حازم حسين

يوليو الثورة والشرعية والتفويض

الأحد، 26 يوليو 2026 02:00 م


يطغى جدل يوليو السنوى على ما عداه؛ فيكاد يبتلع الشهر كاملاً، ويُجمّده عند انفجار 1952، حتى من دون النظر لتداعياته طوال العقود التالية.
وعلى أهمية الحدث، وموقعه التأسيسى فى السردية الوطنية المعاصرة، لجهة تغيير طابع الدولة ونظام حكمها، أو الإنجازات المادية والمعنوية، وما جاور ذلك من عللٍ وأعباء مُمتدّة.

فإن الذاكرة لا تخلو من مستجدات، وقد تراكبت طبقاتها فوق بعضها، شريحة من قَبيل التراكم الاعتيادىّ، وشرائح ضمن محاولات الاستدراك والتصويب.
وتتشابك الوقائع؛ لدرجة أنه يستحيل فضّها دون اختزال وتبسيط، ودون جَورٍ على حقيقةٍ لصالح أُخرى.

والتاريخ ليس حقلاً مُنبسطًا، ولا رايته منسوجة من خيطٍ وحيد، فبعض الأمور تحتمل التفسير بالشىء وضده، وأغلبها قد يُداخله الهوى والاعتساف.
وإذ تروى مصر عن نفسها؛ أنها دخلت طَورًا مُغايرًا لِمَا عهدته منذ تحوّلت عن الملكية، تُسمّيه الجمهورية الجديدة، ما يعنى أنها استحدثت طبعة ثانية عن النظام الجمهورى؛ فربما يقول قائل إننا ما زلنا فى الأُولى، مجرّد امتداد ليوليو، ولا تنظر العلوم السياسية ليناير 2011، وموجتها التصحيحية فى 2013، على أنهما ثورتان أصلاً!

غير أن المنهج نبتةٌ فى بستان الحياة، والنصّ سابق على التقنين، كما يُقال فى كثير من أبواب العلوم الاجتماعية والأدب.
عُرِّفَت الثورات فى ضوء تجارب، وارتدّت الدراما أحيانًا وما تبدَّلت التعاريف؛ فظلّت الثورة الفرنسية مثلاً تحمل الاسم والوصف والرمزيّة، رغم ما ترتَّب عليها من تقلُّباتٍ بين الملكية والامبراطورية، والتهام الثوار أنفسهم!
أنجز الضبّاطُ حركتهم، وأسبغوا عليها صفة البركة فحسب.
سمّاها طه حسين ثورةً، واحتضنها الناس فثبّتوا التسمية.

ما كانت العِبرةُ بانقلاب الحُكم، ولا بالآلية الفاعلة مُباشرةً؛ بل بموقع الشعب من الحدث؛ وإن تأخَّر نسبيًّا.
أمَّا النظام؛ فليس كتلةً جامدة من الفواعل الخفية، بقدر ما يُعبّر عن جماع التفاعلات فى لحظةٍ ما.

وخروج المُكوّن الجماهيرى من المعادلة يكسر الإطار، ويُربك الاستدامة؛ فتنفجر موجةُ التغيير، بدءًا بالوجوه، وإلى الفلسفة والعلاقات والمعايير والأعراف.
هُنا، ينشأ الجديد على خلاف سابقه؛ ولو بدا أنَّ القديم يُهيمن على الفضاء العام، أو يُقَولِبُ الوافدين حديثًا، ويختزن فى ظاهره شيئًا من الماضى وجوهره الصلد.
عَمَليًّا؛ أدار الإخوان فى عامهم الأسود بالأدوات الموروثة، بينما عملوا فى الخفاء على تقويضها، وإحلال بدائل من خارج الدولة المدنية.
الصناديقُ لا تكفى لإبقاء الممارسة ديمقراطية، أو مَنحها صِفَة الثورة الشعبية.

بشكلٍ ما؛ كانوا امتدادًا لدولة يوليو، وبالاعتقاد والممارسة والنوايا المُضمَرة ظلّوا أعداءها.
وجودهم لا يُمكن اعتباره استمرارًا للجمهورية الأُولى؛ لأنهم ضد الوطنية أصلاً.

وإطاحتهم لا تُطيح يوليو بالضرورة؛ لأنهم كانوا طبقةً من الأوساخ على سطحها، وليسوا جزءًا أصيلاً منها، ولا بديلا كاملاً.
نبعت الحاجة عند منتصف القرن من مظالم الأغلبية، وبُنِيَت الشرعية على القوّة أوّلاً؛ ثم الحاضنة الشعبية، تلاهما الإنجاز على مستويات عِدّة: الاستقلال، الرسالة والدور، والتنمية والعُمران.

نسخة يونيو سارت على الدرب؛ وإن من غير قصدٍ. كانت امتدادًا لآلام يناير التى طُمِرَت تحت أطماع الأُصوليين.
أدركت البلد قبل أن يمضغه الإخوان ويمسخوا هُويّته. وإلى التفاف الملايين؛ أُضِيفَت المشروعات الجديدة والامتداد الاقتصادى أُفقيًّا ورأسيًّا.
ولا يمس من صلابة الرؤية، كل ما يُمكن أن يقع من خلاف مشروع بشأن الأولويات.

وبغض النظر عن ترسيم الحدود بخطوطٍ حادّة حمراء؛ فالقريب كان طوق نجاة للبلاد والعباد، بالكيفية التى كان عليها البعيد، وبأثرٍ لا يقل أهمية وقيمة.
وفيما تجسّدت الذروة فى 30 يونيو؛ فكثافة الحدث وما تولّد عنه من زخمٍ، استأثر بالهالة وغطّى على تفاصيل صغيرة وكبيرة مُجاورة، وتستحق التوقّف.
انتفض الشارع بوتيرة مُتصاعدة، وجاء دور المؤسسات تاليًا. وبالتضافر بين مُمثّلى الأوّل وقادة الثانية، وُضِعَت خارطة الطريق فى 3 يوليو، وانتظم المسار.
غير أنّ محطّة ثالثة يقفز عليها الجميع، تُتَمِّم أضلاع المُثلث، وقد تتقدّم سواها. وأقصد "مليونية التفويض".

والتسلسل الزمنى؛ أن حملة "تمرّد" واصلت جمع توقيعاتها منذ أواخر أبريل، ودعت إلى تظاهرات فى آخر يونيو، تزامنا مع ذكرى دخول مندوب الإخوان لقصر الرئاسة. واستبقت الجماعة ذلك بالتجمهر فى إشارة رابعة.

استمر التحرُّش على منصّة الاعتصام الإرهابى، وفى الشوارع، ووصل إلى أطراف التحرير، وشوارع القاهرة والمحافظات.
نشطت التحرُّكات المشبوهة، وتكثّفت اتصالات التنظيم بالخارج، دولاً ومسؤولين ومنظمات. وبدا أن الأجواء تنحو للتصعيد، وشنّ حرب على الدولة والناس.
استشرفت الإدارة المُؤقّتة ما وراء الضباب؛ فاستغل وزير الدفاع وقتها، الفريق أول عبد الفتاح السيسى، حفل تخرّج دفعة من طلاب البحرية والدفاع الجوى، ليدعو المواطنين إلى تفويضه فى محاربة الإرهاب.

وبديهيًّا؛ أن المؤسسات لديها شرعية الدستور والقانون، وعليها واجب إنفاذهما، والتصدّى لمحاولات المساس بالسِّلم والنظام.
وكان القصد، كما أعتقدُ، أن تستكمل الثورةُ مفاعيلها، وتُسبَغ حالةُ الإجماع على المواجهة المُحتَمَلة؛ لردع مساعى الابتزاز السياسى والدعائى، والاستهداف من الخارج.

كُنت فى التحرير يومها، وكنا فى رمضان. تناول ملايين الصائمين إفطارهم فى الشوارع، وتضاعفت الأعداد ليلاً، وزادت على يونيو؛ اطمئنانا للسلامة، واستشعارًا للاستثنائية والضرورة.

شهدت الأيام التالية تصعيدًا إخوانيًّا مُتناميًا. هجم عناصرهم على المُوجودين فى التحرير من جهة قصر النيل، وأطلقوا النار والخرطوش فأصابوا البعض. وكان الأمر تعبيرًا عن الانحسار، وتأكيدًا لانقضاء حال الخوف، طاويًا معه تجربة الجماعة.

انحسر الإرهاب؛ بنجاح الدولة، وتآكل قدرات التنظيم، وليس لتغيّر مُعتقده. ما يزال مُصرًّا على العداوة، وما راجع سلوكه أو اعتذر عن جرائمه.
المعركة مُتّصلة بصُوَرٍ أخرى، والشرعية أيضًا، وصلاحية التفويض ما تزال قائمة، جنبًا إلى جنب مع شرعية الإنقاذ والبناء والعُمران، وانتشال هُويّة البلد من هاوية الضياع، فى يوليو ويونيو، وطالما بقى السوسُ، وتلطّى الخونة خلف الشعارات ورايات الوطن.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة