تمر اليوم، 16 أغسطس، ذكرى انعقاد أولى جلسات المحكمة العسكرية العليا في القاهرة عام 1952 لمواصلة النظر في قضية حريق القاهرة، ذلك الحدث الذي وقع في 26 يناير من العام نفسه، والتهمت خلاله النيران مئات المنشآت في قلب العاصمة، مخلفًا قتلى ومصابين وخسائر مادية ضخمة، ورغم مرور عقود على الحادث، فإن السؤال الأساسي ظل حاضرًا في الدراسات والكتب التاريخية: من أشعل حريق القاهرة؟
فالمسألة لم تحسم بصورة قاطعة، وتعددت الروايات والاتهامات بين من رأى أن أصابع المخابرات البريطانية كانت وراء الحريق، ومن حمّل القصر الملكي مسئولية التواطؤ، ومن اتهم عناصر مرتبطة بالوفد أو جماعات سياسية، بينما ذهب مؤرخون إلى أن الأحداث خرجت من نطاق المظاهرات والاحتجاجات وتحولت بصورة عفوية إلى أعمال تخريب ونهب وإحراق.
كيف بدأت أحداث 26 يناير؟
جاء الحريق بعد يوم واحد من معركة الإسماعيلية، عندما حاصرت القوات البريطانية مبنى محافظة الإسماعيلية، ووقعت مواجهة مع قوات الشرطة المصرية التي رفضت تسليم أسلحتها، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بين رجال الشرطة.
وأثارت أحداث الإسماعيلية غضبًا واسعًا في القاهرة، وبدأت مظاهرات شارك فيها عمال وطلاب وقطاعات من المواطنين، قبل أن تتطور الأحداث بصورة متسارعة.
وبحسب الروايات التي تناولت اليوم، اتجهت مجموعات من المتظاهرين إلى مناطق مختلفة من العاصمة، ثم بدأت الحرائق في عدد من المنشآت، خصوصًا في وسط القاهرة، لتتحول المظاهرات إلى واحدة من أكثر اللحظات اضطرابًا في تاريخ مصر الحديث.
وبحلول نهاية اليوم، كانت النيران قد التهمت نحو 700 منشأة وفق بعض المصادر، بينما اختلفت المصادر التاريخية في أعداد القتلى والمصابين؛ فقد أوردت مصادر أرقامًا تتراوح بين عشرات القتلى ومئات المصابين.
الاتهام الأول.. المخابرات البريطانية
كان الإنجليز في مقدمة من وجهت إليهم أصابع الاتهام، ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن بريطانيا كانت تواجه تصاعد المقاومة المصرية في منطقة القناة، خصوصًا بعد إلغاء حكومة الوفد معاهدة 1936 في أكتوبر 1951، وبدء عمليات المقاومة المسلحة ضد القوات البريطانية.
وتذهب بعض الدراسات إلى أن المخابرات البريطانية كانت تمتلك شبكات من العملاء داخل مصر، وأنها كانت تملك مصلحة في تفجير الوضع الداخلي وإضعاف الحكومة الوفدية والحركة الوطنية.
وتشير دراسات تاريخية إلى وثائق بريطانية كشفت لاحقًا عن خطة عسكرية عُرفت باسم «روديو»، كانت تستهدف عزل منطقة القناة عن باقي مصر وفرض واقع عسكري بريطاني جديد، وهو ما استخدمه بعض الباحثين كقرينة على وجود مصلحة بريطانية في تفجير الأوضاع الداخلية، لكن ذلك لا يعني أن الوثائق تثبت بصورة قاطعة أن المخابرات البريطانية هي التي نفذت حريق القاهرة تحديدًا.
«إخوان الحرية».. الجماعة التي ظهرت في قلب الاتهامات
ومن بين الروايات التي ارتبطت بالاتهام البريطاني الحديث عن جماعة «إخوان الحرية»، وهي منظمة ارتبط اسمها في بعض الدراسات بالنشاط البريطاني داخل مصر، وذهب بعض الباحثين إلى أن الجماعة كانت إحدى القنوات التي يمكن من خلالها تنفيذ عمليات سرية، وربطوا بينها وبين المخابرات البريطانية.
لكن هذه الرواية نفسها ليست حقيقة تاريخية محسومة؛ وإنما تأتي ضمن مجموعة من القرائن والاجتهادات التي ظهرت في محاولات تفسير الحريق، ولذلك من المهم الفصل بين الاشتباه التاريخي والاتهام المباشر المثبت قضائيًا.
وماذا عن الملك فاروق؟
الطرف الثاني الذي ظل اسمه حاضرًا في الروايات هو الملك فاروق، واستند أصحاب هذه الرواية إلى عدة قرائن، أبرزها إقامة مأدبة لضباط الجيش والشرطة في قصر عابدين في توقيت متزامن مع اندلاع الحرائق، إضافة إلى الجدل حول تأخر تحرك الجيش لمواجهة الأحداث.
كما أشار بعض الباحثين إلى أن القصر كان لديه مصلحة سياسية في إضعاف حكومة الوفد، خصوصًا في ظل الخلافات المتراكمة بين الملك والوفد، وعلاقة فاروق المتوترة بحكومة مصطفى النحاس.
لكن هذه القرائن، على أهميتها في تفسير الأحداث، لا تكفي وحدها لإثبات أن الملك أصدر أمرًا بإحراق القاهرة.
هل كان الوفد متورطًا؟
على الجانب الآخر، ظهرت اتهامات لعناصر وفدية أو لقوى سياسية معارضة للوجود البريطاني، وتشير إحدى لجان التحقيق البريطانية التي بحثت الأحداث إلى تحميل حكومة الوفد مسئولية غير مباشرة، بحجة أن خطابها المعادي للاحتلال أسهم في خلق المناخ الذي تحركت داخله العناصر المتطرفة.
لكن هذه الرواية كانت محل خلاف، خصوصًا أن الحكومة الوفدية نفسها كانت قد أعلنت الأحكام العرفية عقب اندلاع الحرائق، كما أن اتهامها بالتدبير المباشر للحريق لم يحسمه التحقيق.
رواية أخرى: الحريق خرج من المظاهرات
في مقابل نظريات المؤامرة، ذهب المؤرخ عبد الرحمن الرافعي إلى تفسير مختلف، إذ رأى أن الحريق كان حادثًا محليًا خرج من نطاق المظاهرات، وأن جماهير غاضبة تحولت احتجاجاتها إلى أعمال تخريب وسلب ونهب وإحراق، من دون وجود جهة واحدة تقف وراء العملية.
وتظل هذه الرواية مهمة لأنها تضع الحادث في سياق الغضب الشعبي المتراكم، بدلًا من افتراض وجود مخطط مركزي واحد.
لماذا بقي لغز حريق القاهرة بلا إجابة نهائية؟
المشكلة الأساسية أن التحقيقات التي أعقبت الحادث لم تصل إلى جهة منفذة حُسمت مسؤوليتها بصورة نهائية، وهو ما فتح الباب أمام تعدد الروايات.
واللافت أن كل طرف كان لديه تفسير يخدم قراءته السياسية للأحداث: فهناك من رأى الإنجليز المستفيد الأول، وهناك من حمّل القصر المسئولية، وهناك من اتهم عناصر من الوفد، بينما اعتبر آخرون أن الحريق كان نتيجة مباشرة لفوضى المظاهرات والغضب الشعبي.
وبحسب ما أوردته مصادر تاريخية، فإن التحقيقات لم تحسم الجهة التي نفذت الحريق، ولذلك بقي اتهام المخابرات البريطانية من أقوى الفرضيات المتداولة، إلى جانب فرضية التواطؤ أو التقصير من جانب القصر، دون أن تتحول أي منهما إلى حقيقة قضائية نهائية.
حريق القاهرة.. الشرارة الأخيرة قبل ثورة يوليو
لم يكن أثر الحريق مقتصرًا على الخسائر التي لحقت بالقاهرة، فقد أدى سياسيًا إلى إقالة حكومة مصطفى النحاس وتكليف علي ماهر بتشكيل حكومة جديدة، في وقت كانت فيه البلاد تعيش أزمة سياسية عميقة بين القصر والوفد والاحتلال والحركة الوطنية.
وبعد أقل من ستة أشهر، اندلعت ثورة 23 يوليو 1952، التي أنهت النظام الملكي لاحقًا.