ناهد صلاح

بعد 20 عامًا من رحيله.. هل ما زال نجيب محفوظ يصفنا؟

الأحد، 23 أغسطس 2026 02:31 م


لو عاد نجيب محفوظ إلى القاهرة اليوم، ربما كان سيجد المدينة غريبة عليه.. شوارع لم يعرفها، عمارات ارتفعت مكان بيوت قديمة، مقاهٍ اختفت، وأخرى جاءت بأسماء ووجوه جديدة.. مدينة لم تعد تنام بالطريقة التي عرفها.. ربما كان سيحتاج إلى وقت طويل كي يفهم كيف أصبحت القاهرة التي ظل يكتبها طوال حياته مدينة بهذا الاتساع، هذا الزحام، هذه السرعة. لكن الأرجح أنه كان سيجد أهلها مألوفين بصورة تثير القلق. سيعرف ذلك الأب الذي لا يزال يريد أن تكون الكلمة الأخيرة له، حتى لو تغيرت أدواته.. سيرى الشاب الذي يريد أن يخرج من الطبقة التي وُلد فيها، ولو لم يعد الخروج من الحارة إلى وسط البلد، بل من شاشة هاتف إلى حياة يتخيلها أفضل. سيلتقي بالمرأة التي تريد أن تعيد كتابة الدور الذي رسمه المجتمع لها، بالمثقف الذي لا يزال يسأل نفسه إن كان للكلمات معنى في عالم يزداد صخبًا، بالإنسان الذي يملك الكثير من الأشياء ولا يعرف بالضبط ماذا يفعل بحياته. ربما كان سيكتشف أن القاهرة تغيرت أسرع مما تغير سكانها. هنا تحديدًا تكمن مشكلة نجيب محفوظ بعد عشرين عامًا من رحيله: هل نحن أمام كاتب انتهى زمنه، أم أمام كاتب انتهى زمنه وبقيت أسئلته؟ أميل إلى الاحتمال الثاني.

محفوظ لم يكن يكتب القاهرة لأنها كانت القاهرة. كان يكتبها لأنها كانت مختبرًا للإنسان.. الحارة عنده لم تكن مجرد مجموعة من البيوت والشخصيات، إنما نظام كامل: سلطة، فقر، حلم، خوف، رغبة في الصعود، ذاكرة، شائعات، أسرار، أناس يعرفون بعضهم أكثر مما ينبغي.

تطاردني في هذه اللحظة الاستفهامية نفيسة في روايته "بداية ونهاية"، يبدو محفوظ أكثر قسوة في استبيان العلاقة بين الفقر والطبقة والمصير. نفيسة ليست مجرد شخصية مأساوية، لكنها واحدة من أكثر شخصياته قدرة على كشف الطريقة التي يمكن أن يحاصر بها المجتمع إنسانًا حتى يصبح الاختيار نفسه محدودًا أمامه.

مرأة دفعتها ظروفها، فقرها، نظرة الآخرين إليها، إلى مساحة ضيقة من الحياة، ثم حُكم عليها بقسوة حين حاولت أن تجد لنفسها مخرجًا. قد تكمن قوة نفيسة اليوم في أننا نستطيع أن نعيد النظر إليها بعيدًا عن الحكم الأخلاقي المباشر: هل كانت مسؤولة وحدها عن مصيرها، أم أن المجتمع الذي حاصرها كان شريكًا في نهايتها؟ هنا تصبح "بداية ونهاية" سؤالًا يتجاوز زمن الرواية: ماذا يحدث حين يولد الإنسان في طبقة لا تمنحه الفرص نفسها، حين تكون أخطاء بعض الناس قابلة للغفران، بينما تتحول أخطاء آخرين إلى حكم نهائي عليهم؟ لهذا تظل نفيسة، رغم تغير القاهرة وتغير أدوات الحياة، شخصية قادرة على إزعاجنا؛ لأنها تجعلنا نسأل ليس فقط عن خطأ الإنسان، بل عن الظروف التي صنعت هذا الخطأ.

 اليوم لم تعد الحارة مغلقة على نفسها كما كانت. العالم دخل إليها من الهاتف. صار بإمكان شخص يجلس في غرفة صغيرة أن يرى حياة ملايين الأشخاص، أن يقارن نفسه بهم، أن يحلم بمغادرة مكانه دون أن يتحرك منه. تغيرت المسافة، لكن الرغبة لم تتغير. الإنسان المحفوظي كان يريد دائمًا شيئًا ليس في يده. هذه ربما إحدى أكثر النقاط التي تجعلنا نعود إليه. في زمننا، أصبح كل شيء تقريبًا متاحًا أمام العين، لكن الوصول إلى ما نراه ليس سهلًا بالضرورة. نرى حياة الآخرين طوال الوقت، نرى نجاحاتهم وبيوتهم وسفرهم وأجسادهم وأموالهم، فنشعر أن العالم كله أصبح قريبًا، بينما قد تظل حياتنا في مكانها. حميدة، لو ظهرت اليوم، ربما لم تكن تحتاج إلى أن تخرج من "زقاق المدق" لكي ترى العالم. العالم كان سيصل إليها عبر شاشة صغيرة.   

لكن السؤال الذي كان يؤرقها سيظل قائمًا: هل أعيش الحياة التي اختارها الآخرون لي، أم الحياة التي أريدها لنفسي؟ هذا هو النوع من الأسئلة الذي لا يشيخ. في المقابل، فإن المفارقة أن محفوظ، الذي كان شديد الالتصاق بالواقع، يبدو اليوم في حاجة إلى أن نحرره من الواقع الذي ارتبط به في ذاكرتنا. لقد اعتدنا أن نراه في صورة القاهرة القديمة: الحارة، المقهى، البيت، الشرفة، الأسرة، الأب، الابن، الجار. لكن عالمه أوسع من ذلك. لأن ما كان يهمه في النهاية لم يكن شكل المكان، بل ما يفعله المكان بالناس. لهذا فإن نقل شخصياته إلى زمننا ليس لعبة تخيلية بقدر ما هو اختبار حقيقي لأعماله. ماذا كان سيفعل سعيد مهران في مدينة تستطيع فيها الكاميرات أن تلاحقك، والهواتف أن تحفظ تحركاتك، والمعلومات أن تنتشر في دقائق؟ كيف كانت ستبحث حميدة عن حياة مختلفة في عصر أصبحت فيه الشهرة نفسها طريقًا محتملًا للهروب؟ ماذا كانت ستفعل نفيسة في زمن أصبحت فيه صورتها، وجسدها، واختياراتها، وسمعتها قابلة لأن تتحول في دقائق إلى حديث عام.. هل كان هذا العصر سيمنحها فرصة أخرى لتبدأ من جديد، أم كان سيمنح قسوة المجتمع أدوات أكثر اتساعًا؟ كيف كان "سي السيد" سيتعامل مع أبناء لديهم عالم كامل خارج البيت، لا يستطيع الأب السيطرة عليه مهما حاول؟ هذه الأسئلة لا تعني أننا نعيد كتابة محفوظ. إنها تعني أننا نختبر قدرته على عبور الزمن.


لعل السينما هي المكان الأكثر وضوحًا لهذا الاختبار. محفوظ لم يكن مجرد روائي وصلت أعماله إلى الشاشة؛ السينما نفسها ساهمت في تشكيل صورته لدى أجيال كاملة. هناك من عرف شخصياته قبل أن يقرأها، وربما حمل الممثلون والمخرجون تلك الشخصيات إلى الذاكرة الشعبية أكثر مما فعلت صفحات الروايات.

لكن الفيلم يعيش في زمنه أيضًا. ملابس الشخصيات، الشوارع، طريقة الكلام، شكل البيوت، أداء الممثلين، حتى نظرة الكاميرا إلى المرأة والرجل والطبقة الاجتماعية؛ كلها تنتمي إلى اللحظة التي صُنع فيها الفيلم. لهذا قد يحدث شيء غريب حين نشاهد فيلمًا من أعمال محفوظ اليوم: نرى محفوظًا، لكننا نرى معه مصر التي كانت تقرأ محفوظ في ذلك الوقت.

أما الرواية فتظل أكثر مراوغة. كل قارئ يعيد اختراع الشخصيات داخل زمنه. هنا ربما تكون قوة محفوظ الحقيقية: أنه ترك لنا شخصيات تستطيع أن تغادر الصفحة وتدخل كل زمن بملامح جديدة. هناك أيضًا شيء يبدو شديد الصلة بعصرنا: محفوظ كان صبورًا مع الإنسان. كان يستطيع أن يقضي صفحات طويلة مع شخصية كي يجعلنا نفهمها قبل أن نحكم عليها. أما نحن فنعيش في زمن الحكم السريع. شخصية تظهر على الشاشة لدقائق فنقرر إن كانت شريرة أو جيدة، قصة تنتشر على مواقع التواصل فنختار طرفًا قبل أن نعرف بدايتها. صورة واحدة قد تكون كافية لبناء رأي كامل عن شخص لا نعرفه. محفوظ كان يفعل العكس. كان يقول لنا، بصورة غير مباشرة: تمهلوا. الإنسان ليس ما يبدو عليه في اللحظة الأولى. أتصور نصيحته هذه هي الأكثر معاصرة. ليس لأنه توقع السوشيال ميديا، لكن لأنه فهم خطر اختزال الإنسان، بعد عشرين عامًا، لا أظن أن قيمة نجيب محفوظ تكمن في أن نثبت أنه "ما زال حيًا" في وجداننا. هذه عبارة سهلة جدًا. الأصعب أن نسأل: ماذا بقي منه فعلًا؟ بقيت أسئلة السلطة. بقيت الرغبة في الخروج من المكان الذي وُلدنا فيه. بقي الصراع بين ما نريده وما يريده المجتمع لنا. بقيت الطبقة الاجتماعية وهي تتخفى أحيانًا خلف أشكال جديدة. بقي الخوف من الفشل، الرغبة في الحب، البحث عن معنى، محاولة الإنسان أن يصنع لنفسه قصة يصدقها. أما التفاصيل، فقد تغيرت.

وهذا طبيعي. فمحفوظ ليس مرآة تعكس لنا صورتنا حرفيًا، إنما مرآة تكشف ما لا يتغير بسهولة تحت الصورة.. لهذا السبب، بعد عشرين عامًا من رحيله، لا أجد السؤال الحقيقي هو: هل ما زال نجيب محفوظ يصفنا؟ السؤال الأكثر إلحاحًا هو: لماذا، بعد كل ما تغير في حياتنا، ما زلنا نجد أنفسنا في كتبه؟ هل لأن محفوظ كان شديد العبقرية؟ نعم. لكن لأننا نحن أيضًا لم نتغير بالسرعة التي نتخيلها. تغيرت القاهرة، تغيرت الأدوات، تغيرت اللغة، تغيرت طريقة الحب والعمل والتواصل، لكن الإنسان الذي يريد أن يكون أكثر مما تسمح له حياته، الذي يخاف أن يخسر ما يملك، الذي يحاول أن يحب ويخون ويبرر ويهرب ويحلم ويبدأ من جديد، لا يزال هناك. في مكان ما بين الحارة القديمة والشاشة الجديدة. لهذا لا يزال نجيب محفوظ يصفنا. ليس لأنه كتب المستقبل. بل لأننا، بعد عشرين عامًا من رحيله، لم ننجح بعد في أن نكون مختلفين عما سبق بالقدر الذي كنا نظن.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة