هناك أماكن لا تحتاج إلى أن تتحدث كثيرا حتى تجذبك إليها، يكفي أن تقف أمامها لتشعر أن وراء صمتها حكاية طويلة وفي الحواويش بمحافظة سوهاج، لا يقف الزائر أمام مجرد مقابر منحوتة في الصخور، وإنما أمام مكان احتفظ داخل جباله بصفحات من تاريخ مصر القديمة.
على مقربة من مدينة أخميم، تمتد منطقة مقابر الحواويش، حاملة أكثر من 800 مقبرة تعود إلى عصور مهمة من التاريخ المصري القديم، أبرزها الدولة القديمة وعصر الانتقال الأول هنا، ترك المصري القديم على الجدران ما أراد للزمن أن يتذكره مشاهد للصيد والزراعة والرقص والاحتفالات والطقوس الدينية، لتتحول المقابر إلى سجل مفتوح يحكي تفاصيل من الحياة التي عاشها أصحابها قبل آلاف السنين.
مكان لم يدفن الموتى فقط.. بل حفظ الحياة
قد يبدو اسم «مقابر الحواويش» للوهلة الأولى مرتبطا بالموت فقط، لكن ما تخبئه الجدران يقول شيئا مختلفا فالمشاهد والنقوش الموجودة داخل عدد من المقابر تقدم تفاصيل عن الحياة اليومية للمصري القديم، وتكشف جانبًا من عاداته وطقوسه وأعماله واحتفالاته الصيد يظهر على الجدران، والزراعة حاضرة، والرقص والاحتفالات والطقوس الدينية تسجل لحظات من مجتمع عاش منذ آلاف السنين، ثم رحل أفراده وبقيت صور حياتهم محفورة في الصخور وكأن أصحاب المقابر لم يتركوا خلفهم أسماءهم فقط، وإنما تركوا يوميات مصورة لحياتهم.
من أخميم تبدأ الحكاية
ارتبطت الحواويش بمدينة أخميم القديمة، التي كانت مركزا مهما في مصر القديمة، ولذلك تحولت المنطقة إلى شاهد على جانب من تاريخ المدينة وحياتها الثقافية والاجتماعية ومع مرور العصور، ظلت المقابر قائمة في موقعها، تحمل آثار فترات تاريخية مختلفة، حتى أصبحت اليوم واحدة من أبرز المناطق الأثرية التي تكشف جوانب من الحضارة المصرية القديمة في صعيد مصر.
جبانتان.. وتاريخ يمتد عبر العصور
لا تحكي الحواويش قصة زمن واحد فقط، فالمنطقة تضم جبانتين رئيسيتين إحداهما تمتد في تاريخها من عصور ما قبل الأسرات وحتى العصر الإسلامي، بينما تضم الأخرى مقابر تعود إلى عصر الدولة القديمة، وهو ما يمنح المكان امتدادا تاريخيا واسعا وهكذا، كلما تعمق الزائر في المكان، وجد نفسه أمام طبقة جديدة من التاريخ، وكأن الجبل احتفظ بذاكرته عبر عصور متتالية.
"حم مين".. حاكم الصعيد الذي ترك أثره
ومن أشهر الحكايات التي تحتفظ بها الحواويش مقبرة «حم مين»، حاكم الصعيد في أواخر الأسرة الخامسة وجود مقبرة بهذا الحجم والمكانة يكشف جانبًا من أهمية أصحاب المقابر الذين ارتبطوا بإدارة شؤون البلاد والأقاليم ومع كل نقش ومنظر، تقترب صورة صاحب المقبرة من الحاضر، ويصبح الحجر وسيلة للتعرف على دوره ومكانته في المجتمع المصري القديم.
تتي إقر.. الإدارة كما رآها المصري القديم
ومن بين المقابر البارزة أيضا مقبرة «تتي إقر» من الأسرة السادسة، والتي تسلط الضوء على دور الحكام في إدارة الحياة اليومية وهنا تتحول الحواويش من مجرد موقع أثري إلى مكان يساعد على قراءة تفاصيل المجتمع القديم، وكيف كانت تدار شؤونه، وما المكانة التي احتلها الحكام وأصحاب المناصب.
"كا-حب" لوحة صيد على جدار مقبرة
أما مقبرة «كا-حب»، فتحمل حكاية مختلفة، بعدما حفظت نقوشها الملونة مشاهد من صيد الطيور مشهد بسيط في ظاهره، لكنه يحمل قيمة كبيرة؛ لأنه ينقل إلى الإنسان المعاصر صورة عن جانب من الحياة اليومية في مصر القديمة.
فالمصري القديم لم يكن يسجل الأحداث الكبرى فقط، بل ترك أيضا تفاصيل من حياته اليومية على جدران المقابر، لتصبح بعد آلاف السنين مادة يقرأ من خلالها الآخرون شكل الحياة في ذلك الزمن.
ألوان قاومت آلاف السنين
من أكثر ما يلفت الانتباه في مقابر الحواويش النقوش والزخارف الملونة التي لا تزال تحتفظ بجزء من جمالها رغم مرور آلاف السنين ألوان ومشاهد نحتها أصحابها في الصخور، ثم تعاقبت الأجيال والعصور، بينما بقيت تلك الرسومات شاهدة على مستوى الفنون والعمارة التي وصل إليها المصري القديم.
كل لون، وكل مشهد، وكل نقش يحمل جزءا من الحكاية
حين بدأ العلماء في فك أسرار المكان لم تظل الحواويش مجرد مقابر تنتظر من يكتشف أسرارها، ففي النصف الثاني من القرن العشرين، أجرى عالم المصريات نجيب قنواتي حفائر علمية في المنطقة وخلال أعماله، تم اكتشاف عدد من المقابر، كما قام بنشر نتائج حفرياته في سلسلة من الكتب التي تناولت النقوش والمناظر الموجودة داخل المقابر وبذلك انتقلت حكاية الحواويش من جدران الجبل إلى صفحات الكتب والدراسات، وأصبحت المقابر مادة مهمة للباحثين في التاريخ والحضارة المصرية القديمة.
الجبل الذي أصبح مفتوحًا أمام الزائرين
ومع القيمة التاريخية والأثرية للمكان، شهدت منطقة مقابر الحواويش عمليات تطوير لتصبح أكثر استعدادا لاستقبال الزوار وشملت أعمال التطوير إنشاء استراحة للزوار ومواقف للسيارات، وسور يحيط بالموقع لحمايته، إلى جانب تجهيز درج صاعد يساعد على الوصول إلى المقابر الموجودة على الهضبة وهو ما يمنح الزائر فرصة أفضل لخوض رحلة داخل المكان، والتوقف أمام المقابر والنقوش التي ظلت صامدة أمام الزمن.
لماذا تبقى الحواويش مهمة؟
لأن الحواويش لا تقدم للزائر مجرد أحجار قديمة، وإنما تقدم حكاية مجتمع كامل هناك حكام، وهناك مزارعون وصيادون، وهناك طقوس واحتفالات، وهناك تفاصيل يومية سجلها المصري القديم دون أن يعرف أن عيونا ستأتي بعد آلاف السنين لتقرأ ما تركه خلفه ومن هنا تأتي قيمة المكان فالحواويش تمنح الزائر فرصة للانتقال من الحاضر إلى الماضي، ليس عبر الكتب وحدها، وإنما من خلال الوقوف أمام الجدران التي احتفظت بصور من حياة أصحابها.

إحدى المقابر من الداخل
.jpg)
الطريق للمقابر بعد تطويره (1)
.jpg)
الطريق للمقابر بعد تطويره (2)
.jpg)
الطريق للمقابر بعد تطويره (3)
.jpg)
الطريق للمقابر بعد تطويره (4)
.jpg)
جانب من المنطقة الآثرية (1)
.jpg)
جانب من المنطقة الآثرية (2)
.jpg)
جانب من المنطقة الآثرية (3)
.jpg)
خرائط وروسومات للمكان (1)
.jpg)
خرائط وروسومات للمكان (2)

مدخل بعض المقابر
.jpg)
مقابر الحواوويش من الداخل (1)
.jpg)
مقابر الحواوويش من الداخل (2)
.jpg)
مقابر الحواوويش من الداخل (3)

مقابر الحواوويش

منظر عام لاخميم من أعلى المقابر
.jpg)
منظر عام لمقابر الحوواويش الأثرية (1)
.jpg)
منظر عام لمقابر الحوواويش الأثرية (2)