في عام 30 قبل الميلاد، انتهى حكم بطليموس الخامس عشر، المعروف باسم قيصرون، آخر ملوك الأسرة البطلمية في مصر، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من تاريخها بعد قرابة ثلاثة قرون من الحكم البطلمي.
لم يكن الحكم البطلمي في مصر مستقرًا طوال سنواته، إذ شهدت البلاد سلسلة من الثورات والانتفاضات المصرية ضد السلطة البطلمية، كان بعضها ذا طابع اقتصادي واجتماعي، بينما اتخذ بعضها الآخر طابعًا سياسيًا وقوميًا، وصولًا إلى محاولات إنشاء حكم مصري مستقل في جنوب البلاد. وتقدم المصادر التي تناولت هذه الفترة صورة لمجتمع تراكمت داخله أسباب الغضب نتيجة التمييز والضرائب والضغوط الاقتصادية وسيطرة الإغريق والمقدونيين على معظم مفاصل الإدارة.
الضرائب والتمييز.. أسباب الغضب
ويشير الدكتور سليم حسن في موسوعته الشهيرة "مصر القديمة" إلى أن المصريين عانوا خلال الحكم البطلمي من تفاوت واضح في المعاملة، إذ كانت الوظائف الرئيسية والجيش وكثير من الأنشطة الاقتصادية في أيدي الإغريق والمقدونيين، بينما تحمل المصريون جانبًا كبيرًا من الأعمال الشاقة والزراعة والحرف. كما فرضت على المصريين ضرائب ثقيلة أثقلت كاهل الفلاحين وأصحاب الصناعات، حتى اضطُر بعضهم إلى ترك أعمالهم والفرار إلى المعابد طلبًا للحماية.
ولم تكن المشكلة اقتصادية فقط، إذ تكشف بعض أوراق زينون عن وجود تمييز مرتبط بالأصل واللغة، وهو ما عزز الشعور بالاحتقان لدى قطاعات من المصريين ورسخ الإحساس بأنهم مواطنون من درجة أدنى داخل دولتهم.
أولى الثورات في عهد بطليموس الثالث
وبحسب الدكتور سليم حسن، شهد عهد بطليموس الثالث إحدى أقدم الثورات المصرية التي وصلت عنها معلومات، واندلعت بينما كان الملك بعيدًا عن مصر في حملاته العسكرية. واضطر بطليموس الثالث إلى العودة إلى البلاد، وهو ما كشف له حجم السخط الشعبي تجاه الحكم البطلمي.
وتشير موسوعة مصر القديمة إلى أن من بين العوامل التي دفعت المصريين إلى الثورة فداحة الضرائب، واستغلال الأراضي الزراعية، والأزمات الاقتصادية والقحط، إلى جانب التمييز ضد المصريين. كما تعكس بعض البرديات أجواء اضطراب وسوء إدارة في البلاد خلال هذه الفترة.
من الغضب الاجتماعي إلى فكرة الاستقلال
مع مرور الوقت، بدأت بعض حركات المقاومة تتخذ طابعًا أوسع من مجرد الاعتراض على الضرائب أو سوء الإدارة.
وتشير الموسوعة إلى أن انتصار المصريين في معركة رفح عام 217 قبل الميلاد، عندما شاركوا في الجيش البطلمي ضد أنطيوخوس الثالث، عزز شعورهم بالقوة، بعدما أدركوا أنهم قادرون على لعب دور عسكري حاسم. وبعد ذلك بفترة قصيرة اندلعت ثورة ضد حكم بطليموس الخامس.
وتقدم المصادر التاريخية تفسيرًا لهذه المرحلة باعتبارها نتيجة لتغير ميزان القوة بين الملك ورعاياه، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة، وضعف السلطة المركزية.
ثورة الفلاحين وأصحاب الحرف
لم تكن الاحتجاجات مقتصرة على المدن أو طبقة بعينها، إذ اتخذت في الريف شكلًا أكثر عنفًا، بعدما هاجم الفلاحون القرى والمعابد ومراكز الشرطة وبعض الموظفين الإغريق، في مواجهة مباشرة مع رموز السلطة والثروة.
وتكشف إحدى البرديات التي حفظت في برلين عن نمط من حرب الكر والفر، شملت مهاجمة الحرس وحصار بعض المواقع والقرى المحصنة، في إشارة إلى أن المقاومة لم تكن مجرد احتجاج عابر، وإنما استمرت في بعض المناطق في صورة صراع مسلح.
طيبة.. مركز الثورة المصرية
كان صعيد مصر، وخصوصًا طيبة، من أهم مراكز المقاومة في هذه المرحلة. وتشير المادة إلى أن المنطقة خرجت بدرجة كبيرة عن نطاق السيطرة البطلمية، وظهرت فيها محاولات لإقامة حكم مصري مستقل.
وتظهر هذه المرحلة مع صعود الملكين المصريين حرمخيس وعنخمخيس، اللذين تصفهما المادة بأنهما قادا مقاومة للحكم البطلمي في طيبة وما حولها، وأن نضالهما استمر نحو عشرين عامًا تقريبًا، استنادًا إلى عدد من العقود والوثائق الديموطيقية.
ثلاث جبهات للثورة
بعد وفاة بطليموس الرابع، اتخذت المقاومة المصرية صورًا متعددة، وتذكر المادة ثلاثة مظاهر رئيسية لها: ثورة الإسكندرية، وثورة الفلاحين وأصحاب الحرف في الريف، وثورة الجنوب المرتبطة بطيبة وكهنة آمون.
وكان لكل جبهة دوافعها وظروفها الخاصة، لكن القاسم المشترك بينها كان تراجع الثقة في الحكم البطلمي وتفاقم المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
حجر رشيد وسط الصراع
ومن المفارقات التاريخية أن حجر رشيد ارتبط بهذه المرحلة المضطربة؛ إذ صدر المرسوم الذي نُقش عليه في عهد بطليموس الخامس بعد نجاح السلطة في قمع جانب من الثورات.
وتوضح المادة أن المرسوم تضمن إشادة بالملك، وتحدث عن معاقبة الثوار، في الوقت نفسه الذي تعكس فيه الإجراءات الملكية اللاحقة محاولات لتخفيف الضرائب ومعالجة بعض مظاهر سوء الإدارة.
لماذا لم تنتهِ الثورة سريعًا؟
تشير موسوعة مصر القديمة إلى أن السلطة البطلمية حاولت تهدئة الأوضاع عبر الإعفاءات والتنازلات وإصلاح الإدارة، إلا أن هذه الإجراءات لم تنهِ جذور الأزمة؛ لأن جانبًا من الحركة المصرية تجاوز المطالب الاقتصادية إلى مطالب أكبر تتعلق بالاستقلال وإنهاء سيطرة الحكام الإغريق والمقدونيين.
ومع استمرار الصراع، لجأت السلطة إلى تعيين حكام عسكريين في مناطق الثورات وملاحقة الموظفين الذين ارتكبوا مخالفات بحق السكان، في محاولة لإعادة السيطرة على البلاد.