أحمد إبراهيم الشريف

"معجم المفردات العادية".. كتاب قصصى يفكك خطاب الأسرة والخوف

الأحد، 02 أغسطس 2026 12:57 م


اختار الكاتب أحمد شوقى على أن يضع على غلاف كتابه "معجم المفردات العادية" توصيفًا واضحًا "كتاب قصصى"، وهذا الاختيار يكشف تصورًا فنيًا سبق أن تبناه "شوفي" فى عمله الأول "القطط أيضًا ترسم الصور"، الصادر عام 2010، ثم أصدر روايته "حكايات الحُسن والحُزن" عام 2015، قبل أن يعود إلى التوصيف نفسه فى كتابه الثالث الصادر عن دار العين، والذى يضم 16 قصة.

يرى أحمد شوقى علي أن "الكتاب القصصى" هو التصنيف الأقرب إلى طبيعة كتابته، وأن روايته السابقة خرجت فى جوهرها من الروح نفسها، وقد منحته السنوات الفاصلة جرأة أكبر فى إعلان اختياره بعيدًا عن حسابات السوق وتوقعات الناشرين والقراء.

وينطبق توصيف "الكتاب القصصى" على "معجم المفردات العادية" بدقة، فالنصوص تتقدم بوصفها وحدات سردية مستقلة، ثم تتشابك عبر الراوى والأسرة والطفولة، والمشاعر ومنها الخوف والموضوعات ومنها الذاكرة، والجسد، وحتى اللغة.

يفتح كل نص في الكتاب القصصي بابًا داخل البيت نفسه، ويعيد تقديم الأشخاص من مسافة جديدة، حتى تتكون أمام القارئ سيرة عائلية موزعة على مشاهد، واعترافات وحوادث صغيرة ومواقف ظلت عالقة فى الذاكرة، ولهذا يصنع الكتاب وحدته من تراكم القصص، ويمنح كل قصة قدرتها على الانفصال، ثم يعيدها إلى البنية الكبرى التى تجمعها.

بداية من الغلاف الذي يتشكل من أوراق نقدية وعملات معدنية وكيس من الحلوى فوق خلفية نباتية، فيجمع بين النقود والطفولة والبيت، وتتحول هذه الأشياء داخل الكتاب إلى مفاتيح لفهم عالمه، فالمال يظهر فى صورة مبالغ صغيرة ومصروف وسرقة ودين وميراث وشراء طعام وتكلفة علاج، بينما الحلوى تستدعى الطفل الذى يكتشف العالم من خلال الرغبة والخوف والعقاب، فيما تشير الزخارف المنزلية إلى المساحة التى تتولد فيها الحكايات من بيوت وغرف جلوس ومطابخ وشرفات.

يشكل الخوف الخطاب الأوسع فى الكتاب، يبدأ فى الطفولة ثم ينتقل مع الشخص إلى الزواج والعمل والمرض وعلاقته بجسده، يخاف الطفل انكشاف فعلته، وتخاف الأم من حكم الأسرة، ويخاف الأب من فقدان صورته، وتخاف الجدة من كلام الناس، بينما تنمو الشخصية الرئيسية وهى تحاول السيطرة على التفاصيل حتى تتجنب المفاجأة.

ففى قصة "أطم" ينتقل الراوى بين لحظة نزيف زوجته وبين حوار متخيل مع أبيه وأمه، محاولًا فهم رد فعلهما وموقفهما مما حدث، يتحول الألم الجسدى إلى عتاب عائلى، ويستدعى الابن أبويه داخل رأسه كى يحاكمهما ويحاكماه، هنا يكشف الخطاب العائلى قدرته على الاستمرار داخل الشخص حتى أثناء غياب أصحابه، فالأب والأم يواصلان الحديث فى الذاكرة، ويعيد الابن بناء كلماتهما ويجيب عنهما ثم يدخل معهما فى خصومة متأخرة.

أما "البث" فتبدأ بالسؤال: "هل رأيتم أمى؟"، يتحرك الراوى فى الشارع بحثًا عنها، ويصف ملامحها للناس، بينما تتسع الحكاية لتجمع معنى البث بوصفه نشرًا وذيوعًا، ومعناه بوصفه حزنًا شديدًا، يصبح البحث عن الأم إعلانًا عامًا للفقد، وتتحول المسافة بين البيت والشارع إلى مساحة تنكشف فيها هشاشة الابن، الأم التى كانت مركز البيت تتحول إلى غائبة يطارد أثرها، والابن الذى اعتاد وجودها يضطر إلى تقديم تعريف لها أمام الغرباء.

وتحضر الأجساد بكثافة فى "معجم المفردات العادية"، غرز الإبرة والنزيف والجوع  والعطش والرضاعة والمرض والعجز والموت والدفن، ويمنح الكاتب الجسد وظيفة تتجاوز وصف الألم، فهو الذاكرة التى تحفظ كل شيء من آثار السلطة العائلية إلى  المكان الذى تظهر عليه نتائج الخوف والكتمان والحرمان.
فى "ما خلفه الميت" يربط الراوى بين مرضه وخوفه وأبيه الراحل، يتذكر الأب المصاب بالسكر وحكايات الأم عنه، ويدرك أن الميت يترك وراءه أكثر من الممتلكات، يترك طريقة فى الخوف وسكوتًا وارتباكًا أمام الجسد وأسرارًا تتداولها الأسرة بعد الرحيل.

وتكشف هذه القصة جانبًا أساسيًا من خطاب الكتاب، فالأسرة تتحدث كثيرًا عن الآخرين وتتردد أمام مخاطبتهم بما يخصهم، تصل الأسرار إلى الابن عبر الأم، وتصل أخبار النساء عبر الجدات والعمات، ويتحول الشخص إلى موضوع لحكاية تُروى فى غيابه.

تمنح قصة "الأعراف" خاتمة واسعة للسيرة العائلية، إذ يعود الراوى إلى الجدة والأم والزواج والتعليم والعمل والسكن، يرسم صورة الجدة التى انتقلت من بيت أسرتها، وعاشت فى بيت تحكمه سلطة الزوج، ثم صارت صاحبة الكلمة داخله، ويستعيد قصة الأم التى خاضت تجربة زواج قاسية، وعاشت داخل بيت عائلة كبيرة، وتكيفت مع مساحة محدودة للخصوصية والاستقلال، وحاولت فى الوقت نفسه أن تؤمن مستقبل أبنائها.

تظهر النساء فى الكتاب داخل موقع مركب، يحملن مسئولية الطعام والرعاية والعلاج وحماية الأبناء، ويمارسن كذلك رقابة الأعراف التى صنعت معاناتهن، الجدة تحمى وتخيف والأم تحنو وتعاتب والعمة تنقل الكلام وتشارك فى صنع الأحكام، ويعرض الكاتب انتقال السلطة من جيل إلى جيل، فالمرأة التى خضعت فى شبابها لقواعد العائلة قد تصبح لاحقًا الحارسة الأقوى لهذه القواعد.

ويحضر التعليم والعمل والزواج بوصفها ساحات لاختبار المكانة الاجتماعية، ويكشف الكتاب أن "الأعراف" تكتسب قوتها من التفاصيل الصغيرة (زيارة، وخطبة، وكلمة عابرة، وطريقة إعداد الطعام، والجلوس أمام الضيوف، وموافقة الكبير قبل اتخاذ القرار).

يكتب أحمد شوقى علي السرد بلغة فصيحة مشدودة، تتجاور فيها التراكيب القديمة مع مفردات الشارع والمستشفى والمدرسة والعمل، ويحتفظ الحوار بطبيعة الكلام المصرى، فيسمع القارئ أصوات الأم والأب والجدة والخال والزوجة، ويشعر بالفروق بين سلطة كل شخصية وطريقتها فى التعبير.

هذا التداخل بين الفصحى والعامية يخدم مشروع المعجم، فالفصحى تستخرج المعانى المهجورة وتمنح العنوان كثافته، والحوار يعيد المفردة إلى الحياة اليومية، ومن احتكاك المستويين تظهر المسافة بين ما تقوله المعاجم وما يعيشه الناس، وبين دقة التعريف اللغوى وفوضى التجربة الإنسانية.

ويتقدم الزمن بالطريقة نفسها، فالكتاب يرتب الذاكرة وفق الدلالة، ويجمع طفولة الراوى وشبابه وزواجه ومرضه وعلاقته بأبويه وأقاربه فى مسار دائرى، حيث يستدعى موقفٌ قديم موقفًا حديثًا، ويستدعى ألم الزوجة عتاب الأم، ويستدعى مرض الابن صورة الأب، ويعيد موت شخص فتح ملفات بقيت داخل البيت سنوات طويلة. ومن هذا التداخل تتشكل وحدة الكتاب القصصى.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة