الناقد أحمد حسن عوض يكتب صلاح عبدالصبور من الولاء للشعر.. إلى البحث عن القصيدة المستحيلة

الإثنين، 17 أغسطس 2026 01:34 م
الناقد أحمد حسن عوض يكتب صلاح عبدالصبور من الولاء للشعر.. إلى البحث عن القصيدة المستحيلة أحمد حسن عوض

لم يكن من قبيل المصادفة أن يختار صلاح عبدالصبور عنوان "حياتي في الشعر" لكتابه الفارق الذي تحدث فيه عن تجربته الشعرية، وقدم خلاصة ٱرائه النقدية في الشعر والفن والمذاهب الأدبية والموروث والأسطورة والمسرح  وفلسفة الحياة؛ فقد كان من الممكن أن يختار عنوانا ٱخر يدور حول التجربة الشعرية أو ما حول هذا الموضوع من الحقول اللغوية الدلالية، لاسيما أنه قد كتب هذا الكتاب - كما أشار- متأثرا بفكرة كتاب "تجربتي الشعرية" للشاعر العراقي عبدالوهاب البياتي أحد رواد شعر التفعيلة الكبار, لكنه ٱثر أن يصك ذلك العنوان اللافت "حياتي في الشعر"؛  ليجسد حقيقة واقعية عاشها بكل عمق، وعرفها عنه كل أصدقائه من المبدعين والنقاد في كل مراحل حياته وهي محبته الغامرة لفن الشعر وانتماؤه المطلق لعالم الشعراء، منذ أن اكتشف في نفسه القدرة على كتابة الشعر والقدرة على وزنه وضبط إيقاع كلماته، حتى تصور أنه ملك كنزا من كنوز السحرة الأقدمين؛ لأن الشعر-كما يقول- سيد الكلام والشاعر يختلف عن البشر العاديين لكن هذا الإحساس بالتميز المبكر لم يجعل عبدالصبور ينتشي نشوة لاهية غافلة بل دفعه إلى الوحدة والمسئولية، وطالبه بمستوى ٱخر من الإحساس بالكون والحياة، إنه يلقي به في عذاب السعاده وعليه أن يعبر لا كما يعبر الناس بل كما يعبر الشعراء؛ لذلك نراه يقول متقمصا صوت المنفلوطي متحدثا عن سيرانو دي برجراك: "إنك شاعر يا مولاي، وقلب الشاعر مرٱة تتراءى فيها صور الكائنات صغيرها وجليلها" إذن -على حد تعبير عبدالصبور-  "لقد تمت الصفقة ودفع حياته ثمنا لموهبته، لقد خير بين أن يحيا حياة كاملة أو يبدع فنا كاملا فٱثر الثانية" لتظل حياته متعلقة  بالشعر، ولندرك أن عنوان الكتاب لم يكن مجرد لافتة براقة لجذب القراء بقدر ما كان تعبيرا عن ولاء مطلق لفن الشعر العظيم، ولاء تحرك من الوعي النقدي المسيج بالتزام أخلاقي لا يقبل المساومة أو التنازل عن مقام الشعر  الرفيع إلى إبداع متحقق بالفعل يجسده عبدالصبور دون أدنى مواربة في كثير من قصائده التي تتحدث عن الشعر بالألف واللام  بل إنه استحضر ملمح "الولاء" ليشكل عتبة عنوانية  لإحدى  قصائده الفارقة التي تتناول علاقة الشاعر بشعره وتعبر عن تحوله العميق في فهمه، وهي قصيدة"أغنية ولاء" حيث كان عبدالصبور يرى أن رحلة الشعر هي رحلة المعنى إلى الشاعر، لا رحلة الشاعر إلى المعنى؛ لذلك نراه يجسد الوعيين في القصيدة نفسها راصدا في المقطع الأول منها كل طقوس التهيؤ المهيبة  لاستقبال الشعر/ الزائر الحبيب:

صنعت لك
عرشا من الحرير ... مخملي
نجرته من صندل
ومسندين تتكي عليهما
ولجة  من الرخام صخرها ألماس
جلبت من سوق الرقيق قينتين
قطرت من كرم الجنان كرمتين
والكأس من بلور
أسرجت مصباحا
علقته في كوة في جانب الجدار
ونوره المفضض المهيب
وظله الغريب
في عالم يلتف في إزاره الشحيب
والليل قد راحا
وما قدمت أنت زائري الحبيب

وعلى الرغم مما قد يتراءى للوهلة الأولى من ارتباط تيمة الانتظار بالسلبية والتواكل والتراخي فإن انتظار شاعرنا لقدوم قصيدته الحبيبة أو حبيبته القصيدة كان انتظاراً إيجابيا تمثل في حيويته التي جسدتها سلسلة أفعال المحبة المتوالية، حيث  حضور التاء المتكلمة الفاعلة المتفانية في تهيئة كل أجواء الروعة والمهابة لذلك اللقاء المرتجى الذي لم يتم، بالرغم من أن شاعرنا قد أخذ بكل أسباب الاستعداد والتهيؤ، بل إن   صنيعه الشعري  على المستوى الرمزي كان  تجسيدا عمليا للوعي الحديث لدى علماء نفس الإبداع القائل "بأنه على الفنان  أن يبقى في حالة استعداد كالغطاس محتفظا لعضلاته بتوازن حساس منتظراً لحظة القفز" التي تمثلها هنا لحظة البدء في كتابة القصيدة.

ومن ثم فإن الشاعر الٱخذ بكل أسباب الإبداع سيغادر سريعا نبرة الاستعطاف (وما قدمت أنت زائري الحبيب)؛ ليقوم بفعل التحرك الإيجابي في المقطع الثاني من القصيدة، مغادرا  مقتنياته القديمة / قصائده العمودية الأولى, مجسدا وعيه المتطور المتحرك من رحلة المعنى إلى الشاعر إلى رحلة الشاعر إلى المعنى، محافظا على جوهر محبته للشعر المنشود والمرتقي إلى مقام القداسة بما  تستوجبه  من التجرد التام  والإحرام المبتهل :
هدمت ما بنيت
أضعت ما اقتنيت
خرجت لك
علي أوافي محملك
كمثلما ولدت -غير شملة الإحرام- قد خرجت لك.

ليقترن  السعي الإيجابي للظفر بالقصيدة بتكرار فعل مساءلة الرواد/ الشعراء الكبار الراسخين في ميدان الشعر  عبر أداء رمزي يجسد وعي عبدالصبور بالشعر باعتباره تراثا متراكما يضيف فيه اللاحق إلى السابق شريطة أن بتجرد كتجرد الحجاج ويفنى كفناء المتصوفة العشاق ليمتلك شرعية الإضافة الشعرية:

أسائل الرواد
عن أرضك الغريبة الرهيبةالأسرار
في هدأة المساء,
والظلام خيمة سوداء
ضربت في الوديان والقلاع والوهاد
أسائل الرواد
"ومن أراد أن يعيش فليمت شهيد عشق"

وبالرغم من أن عبدالصبور قد أنهى قصيدته ليقول لنا إنه لم يعثر على القصيدة فإن ذلك الصنيع الرمزى- الذي طالما مرره لنا عبر مسيرته الشعرية- يبدو مشعا متعدد الدلالات، لعل أبرزها إجلال فن الشعر الذي يبدو فيه الشاعر الحديث  خادما للشعر لا مستخدما له كما كان يصنع شعراء المدح القدامى الذين استخدموا  الشعر للفوز بالعطاء الدنيوي المادي من الخلفاء والأمراء والأثرياء؛ فالشعر ليس وظيفة تنال بها وجاهة اجتماعية بل غاية رفيعة ترتقي بروح الإنسان وتعيده لجوهره النقي المتعالي على غرائزه الدنيا أو طينته الإنسانية على حد تعبير عبدالصبور.

وفي هذا السياق نستطيع أن نتلقى تلك النبرة العذبة التي يناجي فيها عبدالصبور محبوبه الشعر في ختام القصيدة قائلاً:

معذبي يا أيها الحبيب
أليس لي في المجلس السني حبوة التبيع
فإنني مطيع
وخادم سميع
فإن أذنت إنني النديم في الأسحار
حكايتي غرائب لم يحوها كتاب
طبائعي رقيقة كالخمر في الأكواب
فإن لطفت هل إلى رنوة الحنان
فإنني أدل بالهوى على الأخدان
أليس بقلبك العميق من مكان
وقد كسرت في هواك طينة الإنسان
وليس ثم من رجوع

لقد ٱثر شاعرنا- عبر حيلته الشعرية الذكية مكثفة الإيحاءات- أن يتظاهر بعدم مجيء الشعر في نهاية القصيدة برغم نهايتها العذبة الٱسرة ليقول لنا إن الشعر  رحلة مستمرة  وإبحار  لا ينتهي، وليكون أول مبتكر لرمز السندباد  في الشعر العربي الحديث  باعتباره قناعا للشاعر المرتحل دوما وراء قصيدته منذ مقطع السندباد في قصيدة"رحلة في الليل" من ديوانه الأول "الناس في بلادي" إلى ٱخر قصيدة منشورة له "عندما أوغل السندباد وعاد".

وفي هذا الإطار تتعمق مفارقة الإبحار السندبادية حيث جاء ٱخر ديوان لصلاح عبدالصبور أيضا  حاملا عنوان "الإبحار في الذاكرة" ليجسد في كثير من قصائده مسعى الشاعر بين وقت وٱخر  للفوز بالعطاء الشعري المتجدد,حتى وإن قلت قصائده في سنواته الأخيرة, لكنه  ظل  مخلصا لذلك العهد القديم الذي كان قد عاهد الشعر عليه, محاولا استرجاع أصداء اللقاءات الأولى، قائلاً في قصيدة "الإبحار في الذاكرة":

أتأهب للميعاد - الرحلة- في ٱخر كل مساء
أتقرى أورادي، أتزيا شاراتي
في أهداب الغيم' أنشر أشرعتي
أتلقى في صفحتها نذر الريح،
نبوءات الأنباء

ليبتعث في أذهاننا مرة أخرى تلك الطقوس القديمة وأوراد المتصوفة وأحوال العشاق وإصرار  الشاعر السندباد على الخروج الجسور والإبحار الليلي  حتى لو عاندته الربح/ صعوبات الحياة وخاشنه الشعر/ البحر الغضبان ونضب معين الإبداع:

في ٱخر أعقاب الليل
تأتيني نذر الريح
تنقر في شاراتي الأمواج- العقبان
يتقاذف مرساتي صخب القيعان
يصعقني من خلف الدجن
صوت يتردد جياش الأصداء
"قدم قربانك للبحر الغضبان"
"قدم قربانك للبحر الغضبان"
"قدم قربان..."

إذ يرصد عبدالصبور بعمق مفارقة ثنائية تنهض على التقابل بين استمرار إخلاص الشاعر للشعر في سنواته الأخيرة وغضب الشعر من الشاعر؛ لأن شواغل الحياة قد انتزعته من معشوقه الأول, فأمسى سعيه الحثيث للكتابة وإبحاره السندبادي القديم مجرد أصداء  لمحاولات تخالطها انشغالات أخرى، وبالطبع لا يمكن للمرء أن يخدم سيدين -كما كان يردد السيد المسيح-

حيث يتمثل عبدالصبور صوت الشعر المصوب ضده صائحا:

لا تبحر في ذاكرتك قط
لا تبحر  في ذاكرتك قط

وكأن المسكوت عنه في خطاب الشعر الموجه للشاعر لا تبحر في ذاكرتك إذا كنت متورطا في اهتمامات أخرى أخذتك من تجردك الشعري القديم.
والقارئ لقصائد ديوان"الإبحار في الذاكرة" سيجد عددا منها يدور حول هم إبداعي مؤرق يحاول فيه عبدالصبور استعادة خصوبته الإبداعية الوارفة, كما نرى على سبيل التمثيل في قصيدته "شذرات من حكاية متكررة وحزينة" التي يقول في مفتتح مقطعها السابع:

وكنت أخوض صحارى سنيني
ثقيل الخطى مكفهر الجبين
وتأتيني بغتة، كالجنون
فلا أنت موصوفة في مجازات حلمي,
في غفوتي أو نهاري
ولم تتنبأ لي الطير باسمك، رغم استماعي إليها طويلا
ولا كشفت في السحائب رسمك،
رغم تملي منها طويلا

لنرى الشاعر فزعا  من جدبه الشعري الذي احتل  صحارى سنينه، مستشعرا أساه الدفين لعدم قدرته على اصطياد قصيدته المبتغاة  كما عجز  قبل ذلك عن اصطياد وردة الصقيع أو القصيدة المستحيلة التي خاطبها قائلا في ختام  "البحث عن وردة الصقيع":

وأورق اليقين أن مستحيلا قاطعاً كالسيف
لقاؤنا إلا للمحة من طرف

برغم سعيه الحميم  وراءها مثلما اجتهد في إرهاف  حواسه السمعية والبصرية باحثا  عن  قصيدة أخرى جديدة دون جدوى كما نرى في هذا المقطع؛   لتتضح لنا فداحة المفارقة بين قوة الحواس المرهفة  وثقل الخطى العاجزة

وهي مفارقة تجلت أصداؤها الحزينة  في أحد حوارات صلاح عبدالصبور مع نبيل فرج حيث نراه يقول :"كانت حياتي شعرا يتخلله النثر وأصبحت نثرا يتخلله الشعر".

لكن الناظر بعمق إلى قصائد عبدالصبور الأخيرة سيدرك أن نبرتها الإنسانية الحميمة، وصياغتها الأليفة المقتدرة، وصوتها الهامس الأسيان، كلها  ملامح جمالية فارقة قادرة على جعل  قارئها ينتشي بعذوبتها ويتمثل رؤاها  حتى لو ظلت  قصائد تبحث عن القصائد ولا تمثل طموح الشاعر المشدود إلى أفق  البحث عن القصيدة المستحيلة؛ لأن  متعة الرحلة  تتبدى  في تفاصيلها الثرية، ونشوة الوصول إلى نهاية الطريق تتجلى في الخطوات التي تأخذنا لمعاينة الطريق.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة


الرجوع الى أعلى الصفحة