في الوقت الذي يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي إنتاج صورة فنية خلال ثوانٍ، يتجه عدد متزايد من الشباب من Gen Z إلى تجربة تبدو أبطأ وأكثر مشقة وهى الجلوس في الحدائق ورسم المشهد أمامهم بالألوان والفرشاة وهو ما شهدته مدن مختلفة حول العالم حيث تفشت ظاهرة انتشار مجموعات الرسم في الهواء الطلق، أو ما يعرف بـ"plein air"، بينما تشهد بعض مدارس الفنون إقبالًا متزايدًا على دروس الرسم والتصوير، في عودة إلى ممارسة ارتبطت بفناني القرن التاسع عشر.
من الشاشة إلى الطبيعة
في لندن، تستقطب مجموعات الرسم في الهواء الطلق شبابًا يجلسون أمام حواملهم الخشبية في الحدائق لرسم المناظر المحيطة بهم، بينما تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي مقاطع لفنانين يوثقون مراحل رسم أعمالهم.
ويرى منظمو هذه التجارب أن الإقبال يعكس رغبة متزايدة في أنشطة تمنح أصحابها وقتًا بعيدًا عن الشاشات وأكثر ارتباطًا بالطبيعة والتجربة المباشرة بحسب موقع Smithsonian Magazine .
ويقول بعض الفنانين المشاركين إن الرسم في الهواء الطلق يشبه نوعًا من التأمل، إذ يفرض على الفنان مراقبة الضوء واللون وتغيرات المشهد لحظة بلحظة، بدل الحصول على صورة جاهزة بضغطة زر.
ظاهرة لها جذور تاريخية
مصطلح "plein air" يعني "في الهواء الطلق"، وارتبط خلال القرن التاسع عشر برسم المشاهد الطبيعية مباشرة خارج الاستوديو، وهي ممارسة ساعدت لاحقًا في تطور المدرسة الانطباعية.
ويشير مؤرخون للفن إلى أن العودة إلى هذه الممارسة تحمل تشابهًا مع ما حدث خلال الثورة الصناعية، عندما لجأ فنانون إلى حركة الفنون والحرف اعتراضًا على انتشار المنتجات المصنعة بكميات كبيرة.
الرسم كخبرة لا كصورة
ولا تقتصر العودة إلى الفن التقليدي على الرسم في الهواء الطلق، إذ تشهد جلسات رسم الأشخاص من الطبيعة إقبالًا أيضًا، إلى جانب دورات تعليم الرسم ودراسة أساليب الفنانين القدامى.
ويرى متخصصون أن هذه الممارسات تمنح المشاركين شيئًا لا توفره الصورة المولدة آليًا، وهو تجربة صناعة العمل بأنفسهم، واتخاذ قراراتهم الفنية، والتعامل مع أخطاء وتغيرات لا يمكن التنبؤ بها.
وتلخص عالمة النفس ريتز بيراه الظاهرة بالقول إن كثرة استهلاك المحتوى جعلت كثيرين يشعرون بأنهم يشاهدون أكثر مما يختبرون، بينما يعيد الرسم اليدوي الإنسان من دور المتفرج إلى دور المشارك.
وهكذا، لا تبدو عودة الشباب إلى الفرشاة والألوان مجرد حنين إلى الماضي، بل محاولة لاستعادة التجربة الإنسانية وراء صناعة الفن، في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا قادرة على إنتاج النتيجة النهائية خلال لحظات.