كانت البنتُ جميلةً ونبيلة، تحلّت بشجاعةٍ نادرة، قد لا تتوفّر لرجالٍ كثيرين. رأيتُ المشهد من نوع الاستثناء الذى يستهلكه الكلام، وقد يخصم منه بأكثر ممّا يُضيف، فابتهجتُ ولم أُعَلِّق.
أقصدُ فتاة «مول التجمّع»، وصورتها الشهيرة تعقد شعرَها، ثم تتقدّم بثباتٍ لإسعاف المصابين فى حادثٍ قبل أيام.
مرّ الموقف الحلو، واستدعى كالعادة انفعالاتٍ قبيحةً مُضادّة، وظننتُ أنها رغبة الاشتباك لا أكثر، وغرام البعض واندفاعتهم سلوكيًّا بمنطق «خالِف تُعرَف».
أؤمن أننا مُجتمعات عِدّة فى بلدٍ واحد، ولا أضيق بتفاوت الأفكار والمرجعيّات، طالما الهُويّة واحدة، ومكوّنها الصُلب لا اختلاف فيه أو عليه: الجغرافيا، وطبقات التاريخ حسب تفاوت العقول، والتجاور بلا تطابُق أو تنافُر.
ما كُنّا لونًا واحدًا قطّ، ولا سنكون. جسدٌ بأطرافٍ عِدّة، وروحٌ بأطوارٍ تتوازَى ولا تتوالَى، فلا يذوب أحدُها فى الآخر أو ينوب عنه.
وعليه، فما يعجبنى قد لا يلقى قبولَ فئةٍ أخرى، والحدّ بيننا الاحترام المُتبادَل، والوجود المُتكافئ، وسيف القانون الرادع للمُتجاوزين.
هكذا الأحوال، ليست مثالية، ولا أنا راضٍ تمامًا، إنما أُراهن على التدرُّج والتراكُم، وأن نُصلِح مستقبلاً ما استعصى بالحاضر والماضى.
ولا شكّ فى أننا إزاء أسئلة مُركّبة، تتطلّب الإجابة عنها وقتًا وجهدًا وتكاليف. غير أنّ الافتراضات الأوّلية قد تتداعى، وتتعقّد خيوطها، عندما نصطدم بحقائق كُنّا نجهلها، أو نتعامى عنها عامِدين.
كنتُ أتصفح «فيس بوك» أمس، فرأيت منشورًا أعادت صديقةٌ من مذيعات ماسبيرو نشرَه مصحوبًا باستهجان لصفة صاحبه الصحفية، وكان صورةً لفتاة المُول مع تعليقٍ مُنحَطّ.
أخذنى الفضول لحسابه، فوجدت عجبًا بلا حدود، وأفكارًا رجعية، وتعريضًا بالفنانين والمشاهير، وخوضًا فى الأعراض، وتطرّفًا لا يقلّ عن الداعشيّة إلّا السلاح.
الصدمةُ من انتسابه لمهنةٍ شريفة، مهمّتها التنوير واحترام القانون، وأنه يُحسَب على النخبة التى من أدوارها العلاج، لا الإمراض.. وأضع الموقف والشخص على طاولة نقابة الصحفيين، والمجلس يعرفه، وبعضه من أصدقائه المُقرّبين.
السخافةُ ليست رأيًا، والحضّ على الرذائل يتخطّى الحرية المقبولة، ويقع فى حيّز الخطأ. وإذا كانت الصورة غامضةً مع الفتاة، فلعلّها أوضح مع الفتىَ!
طفحت الذكورية مع تَوَالِى الأخبار من سوهاج، عن مَقتلةٍ راح ضحيّتها ثلاثة: امرأة ورجلان. وأُحيل السبب للشرف، فَهَلّل القطيع.
ولا ينفصل ذلك عن هجمة الضباع المُختلّين على البنت سالفة الإشارة، ولا عن القبول بالتحرُّش عمومًا، وممارسته وتبريره، وعن أفكار الأُصوليّة والرجعيّة المُحقّرة للنساء.
منظومة مُتكاملة تنبع من العُرف والتديُّن المغلوط، وتُرسّخها التربية وبعض الشيوخ المُنحرفين، ولا تُردَع بحزمٍ، فتستمر وتتضخّم، وتجرف معها مزيدًا من الضحايا: مُؤهّلين للتطرّف فيُمارسونه، وعاجزين عن كَبحِه فيخضعون أو يصمتون!
لا يمتدح الأشرار إلّا شرّير، ولا يبتهج بالدم سوى مَن يُرحّب بإراقته إن استطاع.. والحقيقة الوحيدة فى القضية، والمُتاح الجَزم بها حتى الآن بيقين كاملٍ، أنَّ الزوج قاتلٌ آثم، ارتكب أسوأ جريمة يُمكن أن يتورّط فيها إنسان، باستحلال الأرواح والولوغ فى الدماء.
أمَّا خيانة الزوجة فمسألةٌ مُعلّقة، لا دليل قاطعًا عليها، ولا مصدر تُسنَد إليه إلّا كلام المُتّهم، وقد تثبُت أو لا تثبُت، من دون أن يُغيِّر ذلك شيئا فى صفة المُجرم أو استحقاقه للعقاب.
والحق، أنّ الواقعة مُركّبة، وعلى قدر اتّضاح الحُكم الأخلاقى والقانونى فيها، فإنها تحتاج مُقاربةً أعمق لتفكيكها، وجهدًا أكبر فى التماس عوارها، ومسارات المُداواة وسدّ الثغرات.
التقاليد هُنا أكثر حضورًا من كل باعثٍ آخر. والفاعل انطلق من هاجس شخصى، تتداخل فيه العصبية والوَصْم/ العار، مع أفكارٍ بدائية عن الكرامة والشرف.
ورباط الزواج الذى يُرتّب له حقوقًا يومية على جسد الضحية، والعكس طبعًا، لا يمنحه الحق فى إزهاق روحها بأية ذريعة، ولو الخيانة الثابتة.
من الزاوية الدينية، فَلَه أن يُقيم عليها الحجّة بشروط إثبات الزنا، أو يلجأ للمُلاعنة إن لم يجد شهودًا، وبها تنتفى شُبهة القذف، ويقع التفريق، إلى آخر أحكام الفقه.
وكان القانون أكثر سِعَة، عندما قدّر ضغطَ التلبُّس والمفاجأة.. وإعمالُ الظرف المُخفَّف له مُقدّمات وأشراط، ليست فى القصّة محلّ النقاش، وحتى عندما يُطَبّق فلا يُغيّر تكييف الواقعة، ولا يُبرّئ القاتل من ذنب القتيل.
الواقعة مليئةٌ بالفراغات غير المنطقية، وكلها ليست فى صالح الزوج. يتوافر سبق الإصرار، ولو حاز الشاب فيديوهات حسبما قال، لكان بمقدوره إثبات الجُرم، واستيفاء حقوقه بأيسر السُبل له، وأقساها على الجُناة.
والغالبُ أننا سنُفاجأ بشفويّة الرواية، وأنه لا صورة ولا صوت، وكلّها كلام فى كلام، ورسائل شَحنٍ من أقارب وأغراب، وفهم معتلٍّ للحميّة والرجولة، وطاقة عُنف كامنة فى النفوس!
والحادثة ليست الشاغل فى ذاتها. أُشفق على الضحايا مرّةً، وأمقُت الجانى مرّتين: لأنه أخذ بيده ما ليس له، وانتهك القانون وعطّله عن مساءلة الناس والدفاع عن أنفسهم فيما يُنسَب لهم، والثانية لأنه ضيّع نفسه بلا مُبرّر، وبدلاً من شُبهة الحق تلبّسه يقينُ الباطل.
غير أن أكثر ما أهتم له، ما تفشّى على مواقع التواصل من احتفاءٍ بالمجرم، وتمجيد لفِعلته، ونهش جماعىّ للضحايا. ولا مُسوّغ إطلاقًا لتبرئة القاتل أو التمثيل بجُثَث القتلى.
الحالة الطقسيّة لمستخدمى المنصّات أهم ما فى الموضوع، وأوجب ما يستحق التوقّف أمامه، وتحليله بعُمقٍ لأجل الفهم والاستدلال، ولإعلاء القانون كأداة ضبطٍ ورَدع، وقطع الطريق على أن تفرز لنا مواكبُ التهليل مزيدًا من المُجرمين.
لا فرقَ بين من يُنفّذ اوَمن يحتفى، إلا الظرف والإمكانية فحسب. ومَن لا يدينُ الفعل فى داخله أوّلاً، وعلى الملأ ثانيًا، قد يكون أجبن من تكراره، لكنّ الفكرة غير مرفوضةٍ لديه.
وأحسَبُ أننا لسنا إزاء تنوّعٍ للآراء، ولا مُجرّد اختلاف فى الرؤى. لكنه انتهاك للمجال العام، وآليات ضبطه وتنظيمه، وحقّ الدولة فى احتكار العنف المادىّ والرمزىّ.
وحقّها أيضًا فى ألّا يتجنّد طابورٌ خامسٍ من قاعدتها الاجتماعية، لانتهاك المواطنة وصفاء الهُوية، أو لتشجيع المُجرمين، فيما تخوض صراعًا معهم على الاستقرار والشعور بالأمان.
والأمر يتطلّب وقفة جادة، بالتوعية والتثقيف وكلّ الوسائل الجميلة الناعمة طبعًا، ولكن دون استثناء الأدوات الخشنة.
وأهمّها تجريم الاحتفاء بالخروج على القانون، أو تمجيد مُرتكبيه، ووضع منظومة عقابيّة مُتدرّجة للتعامل مع الخروقات، بحسب السياق والأحوال وطبيعة الوقائع وخلفيّات المتورّطين فى الإجرام الدعائى، إنْ جاز التعبير.
النُخبة مُقصّرة فى أدوارها، وبعض آرائها ومواقفها ليست أقل رداءة من اللجان وقُطعان السوشيال ميديا.
لن نُعيد اختراع العجلة، ولا تعريف الأشياء من البداية.. الحق جَلىٌّ، والإدانة واجبة، والمُساءلة ضرورة، والإنسان يُرَبّى باللين والشِدّة معًا.