قبل أن تصبح فريدا كاهلو واحدة من أشهر الوجوه في تاريخ الفن، كانت ترسم وجهًا تعرفه جيدًا وجهها "هي" وجعلت منه مدخلًا للحديث عن الجسد والمرض والهوية والحب والسياسة، ومع مرور الوقت، تجاوز حضورها اللوحات لتتحول ملامحها وملابسها وتسريحة شعرها إلى صورة يعرفها العالم من دون أن يعرف اسم اللوحة التي ظهرت فيها.
وبعد أكثر من سبعين عامًا على وفاتها، تعود هذه الصورة إلى الواجهة من خلال معرض "فريدا.. صناعة أيقونة" في تيت مودرن بلندن، الذي يبحث في الطريقة التي صنعت بها فريدا صورتها، وكيف أعاد العالم تشكيل هذه الصورة وتحويلها إلى ظاهرة ثقافية عالمية.
ضم المعرض أكثر من 130 عملًا أصليًا لها، إلى جانب وثائق وصور وتذكارات من أرشيفها، وأعمال لأكثر من 80 فنانًا من معاصريها وفنانين تأثروا بها من أجيال لاحقة، ويستمر حتى 3 يناير 2027.
لماذا كانت ترسم فريدا نفسها؟
ولدت فريدا كاهلو في المكسيك عام 1907، وأصيبت بشلل الأطفال في السادسة من عمرها، وعندما كانت في الثامنة عشرة من عمرها تعرضت لحادثًا خطيرًا، غيّر مسار حياتها، بعدما أصيبت بجروح بالغة واضطرت إلى البقاء في الفراش لفترات طويلة.
وبعد عودتها من المستشفى، وضعت والدتها مرآة في أعلى سريرها، كما أعد لها والداها حاملًا يساعدها على الرسم وهي مستلقية، وفي عام 1926 رسمت أول بورتريه ذاتي لها، وأهدته إلى حبيبها آنذاك أليخاندرو جوميز أرياس.
ومن هنا أصبح وجه فريدا موضوعًا متكررًا في أعمالها، لم تكن ترسم نفسها بالطريقة نفسها في كل مرة، بل أعادت تقديم ذاتها عبر الملابس والخلفيات والرموز المختلفة، لتصبح لوحاتها وسيلة للتعبير عن جوانب متعددة من هويتها وتجربتها.

فريدا كاهلو
حضور الجسد في لوحاتها
لم تقدم كاهلو صورة مثالية عن نفسها، بل ظهر الجسد في عدد من أعمالها باعتباره جزءًا أساسيًا من تجربتها الفنية، بما يحمله من آثار المرض والعلاج والألم.
ومن أبرز أعمالها في هذا السياق "مستشفى هنري فورد"، الذي رسمته عام 1932، و"العمود المكسور"، الذي قدمته عام 1944، حيث استخدمت جسدها للتعبير عن تجربة شخصية شديدة الخصوصية.
فريدا وهوية المكسيك
كانت كاهلو شديدة الارتباط بهويتها المكسيكية، وظهر ذلك في أعمالها وملابسها وطريقة تقديمها لنفسها، ومن الأعمال التي تناولت جذورها العائلية والثقافية لوحة "أجدادي ووالداي وأنا"، التي قدمت فيها تصورًا لأصولها الأوروبية والمكسيكية.
كما كانت فريدا ناشطة سياسيًا وعضوًا في الحزب الشيوعي المكسيكي، وظهرت أفكارها السياسية ضمن جوانب مختلفة من حياتها وأعمالها.

لوحة لفريدا كاهلو
فريدا ودييجو ريفيرا
كانت علاقتها بالفنان الجداري المكسيكي دييجو ريفيرا واحدة من أشهر فصول حياتها، تزوج الاثنان عام 1929، ثم انفصلا عام 1939، قبل أن يتزوجا مرة أخرى في العام التالي.
وكان ريفيرا فنانًا مشهورًا قبل أن تحقق فريدا شهرتها الواسعة، ولذلك ارتبط اسمها به لفترة طويلة، قبل أن يبرز حضورها الفني المستقل بصورة أكبر، ومع مرور الوقت، طورت كاهلو أسلوبًا خاصًا بها، وأصبحت أعمالها الذاتية واحدة من أكثر التجارب تميزًا في فن القرن العشرين.
من الفنانة إلى "فريدامانيا"
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم الذي يطرحه معرض تيت مودرن هو كيف تحولت فريدا كاهلو من فنانة مكسيكية إلى علامة ثقافية عالمية؟ فاليوم، يمكن التعرف إلى فريدا من ملامحها وتسريحة شعرها وملابسها التقليدية حتى من دون رؤية لوحة لها، كما أصبحت صورتها موضوعًا لإعادة الإنتاج والتأويل، من الفن المعاصر إلى الموضة والثقافة الشعبية.
وتوضح تيت أن معرض "فريدا.. صناعة أيقونة" لا يكتفي بتقديم أعمال كاهلو، وإنما يبحث أيضًا في ظاهرة "الفاندوم" حولها، وفي المجتمعات المختلفة التي تبنت صورتها، وكيف تحولت الفنانة إلى ظاهرة ثقافية وأيقونة تجارية معروفة عالميًا.
ولا يقتصر حضور هذه الظاهرة على الأعمال الفنية داخل المعرض، فمتجر تيت يضم بالفعل مجموعة من المنتجات المستوحاة من فريدا كاهلو، بما في ذلك مطبوعات وملابس وإكسسوارات ومنتجات تحمل صور أعمالها.
كما أصدرت الفنانة البريطانية ماري مكارتني نسخة محدودة من صورتها "Being Frida" بمناسبة المعرض، وتظهر فيها الفنانة تريسي إمين مستلقية على السرير في استحضار بصري لفريدا كاهلو، التي أمضت فترات طويلة في الفراش بسبب مرضها وعملياتها الجراحية.

لوحة بعنوان اجدادي وابي وانا لفريدا كاهلو
من رسم فريدا لنفسها إلى العالمية
ربما تكمن جاذبية فريدا كاهلو في أن صورتها تبدو واضحة ومألوفة إلى حد كبير، بينما تكشف أعمالها عن شخصية وتجربة أكثر تعقيدًا.
فهي الفنانة التي جعلت وجهها موضوعًا متكررًا، والمرأة التي جعلت تجربتها مع الجسد جزءًا من فنها، والفنانة التي ربطت صورتها بهويتها المكسيكية ومواقفها السياسية وعلاقاتها الشخصية.
لكن بعد وفاتها عام 1954، لم تتوقف حكاية صورتها عند لوحاتها، فقد استمر العالم في إعادة إنتاج فريدا وتأويلها، حتى أصبحت شخصيتها نفسها جزءًا من الثقافة الشعبية.

فريدا كاهلو وزوجها عام 1931

لوحة شخصية لفريدا كاهلو

لوحة بورتريه لفريدا كاهلو