على ضفاف فرع دمياط، وفي قلب دلتا النيل، تقف قناطر زفتى شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ هندسة الري في مصر، بعدما نجحت على مدار أكثر من 120 عامًا في أداء دورها في تنظيم المياه والتحكم في مناسيبها، لتصبح واحدة من أبرز المنشآت المائية التاريخية التي ارتبطت بتطور الزراعة وإدارة الموارد المائية في الدلتا.
وتقع القناطر بمنطقة دهتورة التابعة لمركز ومدينة زفتى بمحافظة الغربية، وتعرف بين الأهالي باسم «قناطر الخمسين عين»، في إشارة إلى عدد فتحاتها، كما تحولت المنطقة المحيطة بها بمرور الوقت إلى أحد المقاصد المحلية للتنزه والاستمتاع بالطبيعة، خاصة مع وجود شلال المياه والمناظر المفتوحة المطلة على النيل.
البداية في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني
يعود تاريخ إنشاء قناطر زفتى إلى عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، في إطار التوسع الذي شهدته مصر آنذاك في إقامة المنشآت المائية الكبرى بهدف تحسين إدارة مياه النيل وخدمة الأراضي الزراعية.
وتشير بيانات وزارة الموارد المائية والري إلى أن إنشاء القناطر اكتمل عام 1903، بينما تشير مصادر محلية إلى وضع حجر الأساس في عام 1901 وافتتاحها رسميًا في 1903.
وجاء إنشاء القناطر في وقت كانت فيه إدارة مياه النيل تمثل تحديًا رئيسيًا أمام الدولة المصرية، خصوصًا مع الاعتماد الكبير على مياه النهر في الزراعة، والحاجة إلى التحكم في التصرفات والمناسيب وتوفير المياه اللازمة للأراضي الواقعة في مناطق الدلتا.
وكان الهدف الأساسي من المشروع تنظيم مياه فرع دمياط ورفع منسوب المياه بما يسمح بتغذية الترع وشبكات الري، وخدمة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
وتذكر مصادر محلية أن القناطر استهدفت في بدايتها توفير المياه لنحو مليون فدان، فيما تورد مصادر أخرى تقديرات تصل إلى مليوني فدان، وهو ما يعكس ضخامة الدور الذي صممت القناطر من أجله في منظومة الري آنذاك.
50 فتحة.. تصميم هندسي لخدمة المياه
تتميز قناطر زفتى بتصميم هندسي لافت بالنسبة إلى الفترة التي أنشئت فيها، إذ تتكون من 50 فتحة، يبلغ عرض كل منها 5 أمتار، إلى جانب هويس قديم بعرض 12 مترًا، وهويس ملاحي من الدرجة الأولى بعرض 17 مترًا.
كما يعلو القناطر طريق بعرض 9 أمتار، بالإضافة إلى رصيفين بعرض 3 أمتار لكل منهما، ورافعتين علويتين مخصصتين لرفع بوابات القناطر.
ولم يكن هذا التصميم مجرد بناء ضخم على مجرى النيل، وإنما كان جزءًا من منظومة متكاملة للتحكم في المياه. فبوابات القناطر أتاحت تنظيم مرور المياه والتحكم في مناسيبها، بما يخدم الاحتياجات الزراعية ويحافظ على كفاءة شبكة الري في المناطق الواقعة خلفها.
ومع مرور السنوات، أصبحت القناطر جزءًا أساسيًا من ذاكرة المكان، إذ ارتبط اسم زفتى بها، وأصبحت «الخمسين عين» علامة مميزة للمنطقة، تجمع بين الوظيفة المائية والقيمة الهندسية والتاريخية.
من منشأة للري إلى شاهد على تطور هندسة المياه
تمثل قناطر زفتى جانبًا من مرحلة مهمة في تاريخ الري الحديث في مصر، وهي المرحلة التي شهدت إنشاء عدد من القناطر والخزانات والمنشآت الكبرى بهدف الانتقال من التعامل التقليدي مع مياه النيل إلى إدارة أكثر تنظيمًا للموارد المائية.
وفي ذلك الوقت، لم تكن القناطر تستهدف الزراعة فقط، بل كانت ترتبط أيضًا بتحسين الملاحة النهرية وتنظيم حركة المياه. ولذلك جاء تصميم قناطر زفتى متضمنًا أهوسة ملاحية إلى جانب فتحات التحكم في المياه، بما يعكس تعدد الوظائف التي كانت تؤديها المنشآت المائية الكبرى.
وبمرور أكثر من قرن، تحولت القناطر إلى سجل حي لتطور هندسة الري في مصر، حيث ما زالت مكوناتها الهندسية شاهدة على مستوى الأعمال التي نُفذت في مطلع القرن العشرين.
التأهيل للحفاظ على القناطر
ورغم مرور أكثر من مئة عام على إنشائها، لم تتوقف أعمال الدولة للحفاظ على قناطر زفتى وضمان استمرارها في أداء وظيفتها، فقد خضعت القناطر لأعمال تدعيم وتأهيل استهدفت رفع كفاءة المنشآت وإطالة عمرها الافتراضي وتحسين كفاءة التشغيل.
وأوضحت وزارة الموارد المائية والري أن أعمال التأهيل تضمنت تدعيم الفرش وتأهيل فتحات القناطر، وتدعيم البغال، وصيانة البوابات، وإعادة تأهيل المباني، وإنشاء مشاية جديدة خلف القناطر، إلى جانب تدعيم المشاية الأمامية والهدار خلف القناطر.
وجاءت أعمال التأهيل بعد دراسة فنية وبيئية واقتصادية أظهرت كفاءة منشآت القناطر، مع الحاجة إلى تنفيذ أعمال تدعيم وتأهيل على مرحلتين.
وشملت المرحلة الأولى تدعيم الفرش وتأهيل 25 فتحة بالبر الأيسر، فيما تضمنت المرحلة الثانية تدعيم وتأهيل 25 فتحة بالبر الأيمن، إلى جانب أعمال مرتبطة بقنطرة وهويس فم المنصورية وقنطرة عمر بك. ووفق وزارة الري، أسهمت أعمال التأهيل في إضافة نحو 40 عامًا إلى العمر الافتراضي للقناطر.
ذاكرة مائية وسياحة محلية
لم تعد قناطر زفتى مجرد منشأة تؤدي وظيفة هندسية، وإنما أصبحت معلمًا يرتبط بالحياة اليومية لسكان المنطقة، فالشلال الناتج عن حركة المياه يمثل أحد أشهر معالم المكان، كما تحيط بالقناطر مساحات خضراء ومناطق مفتوحة يقصدها الأهالي في الأعياد والمناسبات وأوقات العطلات.
كما أصبحت المنطقة مقصدًا لهواة الصيد، خاصة في محيط الشلال وأعلى القناطر، وهو ما أضاف بعدًا اجتماعيًا واقتصاديًا إلى المكان، إلى جانب قيمته التاريخية والهندسية.
ويحتفظ متحف الري كذلك بتوثيق بصري لتاريخ القناطر، من خلال ألبوم يعود إلى عام 1952، يستعرض مراحل البناء وأعمال الصيانة والتحسينات المائية، ويظهر تصميم الأقواس والجسور والطرق الهندسية المرتبطة بالمنشأة، بما يجعل القناطر جزءًا من الذاكرة المؤسسية لتاريخ مشروعات الري في مصر.
قناطر زفتى.. تاريخ لا يزال يؤدي وظيفته
وبعد أكثر من قرن على إنشائها، تظل قناطر زفتى مثالًا على المنشآت التي جمعت بين قوة التصميم وأهمية الوظيفة واستمرارية الدور. فمنذ بدايتها في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، ارتبطت القناطر بإدارة مياه فرع دمياط وخدمة الزراعة في الدلتا، قبل أن تتحول مع مرور الزمن إلى معلم تاريخي وهندسي وسياحي يحمل ذاكرة أكثر من جيل.
وتكشف قصة «الخمسين عين» أن منشآت الري القديمة ليست مجرد مبانٍ تاريخية يمكن النظر إليها باعتبارها آثارًا من الماضي، وإنما هي جزء من تاريخ إدارة المياه في مصر، وتجسيد لرحلة طويلة انتقلت خلالها الدولة من مواجهة تحديات النيل إلى بناء منظومة متطورة للتحكم في المياه وتوجيهها لخدمة الزراعة والمجتمعات.
وهكذا تظل قناطر زفتى، بفتحاتها الخمسين وشلالها الشهير وموقعها على فرع دمياط، شاهدًا على تاريخ طويل من العمل الهندسي في مواجهة تحديات المياه، وعلى قدرة المنشآت المائية المصرية على البقاء والتكيف مع متطلبات التشغيل والصيانة عبر أكثر من مئة عام.