أصبح محمد ناصر أحد أبرز الوجوه الإعلامية المرتبطة بمنصات جماعة الإخوان الارهابية التي تبث من الخارج، وعلى رأسها قناة «مكملين»، مستمرًا في تقديم خطاب يستهدف الدولة المصرية ومؤسساتها، ويعتمد بصورة متكررة على الإثارة والتهكم وتناول القضايا العامة من زاوية تصادمية.
وتكشف متابعة ظهوره الإعلامي خلال الفترة الأخيرة عن نمط متكرر في طريقة تقديم المحتوى؛ إذ تتحول الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى مدخل للهجوم على مؤسسات الدولة، مع الاعتماد أحيانًا على روايات أو ادعاءات تحتاج إلى التحقق، بما يجعل تقييم تجربته الإعلامية مرتبطًا بصورة أكبر بالسؤال حول طبيعة الدور الذي يؤديه داخل منظومة إعلام الإخوان، وليس فقط بمحتوى برنامج يقدمه مذيع يعيش خارج البلاد.
من مقدم برامج إلى واجهة إعلامية لمنصات الإخوان
ظهر محمد ناصر في السنوات الماضية باعتباره أحد أبرز مقدمي البرامج عبر قناة «مكملين»، التي أصبحت إحدى المنصات الإعلامية المرتبطة بجماعة الإخوان الارهابية خارج مصر.
ومع استمرار ظهوره، أصبح ناصر أحد الوجوه الأكثر حضورًا في الخطاب الإعلامي المعادي للدولة المصرية، حيث تتكرر في حلقاته موضوعات تتعلق بالأوضاع الاقتصادية والسياسية والخدمات العامة، لكن مع معالجة يغلب عليها الطابع الانفعالي والهجومي.
وتشير تغطيات منشورة إلى أن منظومة الإعلام الإخواني لا تعتمد فقط على مقدمي البرامج الذين يظهرون أمام الكاميرات، وإنما تقوم على شبكة من الإداريين والمنتجين والعاملين في صناعة المحتوى، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة الدور الذي تؤديه هذه الوجوه داخل المنظومة.
«حرية التعبير» على الشاشة
المفارقة التي تكشفها كواليس هذه المنصات تتمثل في الفارق بين الخطاب الذي تقدمه للجمهور تحت شعار حرية الرأي والتعبير، وبين ما تكشفه الوقائع المتعلقة بعلاقة المذيعين بالإدارة.
وكانت واقعة اعتذار محمد ناصر على الهواء لمدير «مكملين» أحمد الشناف، بعد وصفه له بعبارة «راجل طيب»، واحدة من الوقائع التي أثارت تساؤلات حول طبيعة العلاقة داخل القناة وحدود المساحة المتاحة للمذيعين في التعامل مع الإدارة.
وتكتسب الواقعة أهميتها ليس باعتبارها خلافًا شخصيًا، وإنما باعتبارها مشهدًا يمكن قراءته ضمن الصورة الأوسع لطريقة إدارة المنصات التي تقدم نفسها باعتبارها منابر مستقلة للمعارضة، بينما تكشف بعض الوقائع عن وجود إدارة وتسلسل تنظيمي وسياسة تحريرية.
خطاب يعتمد على الإثارة أكثر من التحقيق
وبالعودة إلى حلقات محمد ناصر، يبرز اعتماد واضح على الأسلوب الذي يجذب الانتباه ويصنع حالة من الجدل، سواء من خلال السخرية من المسؤولين والشخصيات العامة، أو تقديم الملفات الاقتصادية والخدمية من خلال عناوين صادمة، أو الانتقال من مناقشة القضية إلى إطلاق تعميمات واتهامات تحتاج إلى أدلة مستقلة، فخطاب ناصر يعتمد على التهكم والإثارة وتناول روايات غير موثقة بدلًا من الالتزام بالمعايير المهنية في عرض المعلومات.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية في هذا النوع من المحتوى، فوجود أزمة أو مشكلة حقيقية لا يعني بالضرورة صحة كل ما يقال بشأنها، كما أن انتقاد أداء الحكومة أو مؤسسات الدولة لا يمنح أي منصة إعلامية حصانة من قواعد التحقق والتدقيق.
من المعلومة إلى الرواية.. كيف تُصنع القصة؟
الأكثر أهمية في قراءة خطاب محمد ناصر هو تتبع طريقة انتقال المعلومة قبل وصولها إلى الشاشة، ففي العديد من الحالات، تبدأ القصة بمنشور أو ادعاء على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم يعاد تداوله عبر صفحات ومنصات محسوبة على جماعة الإخوان، قبل أن يتحول إلى مادة في برنامج إعلامي، ثم يعاد نشر مقاطع منه عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وبهذه الطريقة لا يعود البرنامج مجرد مساحة للنقاش، وإنما يصبح جزءًا من دورة إعادة إنتاج المحتوى وتضخيمه، ومن هنا فإن تقييم أي ادعاء يطرحه ناصر يجب ألا يتوقف عند ما قاله على الشاشة، وإنما يبدأ بالسؤال الأهم ما المصدر الأول للمعلومة؟ وهل تم التحقق منها؟ وهل عرض البرنامج الرواية الأخرى أو رد الجهة المعنية؟
الأحكام القضائية.. الجانب الذي لا يمكن تجاهله
وبعيدًا عن التقييم السياسي أو الإعلامي، يظل السجل القضائي أحد أبرز الملفات المرتبطة باسم محمد ناصر، فقد صدر بحقه حكم غيابي عام 2016 بالحبس لمدة عامين في قضية تضمنت اتهامات مرتبطة بالتحريض وبث أخبار اعتبرتها جهات الاتهام كاذبة، كما صدر عام 2017 حكم غيابي بالسجن لمدة 10 سنوات في قضية تضمنت اتهامات من بينها نشر أخبار كاذبة.
وفي عام 2025، صدر حكم من محكمة جنايات أمن الدولة في القضية رقم 339 لسنة 2025، تضمن الحكم بالسجن المؤبد غيابيًا بحق محمد ناصر وآخرين، مع اتهامات وردت في أمر الإحالة تتعلق بتولي قيادة جماعة إرهابية.
لماذا يستمر ناصر في الظهور؟
رغم تغير المشهد الإعلامي وتراجع تأثير عدد من المنصات التي ظهرت عقب 2013، لا يزال محمد ناصر حاضرًا على الشاشة وعبر المنصات الرقمية، والسبب لا يرتبط بالضرورة بقدرته على صناعة تأثير سياسي مباشر، وإنما بقدرته على إنتاج محتوى قابل للتداول السريع، يعتمد على الجدل والاستقطاب واللغة الحادة.
وهذه طبيعة مختلفة عن التأثير الإعلامي التقليدي؛ فالمعيار هنا ليس جودة المعلومة أو قوة التحقيق، وإنما عدد المشاهدات وحجم التفاعل وقدرة المقطع على الانتشار.
واجهة إعلامية لمنظومة أكبر
وفي النهاية، فإن محمد ناصر لا يمكن قراءته باعتباره حالة منفصلة عن منظومة الإعلام الإخواني في الخارج، فوراء الشاشة توجد منصات وإدارات وشبكات إنتاج وتوزيع للمحتوى، بينما يمثل المذيع الواجهة التي تصل الرسالة من خلالها إلى الجمهور.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط: «ماذا قال محمد ناصر؟»، وإنما: لماذا اختارت منظومة الإخوان محمد ناصر ليكون أحد أبرز أصواتها؟ وكيف يتم إنتاج الرسالة التي يقدمها؟ ومن أين تبدأ المعلومة قبل أن تصل إلى برنامجه؟ وإلى أي مدى تستند هذه الرسائل إلى وقائع قابلة للتحقق؟؟