ناهد صلاح

عمّان... الحياة تؤجل خوفها

الأحد، 02 أغسطس 2026 02:32 م


وصلت إلى عمّان هذه المرة، ولم تكن تشبه أي زيارة سابقة. نعم إنها ليست زيارتي الأولى لها، لكنها المرة الأولى التي أصل إليها بينما الجميع ينظر إلى السماء أكثر مما ينظر إلى الطرق. ترى، كيف يتغير معنى المدينة حين تصبح السماء مصدر القلق لا مصدر الطمأنينة؟ هل تستطيع المدن أن تعيش وهي تترقب ما قد يسقط عليها أكثر مما تنتظر ما قد يشرق فيها؟.

قبل السفر، كان السؤال يتكرر من الأصدقاء: "ستسافرين فعلًا؟". المنطقة تعيش على وقع حرب مفتوحة، واحتمالات اتساعها تتصدر نشرات الأخبار، بينما تتسابق التحليلات والتوقعات في رسم سيناريوهات أكثر قتامة من بعضها البعض. لكن هل يملك الإنسان أن يؤجل حياته كلما قررت السياسة أن تفتح بابًا جديدًا للخوف؟.

وصلت إلى العاصمة الأردنية للمشاركة في مهرجان عمّان السينمائي، وأنا أحمل الأسئلة والتحليلات والأخبار العاجلة معي. لكن المدينة بدت كأنها ترفض أن تختزل نفسها في نشرات الأخبار. المدن، مثل البشر، ترفض أن تُعرَّف بلحظة خوف واحدة، أو بعنوان عاجل سرعان ما يختفي.

في المهرجان، كان المشهد لافتًا. إدارة المهرجان تمضي في برنامجها بثقة وهدوء، تستقبل الضيوف، منذ اليوم الأول وزعت منشورًا يدعوهم إلى الاستمتاع بتجربة المهرجان، كما لو أن الرسالة الحقيقية المختبئة بين السطور تقول: لا تسمحوا للخوف أن يفسد هذه الأيام. فهل يكون الفن، في مثل هذه اللحظات، رفاهية... أم طريقة أخرى للدفاع عن الحياة؟.

في الوقت ذاته، الأخبار العاجلة تحكي قصة أخرى. تحذيرات أمنية، تصاعد في التوتر، السفارة الأمريكية تدعو رعاياها إلى مغادرة الأردن فورًا. مفارقة يصعب تجاهلها، داخل قاعات السينما يحتفي الناس بالحياة، وخارجها تتحدث الشاشات عن احتمالات الحرب. كم تبدو الحياة غريبة، وهي تسمح للنقيضين أن يتجاورا إلى هذا الحد!.

لكن المدن لا تُعرف فقط بما تبثه الفضائيات، إنما بما يفعله أهلها. فالمدينة ليست حجارة وشوارع، بل القلوب التي تصر على أن تنبض مهما ارتفع ضجيج العالم.

في أحد مقاهي جبل الحسين، حيث دعاني الصديق العزيز الناقد ناجح حسن، جلست مع الأصدقاء الأردنيين من بينهم الكاتب زياد عساف. كان المقهى مكتظًا برواده، الضحكات تعلو أحيانًا فوق صوت الأخبار القادمة من الهواتف المحمولة. لم يكن أحد ينكر القلق، لكنه أيضًا لم يكن مستعدًا لمنحه حق السيطرة على يومه. ربما لأن الإنسان لا ينتصر على الخوف حين ينكره، بل حين يرفض أن يسمح له بسرقة تفاصيله الصغيرة.

بدت لي تلك الجلسة نوعًا من المقاومة الهادئة. مقاومة لا تحمل سلاحًا، بل تحمل فنجان قهوة وكوبًا من الشاي أو الزهورات، وحديثًا عن السينما والثقافة ومحبة كبيرة لمصر لا تنقطع، وأملًا بأن يمر هذا الليل الطويل.  هل يمكن أن يكون الأمل هو آخر ما تعجز الحروب عن مصادرته؟.. إنه الأمل الذي نبهني إليه "حازم"، شاب أردني من أصول فلسطينية، أخبرني أن عائلته من مدينة اللد. ثم أضاف بصوت خافت: "أنا لم أرها... ولا أبي رآها". سألني فجأة: "هل تعرفين اللد؟".

ثم ابتسم وأردف: "أكيد في مصر ما تعرفوها".

ضحكت من يقينه، وأجبته فورًا بكلمات عبد الحليم حافظ في أغنية "ذكريات"، من كلمات أحمد شفيق كامل وألحان محمد عبد الوهاب: "وإزاي... في اللد وفي الرملة... كانت العملة مأساة كاملة..."

اتسعت عيناه دهشة، ثم ابتسم ابتسامة امتنان. لم تكن الأغنية مجرد استدعاء لذكرى فنية، بل كانت دليلًا على أن أسماء المدن لا تسقط من الذاكرة العربية، حتى وإن حاول أعداء الحق والتاريخ أن يقتلعها من أهلها. فهل تموت المدن إذا غاب أهلها؟ أم أنها تظل حية ما دام هناك من ينطق أسماءها بمحبة؟.. ظل هذا المشهد يرافقني طوال أيام المهرجان. كنت أتنقل بين عروض الأفلام، بينما شبح صفارات الإنذار يخايلنا، قد نسمعه في أي لحظة، وحسابات السياسة والتلويح بالحرب تتغير كل ساعة. مع ذلك، لم يتوقف الناس عن الذهاب إلى أعمالهم، لم تغلق المقاهي أبوابها، لم يتخلَّ المهرجان عن رسالته. كأن الحياة تعرف، أكثر منا، أن انتظار النهاية ليس طريقة للنجاة.

أدركت أن الحياة في هذه المنطقة ليست غيابًا للخوف، بل قدرة مدهشة على التعايش معه دون الاستسلام له. فالخوف شعور إنساني، أما الاستسلام فهو قرار.
ربما لهذا السبب تبدو مدننا عصية على الانكسار. تعيش على حافة الأزمات، لكنها تعرف كيف تحصل من الزمن لحظات تستحق أن تُعاش.  تؤمن مدننا وناسها بأن قيمة العمر لا تُقاس بعدد الأيام الآمنة، بل بقدرتنا على أن نمنح الأيام المهددة معنى.

سأغادر عمّان وأنا أحمل يقينًا جديدًا: أن أخطر ما تفعله الحروب ليس القتل والدمار فقط، بل محاولتها إقناع الناس بأن يتوقفوا عن الحياة. وإذا انتصرت الحياة على هذا الإقناع، فقد ربحت معركتها الأولى.

في عمّان، رأيت ناس المدينة ينتصرون للحياة. رأيت مهرجانًا سينمائيًا يفتح أبوابه رغم كل شيء، شبابًا يتبادلون الضحكات في المقاهي، فلسطينيًا يحفظ اسم مدينته التي لم يرها، و.. مصرية تكتشف أن أغنية لعبد الحليم حافظ يمكن أن تختصر تاريخًا كاملًا.

عندها فقط فهمت أن المقاومة ليست دائمًا في ميادين القتال.

أحيانًا تبدأ من شاشة سينما... من مقهى... من أغنية... من مدينة تصر على أن تعيش. وربما تبدأ أيضًا من سؤال بسيط يطرحه الإنسان على نفسه كل صباح: كيف أواصل الحياة، دون أن أتخلى عن إنسانيتي؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة