محمود عبد الراضى

عرش النفس.. بين ظمأ الطمع وارتواء الرضا

الإثنين، 27 يوليو 2026 10:17 ص


في زمن الركض المتواصل خلف السراب، يلهث الإنسان في مضمار الحياة، يظن أن السعادة في الكثرة، بينما الحقيقة تتجلى في الكفاية.

بين ظمأ التمني وارتواء التقبل، تكمن حكاية "الرضا النفسي"؛ ذلك السر الخفي الذي يحول قليل المتاع إلى كثير المتاع، ويجعل من ضيق المساحات اتساعاً في المدى.

إن الرضا ليس استسلاماً لواقع، بل هو سلام مع الواقع، هو ليس قناعة العاجز عن بلوغ المنى، بل هو حصانة الناجح من طغيان الهوى.

شتان بين من يملك الكل وقلبه فقير خاوٍ، ومن لا يملك إلا القليل وروحه عرش ملائكي غني، فالغنى ليس في كثرة العرَض، بل في غنى النفس، وحين يطمئن القلب إلى ما قُسم له، تنبت في أرضه اليابسة زهور الطمأنينة.

نحن نعيش في عالم يقاس فيه المرء بما يملك لا بما يحس، وبما يعرضه في الشاشات لا بما يحمله في الصدور.

تصيبنا عدوى المقارنات، فتسرق منا بهجة اللحظة، ننسى أن العاطش الذي يشرب من نهر التمني لن يرويه بحر الملك، وأن عين القناعة هي النظارة التي تريك الجمال في التفاصيل الصغيرة؛ في كوب شاي ساخن في ليلة باردة، في ضحكة صادقة من قلب محب، وفي سقف آمن يلم شمل التشتت.

الرضا النفسي هو التصالح الأكبر مع الذات، هو أن تدرك أن السعي فرض، ونتيجته قدر، وأن الأبواب المغلقة في وجهك ربما كانت حماية لك من سقوط المحتوم، حين تخلع عن كتفيك عبء "لماذا؟..لو"، وتبتعد عن سراديب "ليتني"، تبدأ رئة روحك في تنفس أكسجين الحضور.

ليس المطلوب أن تطفئ شغفك أو تطوي أشرعة طموحك، بل أن تبحر وأنت مدرك أن الرزق مقسوم، وأن جهدك لن يضيع سدى.

اجعل شغفك وقوداً يتجدد، ولا تجعله قيداً يكبل سعادتك، إن الرضا هو أن تبتسم وفي عينيك دمعة، وأن تقول للغد مرحباً وأنت تصافح اليوم بحب.

الرضا ليس محطة نصل إليها ونستريح، بل هو البوصلة التي نتحرك بها. إنه الفن الوحيد الذي تجعل فيه من خيباتك سلالاً من الفرح، ومن عثراتك درجة تصعد بها نحو سماء الذات.

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة