خالد دومة يكتب: لستُ أنا

الخميس، 20 أغسطس 2026 11:58 م
خالد دومة يكتب: لستُ أنا خالد دومة

كان بقسماته الجامدة يوحي للآخرين بأن قلبه حاد لا يعرف اللين ولا الرحمة. ملامحه كانت تترك في النفوس شيئًا من النفور منذ اللحظة الأولى، وعيناه الثاقبتان كانتا تربكان من تواجههما، كأنهما تكشفان ما يحاول الآخرون إخفاءه.

كانت خطواته تحمل تحديًا صامتًا، وكلماته قليلة لكنها ثقيلة، فيها وقارٌ يفرض الصمت أكثر مما يفتح باب النقاش. وفي صمته تحديدًا، كان هناك ما هو أشد من الكلام؛ شيء لا يريد أن يُقال.

لكنني، رغم ذلك، كنت من القلائل الذين رأوا فيه لغزًا مختلفًا. شعرت أن هذا الجمود ليس طبيعة بل قناع، وأنه لا يريد أن يندمج مع الآخرين بقدر ما يريد أن يدفعهم بعيدًا عنه. لم يكن يهرب منهم، بل كان يترك لهم خيار الابتعاد.

كانوا يتحدثون عنه في غيابه بما لا يجرؤون على قوله في حضوره. يسخرون من طريقته في الكلام وحركاته، ويصنعون منه مادة للضحك والنكات، كأنهم ينتزعون به شيئًا من ضيقهم الداخلي. لكن حين يحضر، تصمت الألسنة فجأة، ويحلّ مكان الضحك نوع من الانضباط القلق، كأن حضوره وحده يفرض نظامًا خفيًا على المجلس.

كان يدرك كل ذلك. كان يأتي قليلًا، ثم يستأذن سريعًا بحجة الانشغال، فيتنفّسون الصعداء بعد رحيله، وينفجر الضحك من جديد، وتُعاد صياغته على ألسنتهم كقصة ساخرة. ومع ذلك، كان يبتسم أحيانًا، كأنه يرى المشهد من زاوية أبعد؛ ضحكة خفيفة فيها شيء من مرارة الفهم: أنهم يسعدون بصناعة “صورة” عنه لا تشبهه، لكنه لا يحاربها.

ربما لأنه كان قد اعتاد سؤالًا لا يجد له إجابة: لماذا يفعل الناس ذلك؟ ولماذا يختارون تشويه ما لا يفهمونه؟ ومع الوقت، لم يعد يبحث عن جواب، بل اكتفى بمراقبة هذا الاضطراب الإنساني، وكأنه عرض متكرر لعيوب لا يعترف أصحابها بها.

فالناس كثيرًا ما يرمون غيرهم بالضعف، وهم في داخلهم أكثر هشاشة مما يتخيلون. يعلنون قوتهم، بينما تحركهم عقدهم بصمت. تلك مفارقة لا يلتفت إليها إلا قليلون.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة