محمود عبد الراضى

هندسة المسافات.. فن "لا" التي تحفظ الود ولا تكسر القلوب

الخميس، 20 أغسطس 2026 11:25 ص


نحن أمةٌ نُشِئَت على خجل المقامات، وترعرعت بين أروقة التردد، نسير في معترك الحياة محملين بخوف دائم من أن تخسر قلباً، أو تُطفئ إبتسامة، فتجد نفسك تزرع بذور الـ "نعم" في أرض الاستنزاف، على أمل أن تحصد وداً، فلا تجني سوى الحصى.

كم مرةً قلعت قطعةً من روحك لتمنحها لغيرك كي لا يرموك بجفاء القسوة؟ وكم مرة شيدت بيوتاً لراحة الآخرين فوق أنقاض طاقتك النفسية؟

إن كلمة "لا" ليست بلطةً تهدم الجسور، بل هي سياجٌ يحدد ملكية القلب، هي ليست إعلاناً للحرب، بل هي هدنة صريحة مع الذات.

فن وضع الحدود لا يعني أن ترتدي قناع الجفاف أو ترفع أسوار العزلة، بل يعني أن تتقن هندسة المسافات الإنسانية؛ أن تدرك أين تنتهي حدود التضحية، وتبدأ منطقة استباحة النفس.

الغريب في الأمر أننا نخشى أن تؤذي هذه الكلمة مشاعر الآخرين، بينما ننسى أن الـ "نعم" المزيفة تؤذي أسطورة الوفاء داخلنا.

عندما تسير في دروب المجاملة القاتلة، تحول العطاء الطبيعي إلى عبء ثقيل، ويتسلل التذمر إلى العلاقات الصافية، فيفسدها من حيث أردت إصلاحها.

الصراحة التي تخرج في وقتها بالرفض اللبق، أنبل بكثير من القبول الشكلي المتبوع بالضغينة.

كيف تقولها إذن دون أن تخدش الود؟ إن الأمر يبدأ من إدراكك أن الرفض ينصب على "الطلب" لا على "الشخص"، حين ترفض دعوةً أو خدمةً تُرهقك، فأنت لا ترفض وجود الآخر في حياتك، بل ترفض التوقيت أو القدرة.

 

يمكنك أن تملك نفساً طيبة ولساناً رقيقاً، وفي الوقت ذاته تتسلح بقوة ناعمة تجعل الحدود واضحة كالشمس.

 

تذكر دائماً أن الذين يحبونك بحق، سيحترمون مساحتك الخاصة، والذين يغضبون من حدودك، كانوا يستفيدون فقط من غيابها.

أن تبني حدوداً متينة ليس مجرد رفاهية نفسية، بل هو شريان الحياة الذي يجعل عطاءك المستقبلي نابعاً من حب حقيقي لا من خوف أو مجاملة.

اعتني بحدودك، فالروح التي تشيع خريطتها للجميع، تنتهي عادةً بلا عنوان.

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة