإذا لم نقدم للشباب إجابات عقلانية عن أسئلتهم، فسوف يبحثون عنها في أماكن قد لا تكون آمنة.
وكلمة أخيرة وهامة، وخاصة بعد أن تطور واتسع مفهوم التطرف، هي كيف نقضي على التطرف؟
الاجابة ان التطرف لا يهزم بالصوت المرتفع فقط. إنما يهزم بالعلم، والوعي، والعدل، والحوار، والأسرة الواعية، والمدرسة، والمسجد، والكنيسة، والإعلام المسئول، ومؤسسات الدولة التي تبني الإنسان. والأهم أن نواجه الفكرة لا الشخص. نناقش الخطأ دون إذلال صاحبه. نصحح المعلومة دون صناعة عدو. نفتح باب العودة بدلا من إغلاق كل الأبواب. فالإنسان الذي يشعر أنه مرفوض من المجتمع قد يبحث عن مجتمع بديل يحتضنه، حتى لو كان هذا المجتمع متطرفا. أما إذا وجد أمامه من يسمعه ويحترم عقله ويجيبه بالحجة والحكمة، فهنا تبدأ عملية الإنقاذ الحقيقية.
عزيزي القارئ، المولد النبوي.. ليس ذكرى فقط.. فعندما نحتفل بمولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لا ينبغي أن يكون الاحتفال مجرد مظاهر أو كلمات محفوظة. الأجمل أن نسأل: ماذا تعلمنا من محمد؟ هل أصبحنا أكثر رحمة؟ هل أصبحنا أكثر أمانة؟ هل أصبحنا أكثر عدلا؟ هل أصبحنا أكثر قدرة على احترام المختلف؟ هل أصبحنا أكثر حرصا على الضعيف؟ هل أصبحنا نستخدم الكلمة لبناء الإنسان أم لهدمه؟ إن كانت الإجابة نعم، فقد اقتربنا من معنى الاحتفال الحقيقي. أما إذا ظل الدين على ألسنتنا فقط، بينما غابت قيمه عن معاملاتنا، فإننا نكون قد حافظنا على الشكل وفقدنا الجوهر.
فليكن مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة تجتمع فيها القلوب قبل الموائد، ويتقارب فيها الأغنياء والفقراء، وتسقط فيها الفوارق، ويولد فيها داخل كل منا إنسان جديد… إنسان يعرف أن أجمل احتفال برسول الرحمة هو أن نكون نحن، ولو ليوم واحد، أكثر رحمة بالناس، ونجدد عهدنا بالرسول الكريم أن نظل وسنظل على خطاه.