في الوقت الذي تبذل فيه جهودا كبيرة من الدول الوسطاء لترسيخ السلام والاستقرار في المنطقة والبناء على اتفاق السلام في شرم الشيخ لوقف الحرب في غزة حرصاً على استمرار وقف إطلاق النار وأن يكون بشكل دائم حقنا للماء وإنقاذا الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، فإن دولة الاحتلال الإسرائيلي تصر على مواصلة مراوغاتها وعدم التزامها بالاتفاقات والعهود ساعية إلى إشعال النيران من جديد في قطاع غزة لاستكمال حرب الإبادة الجماعية فيما تبقى من القطاع المدمر.
فلم يعد المشهد في غزة يحتمل المزيد من المراوغة السياسية أو إضاعة الوقت في دوائر التفاوض التي لا تنتهي، فبعد جهود مكثفة بذلتها مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة، جاءت خارطة الطريق لاستكمال تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء النزاع في غزة، لتفتح نافذة جديدة أمام وقف الحرب وإعادة الإعمار، وترتيب الأوضاع الأمنية والإدارية في القطاع، إلا أن الرفض الإسرائيلي المعلن لهذه الخارطة، وكذلك رفض إقامة الدولة الفلسطينية، يعيدان المنطقة إلى مربع بالغ الخطورة، ويهددان بإهدار فرصة ربما تكون من أهم الفرص المتاحة لإنهاء الحرب.
وفي هذا التوقيت، جاء البيان المشترك لوزراء خارجية مصر وقطر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية ليبعث برسالة سياسية شديدة الوضوح: السلام لا يمكن أن يتحول إلى عملية من طرف واحد، ولا يمكن أن تكون هناك خطة للسلام بينما يرفض أحد أطرافها الالتزام بمسارها، وقد حمّلت الدول الثماني إسرائيل بصورة مباشرة مسؤولية عرقلة الجهود الرامية إلى إحلال السلام في غزة وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة.
الخطورة في الموقف الإسرائيلي لا تكمن فقط في رفض خارطة طريق محددة، وإنما في محاولة إعادة تعريف مفهوم السلام نفسه وفق رؤية لا تترك مساحة حقيقية أمام قيام الدولة الفلسطينية، حيث تواصل دولة الاحتلال الإسرائيلي غطرستها ومحاولة فرض سياسة البلطجة، وهو الأمر الذي لن يقبله أحد.
فالبيان المشترك لم يتعامل مع القضية باعتبارها مجرد خلاف على ترتيبات تنفيذية، وإنما وضع الرفض الإسرائيلي في إطاره السياسي الأوسع، رفض إنهاء الحرب، ورفض استكمال ترتيبات الخطة، ورفض قيام الدولة الفلسطينية، بما يعني عمليًا تقويض الأساس الذي يمكن أن يقوم عليه أي سلام مستدام.
وهنا تظهر أهمية الرسالة التي وجهتها الدول الثماني، وهي أن الأمن الإسرائيلي لا يمكن أن يتحقق على حساب الأمن الفلسطيني، وأن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يبنى على استمرار الاحتلال أو إدامة الصراع أو إغلاق الطريق أمام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
الأهم أن الخطة لم تعد مجرد مبادرة سياسية منفصلة عن الشرعية الدولية، إذ إن قرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر في نوفمبر 2025 أيّد الخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة ودعا الأطراف إلى تنفيذها بصورة كاملة وبحسن نية ودون تأخير، كما تضمن القرار ترتيبات تتعلق بإدارة المرحلة الانتقالية وإعادة الإعمار وقوة الاستقرار الدولية.
وبالتالي، فإن تعطيل تنفيذ الخطة لا يمثل فقط خلافًا بين أطراف النزاع، وإنما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لقدرته على حماية قراراته وتحويلها من نصوص دبلوماسية إلى خطوات عملية، فإذا كان مجلس الأمن قد أقر إطارًا لإنهاء الحرب، وإذا كانت هناك جهود دولية وإقليمية متواصلة لتنفيذ هذا الإطار، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من يملك القدرة والإرادة لإلزام الطرف الرافض بالعودة إلى مسار السلام؟.
وهنا تحديدًا تبرز أهمية الدور الأمريكي الذي طالب البيان المشترك باستمراره بصورة فاعلة، ليس فقط باعتبار واشنطن طرفًا رئيسيًا في صياغة الخطة، وإنما باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على ممارسة التأثير السياسي اللازم لضمان تنفيذ الالتزامات.
وتكشف التطورات الأخيرة مجددًا عن أهمية الدور المصري في إدارة واحدة من أعقد أزمات المنطقة، فمصر ليست مجرد وسيط في الأزمة، وإنما طرف رئيسي في كل ترتيبات وقف الحرب وإعادة إعمار غزة، بحكم الجغرافيا والتاريخ والدور السياسي والمسؤولية تجاه القضية الفلسطينية، والقاهرة هى قلب القضية الفلسطينية وهى المحور الرئيسي والمؤثر في أي مفاوضات وأي حوار حول القضية.
ومن القاهرة، استمرت الاتصالات مع الأطراف المختلفة بهدف دفع خطة السلام إلى الأمام، فيما تؤكد التطورات الأخيرة أن أي مسار حقيقي لإنهاء الحرب لا يمكن أن يتجاوز الدور المصري، ولعل مشاركة مصر في البيان المشترك مع سبع دول عربية وإسلامية أخرى تعكس كذلك محاولة لبناء موقف إقليمي واسع يضع القضية أمام المجتمع الدولي بصورة أكثر وضوحًا، فالمطلوب ليس إدارة الأزمة، وإنما إنهاؤها، وإسرائيل يجب أن تتحمل المسؤولية وتتوقف عن العناد والبلطجة السياسية، وأمريكا يجب أن تواصل دورها في ضمان استمرار اتفاق السلام ووقف الحرب بشكل نهائي.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن وقف إطلاق النار المؤقت، إذا لم يتحول إلى مسار سياسي شامل، يمكن أن يكون مجرد استراحة قبل جولة جديدة من التصعيد، ولهذا فإن خارطة الطريق تكتسب أهميتها من كونها تربط بين ملفات مترابطة (وقف الحرب، وحصر السلاح، والانسحاب الإسرائيلي، ونشر قوة الاستقرار الدولية، ونقل الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية، ثم إعادة الإعمار)، وهذه الملفات لا يمكن التعامل معها باعتبار كل منها قضية منفصلة، لأن نجاح أي منها يتوقف على نجاح البقية، فلا يمكن الحديث عن إعادة إعمار حقيقية بينما القصف مستمر، ولا يمكن بناء إدارة مستقرة في ظل غياب الأمن، ولا يمكن تحقيق الأمن بصورة دائمة دون أفق سياسي واضح، ولا يمكن تحقيق السلام بينما يتم إغلاق الباب أمام إقامة الدولة الفلسطينية.
ولعل من أهم الرسائل التي حملها البيان المشترك أنه رفض بصورة قاطعة أي محاولة لإنكار إقامة الدولة الفلسطينية أو منع تجسيدها، مؤكدًا أن السلام العادل والدائم والشامل لن يتحقق إلا من خلال حل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على أساس خطوط عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وهذه النقطة تحديدًا تمثل جوهر الصراع، فالقضية الفلسطينية ليست مجرد ملف إنساني يحتاج إلى مساعدات، ولا أزمة أمنية تحتاج إلى ترتيبات ميدانية، وإنما قضية شعب له حقوق سياسية ووطنية لا يمكن إسقاطها من أي تسوية، وأي خطة لا تقدم أفقًا واضحًا لإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية ستظل عرضة للانهيار، مهما بلغت قوة الضمانات الأمنية أو حجم التمويل المخصص لإعادة الإعمار.
البيان العربي والإسلامي المشترك وضع الكرة بوضوح في ملعب المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة ومجلس السلام، مطالبًا باتخاذ إجراءات فورية وملموسة للحفاظ على سلامة الخطة ومنع أي طرف من عرقلة تنفيذها، وهذه الرسالة تحمل معنى بالغ الأهمية: لم يعد كافيًا إصدار البيانات أو التعبير عن القلق، فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى قرارات وضغوط وضمانات وآليات تنفيذ واضحة، فالسلام لا يتحقق بمجرد إعلان الخطط، وإنما عندما تصبح الأطراف ملزمة بتنفيذها، وعندما تكون هناك تكلفة سياسية حقيقية على من يحاول تعطيلها.
المنطقة تقف الآن أمام لحظة فارقة، إما أن تتحول خارطة الطريق إلى بداية حقيقية لنهاية الحرب وفتح الطريق أمام إعادة إعمار غزة، وإما أن يؤدي الرفض الإسرائيلي إلى إعادة إنتاج الأزمة بكل ما تحمله من مخاطر إنسانية وأمنية وسياسية، والرسالة الأهم التي خرجت من الموقف العربي والإسلامي المشترك هي أن السلام لا يمكن أن يكون انتقائيًا، والأمن لا يمكن أن يكون حكرًا على طرف واحد، والدولة الفلسطينية ليست ورقة يمكن شطبها من أي تسوية.
إن إنهاء الحرب في غزة ليس مصلحة فلسطينية فقط، بل مصلحة إقليمية ودولية، لأن استمرار الصراع يعني استمرار دائرة العنف والتوتر وتهديد فرص الاستقرار في المنطقة بأكملها، ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن مبررات جديدة لتأجيل السلام، وإنما إرادة سياسية حقيقية لتنفيذه، فإذا كانت هناك خارطة طريق تحظى بإطار دولي، وجهود وساطة إقليمية ودعم أمريكي، وموقف عربي وإسلامي واضح، فإن العقبة الحقيقية لم تعد غياب البدائل، وإنما غياب الالتزام الكامل بتنفيذ المسار المتفق عليه.
وهنا يصبح المجتمع الدولي أمام اختبار لا يحتمل التأجيل، إما أن ينتصر منطق القانون والسلام، أو تظل غزة رهينة لحسابات الحرب، وتبقى المنطقة كلها تدفع ثمن غياب السلام، فيجب أن يتحرك المجتمع الدولي ويتحمل المسؤولية ويتوقف عن تقاعسه وتخاذله والاكتفاء بموقف المتفرج الصامت، متى سيتحرك ويكون له دور فاعل ويجبر إسرائيل على احترام القانون الدولي الإنساني والمواثيق والاتفاقيات الدولية وحقوق الإنسان، متى سيمنح الشعب الفلسطيني حقوقه؟.